![]() |
|
|
النوافذ الفكرية للشهيد الشيرازي (قدس سره)
موقع الإمـــــــام الشيرازي 14/جمادى الآخرة/1431 رؤية معاصرة في تأثير الأعمال الأدبية على الواقع الحركي للمجتمع لا يمكن النظر الى الأدب كونه حالة جمالية لا علاقة لها بتطلعات الناس وطموحاتهم، ولا يمكن الركون الى النظرية التي تقول بأن الأدب لا يخدم سوى نفسه استناداً الى نظرية أو مبدأ (الفن للفن)، ومع أننا نتفق ونقر أن الهدف الأدبي لا يتلخص بإعطاء النتائج العملية المباشرة، ولكن يبقى دوره قائماً وماثلاً للعيان في رسم الحياة وأنشطة الإنسان كافة. يقول الشهيد السعيد والمفكر الإسلامي آية الله السيد حسن الشيرازي (رضوان الله تعالى عليه) في كتابه المتميز والمرموق الذي حمل عنوان (العمل الأدبي): "ليس هدف العمل الأدبي إعطاء الحقائق العلمية ولا القضايا التاريخية، وليس الأدب مكلفاً بالتحدث عن صراع الطبقات مثلاً، ولا عن النهضة الصناعية ولا الكفاح السياسي أو الاجتماعي إلا إذا انفعل الأديب وهاجت لديه تجربة شعورية. ولا يعني أن الأدب لا غاية له إذ إن شرفه الأساس هو توحيد الشعور في مقابل توحيد الذهن الذي هو غاية الثقافة". ويؤكد الشهيد السيد حسن الشيرازي أن الأدب له مهمات قائمة وملموسة ولا ينبغي أن يُلحَق أو يُختصر بالجانب المثالي حصراً، بمعنى أن الأدب لابد أن يؤدي دوره في الأنشطة الفكرية والحركية للإنسان، ولا يمكن أن يبقى بمعزل عن الدينامية المتحركة لمفاصل الحياة عموماً، وفي هذا المجال تحديداً يقول السيد حسن الشيرازي في كتابه المذكور نفسه: "إن الأدب الرفيع لا يستعرض غير الحقائق مهما شط به الخيال، كل ما هنالك إن الأدب يحصد القمم ويقطف النجوم ليعبّد للتائهين المستقبل الصاعد، ولا ينحدر الى المستنقعات الآسنة التي تلفت الصاعدين الى الوراء، حتى ليحسبه الناس مثالياً وما هو إلا منتزعاً من صميمهم منتزع من قممهم لا من سفوحهم". والعمل الأدبي يستحق أكثر من هذا الاهتمام، فالفرد الأديب الذي يحظى بحياة محدودة يعبر عن تجاربه الشعورية إنما يخلد نفسه عبر الأجيال والقرون). من هنا تعاظمت مكانة الأديب كلما كان دوره كبيراً وواضحاً ومؤثراً في الآخرين من حيث تصحيح المسارات الخاطئة لاسيما ما يتعلق بالحرية وتعميقها لدى الناس وإظهار دورها في مقارعة الظلم والتجاوزات التي غالباً ما تتعرض لها الأمة أو المجتمع من الساسة والحكام الظالمين، ويقول السيد حسن الشيرازي حول مكانة الأديب في كتابه نفسه: إن "الأفراد مهما عظموا فإنهم الى فناء، تتلقف الأجداث رفاتهم، لكن الأديب العظيم عندما يولد يولد معه كون عظيم، وحينما يموت يضيف الى رصيد البشرية كوناً عظيماً لم يسبق أن رآه إنسان، وكل لحظة يمضيها القارئ مع أديب هي رحلة في كوكب منفرد متميز الخصائص والسمات. والتجارب الأدبية عوالم لا نهائية تتسم بذلك التنوع الهائل، كما لا ينضب ولا يتشابه طيف منّوع من الألوان والصور والانفعالات". ومع أننا نتفق على الطبيعة المثالية للأدب كونه ينتمي الى المدرك وغير الملموس مادياً، إلا أننا لابد أن نتفق – كما ورد في صدر هذا المقال - على التأثير المادي الواضح للأدب في حياة الأمم والشعوب، وقدراته الفذة في تغييرها نحو الأفضل لا سيما إذا توافرت الأقلام والقرائح الموهوبة والجادة والفاعلة في آن. ويرى الشهيد السيد حسن الشيرازي (رضوان الله تعالى عليه): بأن "العمل الأدبي حركة واحدة يشترك في إخراجه الشعور والتعبير عن التجربة الشعورية التي تتولد نتيجة التلاقح بالمؤثرات الخارجية ثم تعقبها التجربة التعبيرية، كما تتبرعم القيمة التعبيرية انطلاقاً من التسلسل الوجودي بين التجربة الشعورية والتجربة التعبيرية". وهذا ما يؤكد الطبيعة الشعورية للأدب، لكنه لا يلغي الدور الفاعل له في تفعيل الوعي وتعميق الفكر لدى العامة والنخبة في آن، بمعنى أن الأدب وفقاً لرؤية الشهيد الشيرازي (قدس سره) وإنْ كان ذا إطار شعوري بحت إلا أنه يمكن أن ينتهي الى تفعيل القدرة والوعي لدى عامة المجتمع فيكون كالأداة المحركة للطاقات الدفينة والكامنة في أعماقهم. وهذا ما يؤكد ما حدث من أدوار مهمة للأدب في عمليات التغيير التي حصلت عبر التأريخ لدى العديد من الأمم التي كانت خاملة فيما سبق، فحركها الأدب والفكر واستنهض طاقاتها وحولها الى أمم متحركة فاعلة ومنتجة في آن. لذلك يمكن القول بأن الرؤية المعاصرة التي تمخضت عن أفكار السيد الشهيد حسن الشيرازي تصب في إطار الدور الفاعل للأدب في تغيير مصائر ووقائع الأمم والشعوب وإمكانية تحويلها من شعوب ساكنة قارة لا تجيد سوى السكون الى شعوب ومجتمعات منتجة متحركة بإمكانها الانتقال من الهامش الى حيز العمل المبدع والمعاصر في آن. وهذه الرؤية المعاصرة التي يمكن استجلاؤها من الأفكار الجوهرية للشهيد الشيرازي (قدس سره) تنطبق على واقعنا الراهن الذي هو بأمس الحاجة الى تفعيل دور الأدب لكي يسهم في نقل الأمة والمجتمع الى الحالة المتحركة التي يمكنها أن تتواءم مع عصرنا المتسارع في حركته على المستويين المادي والفكري في آن واحد. شبكة النبأ للمعلوماتية |