مستقبل القاعدة (1+ 2)


 

عبد المنعم الأعسم

 

 

موقع الإمــــــام الشيرازي

27/جمادى الآخرة/1431

1- مستقبل القاعدة .. تفاؤل مبكر

في وقت متقارب، في غضون الأسابيع الماضية، قالت المصادر الأمنية والعسكرية العراقية والأميركية أن التنظيمات المسلحة وفصيلها الرئيسي تنظيم القاعدة تلقت ضربات عميقة، وجرى تفكيك الكثير من خطوطها وأوكارها، وقتل الكثير من رؤوسها وأفرادها، وأجمل قائد القوات الأمريكية في العراق الجنرال أوديرنو نتائج الحملة "المشتركة" بقتل 34 مسؤولاً من بين 42 من قيادات التنظيم الإرهابي.

ونشرت الصحافة الأمريكية والغربية معطيات عن نجاح الحملة التي تشنها واشنطن وحليفاتها في تجفيف مصادر التمويل المالي للقاعدة، فيما فُهم من تصريحات كثيرة أن الإدارة الأمريكية تشعر أن التحديات الأمنية في العراق التي تشكلها مجموعات القاعدة تراجعت كثيراً في حين تصاعدت هذه التحديات في أفغانستان، ويلاحظ المراقبون سباقاً محموماً بين الحملة الإعلامية والعسكرية ضد القاعدة وبين الموعد المقرر لانسحاب القوات الأمريكية من العراق في نهاية العام المقبل.

وتترك سلسلة التصريحات والمعلومات المتداولة في الإعلام انطباعاً بالتفاؤل مشوباً بالحذر، ويشار، في كل مرة، الى إن طبيعة التنظيم الإرهابي العالمي المعاصر المستمدة من تجربتي حركة الأفغان العرب (ابن لادن)، والجهاد المصرية (الظواهري) خلقت معها عوامل استمرار وتواصل وتجديد، وتتمثل تلك العوامل:

(أولاً)  في البيئة السياسية الناتجة عن الاصطدام التاريخي بين الإسلام الأصولي والغرب بعد هزيمة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان وقيام إمارة طالبان هناك، حيث تفكك حلف المجاهدين مع المخابرات الأمريكية والحكومات الإسلامية المحافظة، وحل العداء بينهما محل التحالف والتنسيق والرعاية، وتدخل في حشوة هذا العامل ردود الفعل الغاضبة في الساحات الإسلامية على سياسات الغرب حيال إسرائيل، وقضايا الحرب، وتحويل دول فقيرة الى مكبات للنفايات وأعمال النهب والإفقار والتخلف التي تتركها الشركات والمؤسسات الغربية في الدول الإسلامية والفقيرة.

و(ثاني)  عوامل استمرار الإرهاب، وصعوبة القضاء عليه يمكن رصده في الآليات التنظيمية المعقدة للقاعدة، حيث صنعت فقها جهادياً مسلحاً يقضي باعتماد نخبة صغيرة من المقاتلين الانتحاريين الكفوئين والمدربين جيداً على استخدام أنواع الأسلحة والتقنيات والمعارف المختلفة تتولى إدارة مركز التنظيم وشبكة اتصالاته وإعلامه وأمواله، ومجموعات كثيرة من الموالين والمتطوعين والأتباع، في جميع القارات، الكثير منهم منخرطون في "خلايا نائمة" قيد الإشارة للتحرك الى أية مهمة، وبعضها يبادر ذاتياً الى توجيه ضربات لـ "العدو" حيثما تسنح الفرصة وتتوفر الإمكانيات.

و(ثالث)  هذه العوامل التي يستند إليها الإرهاب الدولي للتواصل تتوفر في التسهيلات التي يحصل عليها في شبكة القوانين والأنظمة والثغرات والفرص في الدول الأوربية والعديد من الدول الإسلامية والعربية، وقد أحسنت شبكة القاعدة، الى حد بعيد، استثمار هذه البيئة الرخوة في مجالات الإعلام والتدريب والتجييش والتمويل المالي، وقد تم الكشف خلال العام الماضي (فجوات أمنية قاتلة) في أكثر من بلد أوربي تسللت من خلالها عمليات ضربت أو كادت تضرب، في قلب الهيبة الأمنية والسياسية في الولايات المتحدة ومناطق كثيرة من العالم.

بوجيز العبارة، لم تعد أنشطة القاعدة في العراق، والعالم، كرد فعل عقيدي أو سياسي على ما كان يعتقد بأنها مهانة للإسلام والمسلمين من قبل الولايات المتحدة والغرب.. بل هي مشروع سياسي، بمفردات وأجندات كثيرة، دخل معادلة الصراع في العالم غداة انهيار نظام القطبية الثنائية وعهد الحرب الباردة، وصنع بسرعة لافتة مكاناً له في لعبة الاحتمالات.

2- مستقبل القاعدة .. آفاق بلا آفاق

يُعدّ الإرهاب الدولي، ومفرداته ذات الصلة بالتطرف الإسلامي "الجهادي"، والهوس القومي، والتجييشية الوطنية، وبقايا أقصى اليسار المسلح جزءاً عضوياً من الخارطة السياسية العالمية لما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وأنظمة الاشتراكية في شرق أوربا، وإذ جرى، على وجه السرعة، بناء تحالف دولي لمواجهة الارهاب بقيادة الولايات المتحدة، فإنه، بالمقابل، تشكلت جبهة عالمية، أو أعمال تنسيق وتعاطف وشراكة (غير معلنة) بين فروع الأنشطة والمنظمات الإرهابية، على اختلاف إيديولوجياتها، وبيئاتها الجغرافية، واحتل تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن مكان القوة الرئيسة، والرادعة، في هذا التجمع، يعادل المكانة التي تحتلها واشنطن في التحالف المناهض.

ومن الطبيعي أن يرى المحلل الحقيقة الموازية الآتية: ليس كل دول العالم، ولا كل تجمعاته السياسية موزعة بين هذا القطب أو ذاك من المعادلة.. فثمة الكثير من الدول، وحتى في أوربا، تقف في المنطقة الوسط: تهادن النشاط الإرهابي، وتتجنب مواجهته، وتغض الطرف عن خلاياه وحركة تمويله وتحرك زعمائه وتابعيه وأعوانه، في ذات الوقت الذي تنفذ مطالب الولايات المتحدة وقرارات المنظمة الدولية ذات الصلة، ويمكن لنا أن نعدد العشرات من الدول التي تقف في هذه المنطقة، فيما يتعامل الإرهابيون مع هذا الواقع بالكثير من المرونة، وينأون بأعمالهم وهجماتهم عن ساحات موالية للغرب، بل وتنتشر فيها قوات أمريكية ومصالح إسرائيلية تدخل أصلاً في مرمى خطاب التجييش والجهاد الذي تروجه وتلتزمه.

الى ذلك، فإن مصير القاعدة والإرهاب العالمي يتوقف، كما يبدو، وفي المقام الأول، على نتائج "الحرب" المصيرية شديدة التعقيد التي تخوضها في كل من باكستان واليمن حيال حملة هجومية منهجية تدعمها الولايات المتحدة لوجستياً ومالياً، فإنه على وفق نتائج هذه الحرب يتقرر مشروعها في كل من العراق (دولة العراق الإسلامية)، وأفغانستان (إعادة نظام طالبان) أخذاً بالاعتبار أن الساحتين كانتا الظهير الرئيسي للمشروع الإرهابي، إذ انطلقت طالبان وصنيعتها القاعدة من مناطق شرق باكستان بدعم ورعاية المخابرات الباكستانية، فيما كانت مناطق أبين اليمنية بمثابة معسكرات تدريب وتأهيل لجيل من الانتحاريين الذين توجهوا الى العراق بمعرفة (أو تشجيع) السلطات المحلية.

لكن من التبسيط، والخطأ، الاعتقاد بأنه بإمكان القاعدة والمشروع الإرهابي الدولي إلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة وحلفائها، ليس فقط لأنهما لم يقدما مشروعاً بديلاً (قابلاً للتحقق) عن العلاقات الدولية القائمة أو عن النظام الدولي القائم، بل وأيضاً، لأنها لا تملك الآليات والقوة الاستراتيجية التي تضمن تحقيق الفوز على التحالف المناهض للإرهاب، في وقت تنحسر إمكانيات تنظيم القاعدة وتضيق، الى أدنى حد القاعدة الاجتماعية التي تتعاطف معها، فيما يتكرس الطابع الأساسي والمبكر لها القائم على عمليات وسياسة رد الفعل.

أقول من التبسيط الاعتقاد بحلول عصر دولي تديره القاعدة ومنظومات التطرف والتجييش، على الرغم من إن شعاراتها تندد بالمظالم والجبروت، وإن العالم مليء بالمظالم والانتهاكات وسياسات العدوان والاستهتار والإملاء والدكتاتوريات وأنظمة الحزب الواحد والطغمة الواحدة ومصادرة الحقوق.. فهل إن موصوفات ابن لادن السياسية، وحروبه، وخطبه تستوعب (وتأتمن) حقاً هذه العناوين من شكاوى الملايين في العالم؟ أم إنها نفسها أصبحت أيضاً مصدراً إضافياً لتلك للشكوى؟.

الاتحاد الكردستانية