![]() |
|
|
الإعلام أمانة و شـهادة ومسـتقبل...سطوة الإعلام (1)
موقع الإمــــام الشيرازي 7/رجــــــــــــب/1431 يـُقـال أن صحفياً شاباً حاول الحصول على مقابلة صحفية مع أديسون صاحب الألف اختراع ولكن أديسون رفض ذلك، فما كان من الصحفي إلا أن نشر في اليوم التالي حديثاً مطولاً مع أديسون تحت عنوان "أعظم مخترع في العالم"، فاتصل أديسون بالصحفي، وقال له: "بل أنت أكبر مخترع في العالم، وليس أنا!. وذلك بحسب رواية الأستاذ محمد مصطفى تحت عنوان: "من طرائف الأخطاء الصحفية". هل وظيفة الإعلامي هي محاولة اكتشاف الحقيقة أم اختراعها أم الاثنين معاً؟ هل وظيفة الإعلامي إيصال البيانات أم المعلومات أم المعارف؟ هل تأصيل المعرفة هي من وظائف الإعلامي الملتزم؟ وما هو الطريق إلى ذلك؟ في بعض الدول الأوروبية، ومنها المملكة المتحدة، لا يتردد الإعلام في اختراع الحياة الخاصة للشخصيات السياسية أو العامة، لكن في السويد - على سبيل المثال - يختلف الأمر رغم حرية الصحافة الكبيرة والديمقراطية الموسعة إلا أن هناك حدود لما تتناوله الصحف عن الحياة الخاصة للشخصيات العامة.. ومن هذا المنطلق يجب على الصحفي إظهار اهتمامه بالشخصية ولكن دون الدخول في الخصوصيات والابتعاد عن التجريح، مع توخي الصدق والأمانة في نشر المطلوب بعد التأكد التام نسبياً من الحقائق..الخ، وسيأتيك المزيد، لكن باختصار يمكن أن نجيب على السؤال المتقدم بالقول: غالباً وفي الممارسة يبدو أن وظيفة الإعلامي تترواح بين الاكتشاف والاختراع، وبين الواقع والخيال، وكما تتراوح بين إيصال البيانات والمعلومات والمعارف، وذلك على طريق الاقتراب من الحقيقة، أما تأصيل (أسلمة) المعرفة فهي مسؤولية كبيرة وخطيرة، ولابد منها، وهي من وظيفة الفقهاء، والخبراء، والمفكرين والمنظرين، والإعلامي لا يمكن أن يستبعد من ذلك لضمان عدم الوقوع في فخ التلفيق لأن المحصلة النهائية للتلفيق لا يقود حتى إلى ما حققه الغرب من تقدم مدني واقتصادي وعمراني لأن التلفيق يُنتج صورة مهزوزة من النموذج الغربي المنشود من قبل البعض، والنموذج الغربي، وكما هو النموذج الإسلامي منظومة كاملة تقوم على رؤية محددة للنفس وللعالم وللحقيقة، والنموذج لا يقبل الفصل والتجزئة والانتقائية لأنه ينتج معرفة تلفيقية وأنظمة مهزوزة كما هو الحال في نظامنا التعليمي القائم، ولهذا أصبح ارتباط الكثير من شبابنا بالموقف الإسلامي ناشئاً عن العاطفة، وليس عن اقتناع مدعم بالدليل. وواضح أن التزامه هذا بالإسلام لا يمكن أن يثبت أمام انقضاض الحقائق التي تلبس ثوب "العلمية" و"الموضوعية" و"الحداثة"، ولا عجب بعد ذلك أن يصبح من الناحية الثقافية مادياً متشككاً، لا هو بالمسلم ولا هو بالغربي رغم أنه في وطنه، ويكون على استعداد للسير وراء منْ يلبي له طموحاته المادية وشهواته الآنيّة. نعم في الممارسـة يبدو أن وظيفة الإعلامي تترواح بين الاكتشاف والاختراع، قال الشاعر حافظ إبراهيم (1872 – 1932م)، الملقب بشاعر النيل، وبشاعر الشعب: لكل زمان مضى آية .... وآية هذا الزمان الصحف ولذلك وغيره قيلَ: - الإعلاميون يروون للقراء أشياء ليست حقيقية على أمل أن تتحول الى حقيقة إذا أدمنوا الحديث عنها. - إن حملة صحفية متقنة تستمر لمدة شهرين كفيلة بأن تقود الفرنسيين الى الإيمان بالله. مـاذا نسـتنتج بعد إضافة المقولات التالية لـمـا تـقـدم َمن وجهات النظر الفرنسية عن صحافتهم وصحافييهم؟ - قال روجيه غارودي حرفيّاً: (لم يدرس الغربُ الإسلامَ دراسة صحيحة، حتَّى في الجامعات الغربيَّة، وربما كان هذا مقصوداً مع الأسف)[1]. - قال أليكسي جورانفسكي: (… نجد أن "علم الإسلاميات" هذا يشكل بدوره عدداً ضخماً من "الأساطير" و"الخرافات" الغربية الجديدة حول الإسلام، ولم يفعل شيئاً مهماً، اللهم إلا أنه أضفى صبغة علمية على الأضاليل القديمة، والخرافات والقوالب النمطية الغربية العنيفة عن الإسلام)[2]. - يقول المستشرق البريطاني المشهور (جب) في كتابه: (وجهة الإسلام) متحدثاً عن أهمية الصحافة في مجال تكريس المركزية للثقافة الغربية في بلادنا: (والواقع أن المدارس والمعاهد العلمية لا تكفي، فليست هي في حقيقة الأمر إلا الخطوة الأولى في الطريق، لأنها لا تغني شيئاً في قيادة الاتجاهات السياسية والإدارية). وللوصول إلى هذا التطور الأبعد ـ الذي بدونه تظل الأشكال الخارجية مجرد مظاهر سطحية ـ يجب ألا ينحصر الأمر في الاعتماد على التعليم في المدارس الابتدائية والثانوية، بل يجب أن يكون الاهتمام الأكبر منصرفاً إلى خلق رأي عام، والسبيل إلى ذلك هو الاعتماد على الصحافة. ويقرر (جب): (إن الصحافة هي أقوى الأدوات الأوروبية، وأعظمها نفوذاً في العالم الإسلامي). كما يقرر: (إن مديري الصحف اليومية ينتمون في معظمهم إلى التقدميين)، ولذلك كان معظم هذه الصحف واقعاً تحت تأثير الآراء والأساليب الغربية. ويستعرض الكاتب بعد ذلك صحافة العالم الإسلامي مشيراً إلى ما بينها من فروق فيقول: (إن الصحافة التركية هي بطبيعة الحال وطنية لا دينية، وهي لا تجرؤ على أن تكون دينية، لأنها مراقبة من الحكومة مراقبة شديدة، أما الصحافة المصرية فهي على العكس من اتجاه الأول - الثوري - تتطور في بطئ، وتعرض طائفة من الآراء الجديدة، وهي على كل حال لا دينية في اتجاهاتها)[3]. - كتب الشاعر السوفييتي "ماياكوفسكي" عام 1922: "السينما بالنسبة لكم هي الفرجة. أما بالنسبة لي فهي أقرب من التصور للعالم. لكن السينما مريضة. لقد رمتها الرأسمالية بغبار الذهب، وهاهم رجال الأعمال الأذكياء يقودونها من يدها، ويسوقونها بين الطرقات، يجمعون الأموال، بتحريك القلوب، بموضوعات مبكية". ورد المنتج الإيطالي الأشهر "كارلو بونتي" فيما بعد: "يجب أن تصل السينما إلى أمعاء المتفرج. إذا وصلت إلى دماغه فهذا يعني أن الفيلم سيئ. الإنسان الذي يريد تثقيف نفسه.. لا يذهب إلى السينما، بل يأخذ كتاباً"[4]. ـ إن الدراسات الاجتماعية والتربوية المعاصرة تعتبر (صناعة الإعلام) من أخطر وأهم الصناعات على الصغير والكبير، المتعلم والأمي، والمسلم وغير المسلم. وإذا كانت الانقلابات العسكرية تستهدف أول ما تستهدف الاستيلاء على الإذاعة والتلفاز، فإن أجهزة التغريب تستهدف ذلك بنفس الدرجة، وبذات الأهمية، ولكن بطريق ذكية، وبناء على خطة بعيدة المدى . وإذا كانت المجتمعات الإسلامية تشكو من ارتفاع نسبة الأمية الأبجدية، فلتكن السيطرة الغازية على إذن المسموع والمشاهد، ولتستمر بتلك الأمية الأبجدية، ولتضاف إليها أمية دينية، وأمية ثقافية[5]. هل يمكن أن نفسـر بما تقدم عن الإعلام والدراسات الاستجابات المتأثرة التالية مثل مقولة ضياء غوك ألب التركي: "إن حضارة الغرب هي المستقبل، وإن حضارتنا الماضية إلى الإعدام"، وما قاله د. طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" يقع في ذات النطاق . وكان سلامة موسى في كتابه (اليوم والغد) أقوى عاطفية إذ قال: "أنا كافرٌ بالشرق، مؤمنٌ بالغرب" . لقد كان التصور الغالب هو أن الحضارة الغربية بكل ما فيها تمثل مستقبل الإنسانية، وليس على الحضارات الأخرى إلا أن تجد لنفسها مقابر تدفن فيها. ونادى برهان غليون بعلمنة الإسلام.. وحرص نصر حامد أبو زيد على تاريخية النص القرآني.. ونادى محمد عابد الجابري إلى قطيعة إبستمولوجية (أي معرفية) مع التراث و...الخ. لكن بعد ذلك كانت مراجعات جريئة شجاعة قادت الاتجاه الليبرالوي التغريبي المسيـّس نحو الانحسار بشكل ملحوظ . ما هو السـبب وراء ذلك؟ لنفكر معاً حتى الحلقة الثانية إن شـاء الله تعالى . -------------------------------------------------------------------------------- [1] مقالة: لا يا قداسة البابا بقلم الدكتور: شوقي أبو خليل - alfatihonline.com [2] أليكسي جورانفسكي: الإسلام والمسيحية، ترجمة د.خلق محمد الجراد، سلسلة عالم المعرفة، ط1، 1996، ص105 [3] مجلة مجمع الفقه الإسلامي - (7 - 2214) نقلاً عن: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر: ص 202 . [4] عن الأستاذ محمود الكردوسي في: قصة بناء عاصمة السينما - الحلقة الثانية ـ بعنوان: هوليوود تشرق من الغرب ( المومس الفاضلة ) . [5] مجلة مجمع الفقه الإسلامي - (7 - 2215). |