![]() |
|
|
التخلف والتطرف .. حقيقة العلاقة وبؤس الأتباع
موقع الإمــــام الشيرازي 16/رجــــــــــب/1431 تشهد وقائع الفكر، كما تشهد وقائع الواقع، أن هناك علاقة عضوية، بل وجدلية، بين التطرف والتخلف. الشواهد تؤكد أن المتطرف لا يمكن إلا أن يكون متخلفاً، كما أن المتخلف لا يمكن أن يكون إلا متطرفاً. كلاهما حالة تطرف وكلاهما حالة تخلف. كل منهما يستمد وجوده، ومن ثمَّ، مشروعيته، من الآخر، وكل منهما سبب للآخر ونتاج له في الوقت نفسه. وتراجع أو زوال أحدهما، لهذا السبب أو ذاك، يعني أن الآخر حتماً في سياق التراجع أو الزوال. طبعاً، سيختلف معي كثيرون في هذه الدعوى، وسيرونها مجرد ادعاء، وسيتضخم الاختلاف في الشطر الثاني من المعادلة، أي في كون المتخلف بالضرورة متطرفاً. لن يكون الاختلاف في حقيقته نتاج رفض الإقرار بالصورة التي تُطرح فيها العلاقة بين التطرف والتخلف، كما في الفقرة السابقة، وإنما سيكون سبب اختلافنا أننا مختلفون أصلاً في تحديد (ماهية التخلف). هم يرون التخلف محصوراً في تضاؤل القدرة على تكييف الطبيعة (بما فيها الطبيعة الإنسانية) وتطويعها واستغلالها بأقصى درجات الاستغلال. بينما نحن نراه محصوراً في الانطواء على رؤيةٍ غير علمية عن (عالم الذات) وعن (عالم الآخر) وعن (عالم الأشياء)، أي أننا نراه مرتبطاً بماهية الوعي: هل هو وعي أسطوري أو شبه أسطوري مُترَعٌ بالأوهام، أم هو وعي علمي (طبعا، وفق الحدود التي تُوفرها قدرات الحواس من جهة، وقدرات العقل البشري التي تتعقّل معطيات هذه الحواس من جهة أخرى) بالذات وبالآخر وبالأشياء؟!. المتخلفون ينطوون على وعي أسطوري بالذات (وهذا ما أنتج أوهام التفوق العنصري ونظرية الاصطفاء والاختيار، فاليهود يرون أنهم شعب الله المختار، وهناك مِن مُتطرفي العرب = متخلفي العرب من يرى أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، والزعيم الألماني هتلر كان يرى أن العرق الآري هو الأفضل...إلخ)، وينطوون على وعي أسطوري بالآخر (وهو ما تظهر نتائجه في التعامل مع الآخرين بوصفهم أقل بشرية وازدراءهم واستغلالهم، وخاصة المستضعفين منهم كالعمال والخدم)، وينطوون على وعي أسطوري بالأشياء (وهذا ما يظهر في نفي السببية الحتمية والاعتماد على التفسير الخرافي لمظاهر الطبيعة من زلازل وبراكين وعواصف ..إلخ). ولا شك أن هذا وعي خرافي ناتج عن ضمور في الرؤية العلمية، وهو يعكس حقيقة التخلف بشواهد الأعيان. وبطبيعة الحال، فالتخلف وفق هذا المفهوم لا يستطيع أحد أن ينكر علاقته العضوية بالتطرف والإرهاب. على ضوء هذا التحديد، يتضح أن إخواننا التقليديين الذين يتأبطون مُخلّفات القرون الوسطى، مغتبطين بها، يتوارثونها ناقلاً عن ناقل لا يزدادون علماً، كلما حفظوا واستوعبوا، ومن ثمّ، لا يزدادون تقدماً، لأن ما يحشون به الذاكرة ليس علماً، ومن ثمَّ لا يقود إلى أي تقدم. وهذا واضح، فهم منذ أكثر من عشرة قرون لم يتقدموا خطوة واحدة إلى الأمام، بل هم وباعترافهم يقولون: قد فسد الزمان وتردّى العلم وذهب الصالحون!. والحقيقة أنهم هم، وكنتاج طبيعي لمثل هذا الركام الخرافي، يتراجعون، لأنهم لا يبنون عِلماً حتى وإن سمّوه: علماً، وإنما يبنون أوهاماً على أوهام وأساطير على أساطير، فيزدادون جهالة، كلما اجتهدوا في التهام ما يظنونه: علماً، ويزدادون تخلفاً كلما (تقدموا!) إلى الوراء. وبهذا، فمَن يرونه من بينهم الأعلم فهو الأجهل حقيقة، لأنه هو المنطوي على أكبر قدر من الأوهام والأساطير التي تمنحه وعياً مغلوطاً عن الذات وعن الآخر وعن الأشياء. لو كان ما يلتهمه هؤلاء التقليديون علماً حقيقياً، لم يكن ليشدهم إلى بُؤر التطرف ومستنقعات التخلف. لاحظ، كلما ازدادت محفوظات أحدهم من هذه الأوهام والأساطير التي يُسمّيها: علماً، ازداد نفوره من الحضارة، وارتفعت حِدّة عدائه للآخرين، وأمعن في التشدد والانغلاق، وصارت وساوسه وهواجسه المرضية وتخيلاته التآمرية، إلى أن يصبح متطرفاً كامل التطرف، ومن ثمَّ، يصبح إرهابياً. يمكنك أن تلاحظ أن التقليديين الأوائل الذين عاشوا في غياهب القرون الوسطى الإسلامية، هم أكثر انفتاحاً من متأخري التقليدية الذين يعيشون بيننا الآن، أي التقليديين الذين يعيشون في مجتمعنا كمعوقات وكوابح لأي فعل تقدمي أو عمل تنموي. لاحظ موقف التقليديين الأوائل من المرأة مثلاً، أو حتى تأمل علاقتهم بغير المسلمين، أو طريقة تعاطيهم مع الأطروحات الفكرية المخالفة لهم، ستجد أنهم ورغم انغلاقهم وضيق أفقهم، إلا أنهم نسبياً أكثر انفتاحاً من إخواننا التقليديين الذين ورثوا عنهم رؤى الانغلاق وأساطير التخلف. والسبب في ذلك، كما أرى، يعود إلى أن الأوهام والأساطير تتضخم بمرور السنين، بل وتكتسب مع مرور الأيام ألواناً من القداسة لم تكن لها في تلك العصور الأولى، كما أن التقنية الحديثة وفرت لمروجي التخلف والتطرف القدرة على تجميع وترتيب واسترجاع أكبر قدر من تلك المخلفات القروسطية، بل وعلى نشرها وتوفيرها لأكبر قدر من الناس بأقل قدر من المال والجهد . وهكذا اتسعت دائرة الخرافة وتغوّل الوعي الخرافي ، وصار العلم في تصور شريحة كبرى من أبناء هذا الجيل الجديد مجرد تكديس أكبر قدر من الأساطير والأوهام والمقولات الهذيانية، ليصبح هذا الجيل جيلاً لا يعرف ماضيه ولا حاضره ولا مستقبله إلا من خلال منظومة متكاملة من الأوهام التي تم تنضيدها وتقعيدها، لتتراءى له في صورة (العلم!) الذي لابد أن يُكنّ له وافر الاحترام. وعندما أراد هتلر أن يمارس تفريغ عقول الألمان بل وتعطيبها، لم يفعل ذلك بدعوى العداء للعلم بل مارس ذلك بدعوى العلم، ولكنه كان مجرد مجموعة أساطير عن الأعراق، كانت أساطير وأوهاماً وتوهمات وتهويمات ساقها للجماهير المكلومة بالهزيمة الساحقة في الحرب العالمية الأولى وبالأزمة الاقتصادية الطاحنة، ومزجها بما يُعزّز رؤيته من نتائج (علم الأعراق) التي لم تكن أكثر من نظريات غير ناضجة وغير معترف بها بمعايير العلم الحديث، وقدّمها إلى الشعب الألماني كعلم، بعد أن خدّرهم بوهم أنهم خير أُمة، وأنهم أفضل الأعراق وأنقاها وأجدرها بالسيادة، ودغدغ سذاجتهم وبدائية عواطفهم بأوهام البطولة والفتوحات وحلم الاستيلاء على العالم، وهي الأوهام التي تسكَر بها عواطف البدائيين البائسين. وكان من الطبيعي أن تقع الكارثة، فلأن هذه الرؤى لم تكن أكثر من أوهام وأساطير، وليست في الحقيقة علماً، بل لا علاقة لها بالعلم، بل هي نقيض العلم، كان لابد أن تقود إلى التطرف الذي كانت ضحاياه أكثر من خمسين مليون قتيل على امتداد العالم، ومن ألمانيا وحدها ستة ملايين شاب ألماني ذهبت أرواحهم نتيجة التساهل في البداية مع أفكار المتطرفين/ المتخلفين من النازيين الذين كانوا يطرحون أنفسهم كورثة للعلم الصحيح!. التقليديون لدينا هكذا يطرحون أنفسهم، إنهم لا يتقدمون بخرافاتهم وأوهامهم بوصفها خرافاتٍ وأوهاماً، بل بوصفها علماً وحقيقة عليا، أو بوصفها (العلم) الوحيد الذي يستحق هذا الوصف عند الإطلاق. لكن، وبالنظر إلى منتجات ما يعدونه علما ، نرى أنه لاعلاقة له بالعلم الذي يُورث وعياً، إن ما يعدونه علماً ليس أكثر من تخلف يمهد الطريق لتطرف. إن مرجع التقليديين الكبير، الذي يمتحون منه (علوم الجهل!) أو الجهل المحسوب علماً، ذلك المرجع الرمز الذي عاش أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن، والذي لم تكن قدراته تتيح له أكثر من (تعقيل الجهل)، أي تقديم الجهل ورؤى التخلف بوصفها علماً، بل بوصفها وحدها العلم الصحيح، يُمكن عده نموذجاً للعلاقة العضوية بين التخلف والتطرف. هم ينفون عنه كلتا الصفتين، لكنك وبتأمل تراثه وتأمل ما نتج عن هذا التراث من وقائع فكرية ووقائع عينية، تُدرك أنه كان ولا يزال أكبر مصدر للتخلف والتعصب والتطرف بلا مُنازع. طبعاً، ليس هذا التوصيف هو نتاج قراءة خاطئة له، كما يردد كثير من المدافعين عنه، بل هو المضمون العام لخطابه. تأمل في أتباعه ومريديه على مستوى العالم أجمع، ستجد (وهذه حقائق مُتعينة في الواقع، لا يمكن إنكارها) أنهم الأشد تخلفاً والأشد انغلاقاً والأشد تطرفاً والأشد عداء للعالم كله، وسترى أن أشد الجماعات المتطرفة تطرفاً، وأكثرها دموية، تتكئ على أقواله أكثر مما تعتمد على أي مرجع آخر، بل وتعتمدها كنصوص أولية، تقوم عندهم مقام نصوص الإسلام الأولى. ولهذا فكلماته عندهم مقدسة لا تقبل النقاش، فضلاً عن التخطئة. أي أنها موجودة فقط! للحفظ والتمثل والتطبيق. والتمثل والتطبيق من قِبَل الأتباع والمريدين الأوفياء، أورث التخلف والتطرف، وقد رأينا شواهده في الواقع مجموعات من المتخلفين والمنغلقين والمتزمتين والمتطرفين والتكفيريين وجماعات الذبح العلني، فضلاً عن التفجيرات وما خلفته من دماء وأشلاء. وبطبيعة الحال، لا يمكن أن تكون قراءتنا له وقراءة أتباعه والأوفياء ومريديه الخُلص قراءات خاطئة. لا يمكن لمن يريد الدفاع عنه أن ينكر أن تمثل هؤلاء لأفكاره كان تمثلاً صادقاً، بل إن هذا الدفاع الذي يصدر عنهم، رغم كل هذا الكم الهائل من الشواهد القولية والفعلية، هو بحد ذاته دليل ما يُورثه هذا الخطاب من التعصب الأعمى والتقديس المرَضي. إنهم يشرعنون من خلال أقواله، بل ومن خلال بعض سلوكياته، كل مظاهر تخلفهم وتطرفهم، بل وإرهاب كثير منهم، ولكنهم يريدون في الوقت نفسه أن يظهروه كمتسامح، بل ويتقدمون به أحياناً (وهذا ما يفعله بعضهم وليس تنكيتاً) كعالم مستنير!. إن المعاني الصريحة، كما المعاني الضمنية، لا تظهر إلا في المضمون العام لقراءة الأتباع والمريدين. لا يمكن أن تكون هناك معانٍ خفية باطنية في النصوص أية نصوص لا يستطيع أحد أن يصل إليها، أو لا يستطيع إلا شواذ الناس الظفر بأسرارها الخاصة. لا يمكن أن تكون المحصلة العامة التي توفرت لمُجمل القراء على اختلاف مداركهم وخلفياتهم مخطئة فيما تصورته من خلال قراءتها لتراث شخصية ما، خاصة إذا ما كانت هذه الشخصية قد كتبت ما كتبته في سياق بيانيّ يتغيا إقناع أكبر قدر من الناس. إن ما تنتجه الخطابات عياناً من أثر في الواقع هو الأهم، بل هو المعنى الحقيقي للنص، بصرف النظر عن مراد صاحب النص، على افتراض أن له مراداً غير ما فهمته عنه الأغلبية الساحقة من مريديه الأوفياء. إذن، وبما أن تلاميذ هذا وأتباعه هم الأشد تخلفاً والأشد تطرفاً، فلابد أن يكون المعنى المنتج في الواقع هو المعنى العام لخطابه، بصرف النظر عن بعض هوامش الهوامش وتفاصيل التفاصيل. ونحن إذا قرأنا هذا الرمز التقليدي من هذه الزاوية يصبح كما هو في الواقع أحد أكبر مؤسسي مشاريع التطرف والتخلف في تاريخنا الطويل. ولا شك أننا هنا لم ندرجه إلا كنموذج صادق وصريح وشامل (ذي طابع تعميمي) على العلاقة العضوية بين التخلف والتطرف. إننا نضعه هنا كشاهد على أن عمليات الدجل في سياق الجدل وحشد الأساطير وتعقيل الأوهام، يمكن أن ينخدع بها كثيرون، إلى درجة أنهم يتصورونها (علماً) يعصم من التخلف و(وعياً) يقي من التطرف، بينما هم يقعون بسببها فريسة لأشد وأبشع صور الاستغلال.. الرياض |