مستقبل القاعدة (5) فلول ومخاضات


 

عبد المنعم الأعسم

 

 

موقع الإمـــام الشيرازي

20/رجـــــــــــب/1431

لم يكن لفكر التطرف الديني “الجهادي” انتشار في عراق صدام حسين، والحقيقة الموازية أيضاً هي إن سياسات ونهج وسلوك ومغامرات النظام السابق كانت بمثابة الرديف (ثم الحليف) لتيار التطرف والمنظمات “الجهادية” في المنطقة، ومجموعة ابن لادن على وجه الخصوص، وقد نشرت تقارير إعلامية واستخبارية كثيرة عن لقاءات وخطط تعاون و”تداخل” بين الجانبين، بالرغم من تحريم تشكيل أي تنظيم جهادي مستقل في العراق تحت طائل الملاحقة.

وبعد سقوط النظام ووقوع العراق تحت سيطرة القوات الأمريكية تدفق المئات من مقاتلي القاعدة عبر الحدود وتلقوا من فلول النظام السابق مساعدات لوجستية، وتسهيلات الإقامة والتحرك وبناء القواعد والعمليات الانتحارية المثيرة، وتشكيل تنظيم “التوحيد والجهاد في بلاد الرافدين” أو “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين”، وقد عرف العراقيون لأول مرة هذا الشكل (الغريب) من التنظيم و”الجهاد”، ولم يكن ممكناً تطويق نشاطه (طبعاً) في ظل تخبط الإجراءات العسكرية والإدارية الأمريكية، وضعف وأنانية الإدارة العراقية الجديدة التي خلفت إدارة صدام حسين، واستفحال الصراع بين أجنحتها وزعاماتها، واندلاع الاحتقان الطائفي الذي أفرز - ولأسباب أخرى - مجموعات دينية متطرفة ومسلحة من الطائفتين الرئيسيتين في البلاد، خاضتا صراعاً دموياً لا سابق له في تاريخ العراق المعاصر.

وعلى الفور تشكلت، بأيدي غير عراقية، ملامح المشروع الإرهابي “الجهادي” في العراق الذي سرعان ما خلق فجوة عميقة مع الشرائح المحلية المناهضة للتغيير والاحتلال لم ترقـّعها رطانات الجهاد و”المجاهدون أخوة”، وكان إعلان قيام “دولة العراق الإسلامية” أواخر العام 2006، ومقتل رأس التنظيم الأردني أبو مصعب الزرقاوي فاتحة لشرخ ابتدأ بمعارضة وانتهى الى قتال شرس بين الجانبين، ثم، الى ولادة حركة الصحوات التي نجحت في تفكيك خلايا القاعدة في أهم منطقة حاضنة لها، الأنبــار.

ويبدو أن المركز العالمي للقاعدة (بن لادن - الظواهري) بدأ يحبذ احلال قيادات “عراقية” محل القيادات الوافدة في نطاق الإستراتيجية الجديدة التي تقوم على الاعتماد على “المجاهدين” المحليين والتقليل من حملات التطوع للقتال خارج الحدود، لكن تحقيق الانقلاب التنظيمي وعملية بناء القيادات المحلية مرت في أقنية عصية، وحالات يسهل رصدها وتجميع المعلومات عنها من قبل الجهات الاستخبارية، وسهلت في النهاية من اختراق التنظيم وتوجيه ضربات ماحقة له في أكثر من مفصل، ويجب الأخذ بالاعتبار عامل الزمن الذي بدأ يضغط على القوات الأمريكية مع اقتراب موعد الانسحاب من العراق، إذ جرى تكثيف وتطوير وضبط التعامل مع تنظيم القاعدة حصراً، وقد تحققت نجاحات مهمة في الحملة بالقبض على الرأسين الجديدين للتنظيم، أبو عمر البغدادي (العراقي) وأبو أيوب(المصري).

ويمكن القول، هنا، أن تنظيم القاعدة الإرهابي يعاني الآن في العراق من انحسار واضح، بالمقارنة مع السنوات 2006 - 2009،  والأهم أنه فقد التأييد في الوسط الشعبي، لكن الكاتب البريطاني المتخصص في نشاط الجماعات المسلحة جاسون بيرك يؤكد “إن حركات التمرد المسلح لا يمكن تصفيتها أو هزيمتها، لكنها تفشل بسبب الضعف الداخلي. وهذا ليس بالفأل الحسن للمستقبل، لأنه عادة ما يضمن تجدد موجات العنف في مرحلة لاحقة”.

علينا أن نعيد قراءة هذا الحكم الواقعي بعين الواقع السياسي العراقي.. اللاواقعي.

..وكلام مفيد: “رصد الحقائق من وراء الزجاج شيء مضحك.. كالأطرش الذي يسمع موسيقى”. محمد الماغوط

 الاتحاد