![]() |
|
|
المرأة المتطرفة .. التخلف والقابلية للاستغلال
موقع الإمــام الشيرازي 22/رجــــــــب/1431 كنت في المقال السابق قد أوضحت قدر ما سمحت به الظروف طبيعة العلاقة العضوية بين التطرف والتخلف، وأبَنْتُ كيف أنهما يصدران عن ثقافة واحدة ورؤية واحدة، كما أنهما يتبادلان الدعم جدلياً فيما بينهما إلى درجة تتجاوز حدود التشريع البَيْني، لتصل إلى صناعة الوجود ابتداء. لقد كان الحديث عن هذه العلاقة إضاءة لا بد منها، حين محاولة الكشف عن وضع المرأة المتطرفة في منظومة الإرهاب، لأن المرأة هي الضحية الأولى للمجتمع المتطرف، كما أنها هي الضحية الأولى للمجتمع المتخلف. وحينما يتضافران على صناعة أو توجيه مجتمع ما، سيصنعان بالضرورة مجتمعاً مسحوقاً على أكثر من صعيد، وحينئذٍ ستكون المرأة بؤرة هذا الانسحاق، أي أنها ستكون ضحية الضحايا ومقهورة المقهورين. إذن؛ عندما كنت أتحدث عن العلاقة بين التطرف والتخلف، لم يكن الحديث إلا لمناسبة الحديث عن علاقة المرأة بالتطرف والإرهاب؛ لأن المرأة في المجتمعات المتطرفة - كما في المجتمعات المتخلفة - لا يتكون تطرفها وتخلفها من ذاتها ابتداء، ليست المرأة في مجتمعات التطرف والتخلف ذاتاًًً واعية فاعلة، وإنما هي فقط: موضوع فعل، هي مجرد: مادة طيّعة ذات قابلية عالية للتطويع والاستعمال، بل والاستغلال. وكون المرأة هي المادة موضوع الاستعمال أو الاستغلال يعني أن حالة التطرف والتخلف ستستهلكها في هذا المضمار إلى أبعد الحدود، لأن قدرتها على اجتراح الخيارات، كما هي قدرتها على ممارسة الموجود منها والمتاح، تبقى محدودة أمام طوفان الخيارات القسرية التي يتم تحديدها لها وفرضها عليها بالقوة (والقوة أنواع، وقد تكون القوة قوة المعاني والقيم التي تصنع ويجري تضخيمها وتصنيمها، والتي قد تتجاوز في قسوتها وقهرها القوة العضلية أو المادية) وبشتى أساليب الإكراه. هذا يعني أن المرأة ليست جزءاً معزولاً عن إحداثيات المجتمع، بل جزء عضوي منه، ومن ثمَّ، فهي جزء من حالة التطرف والتخلف العامة التي ترزح تحتها (بعض!) المجتمعات، كما أنها في الوقت ذاته أول ضحايا هذه الحالة التي تُمثّل ينبوع البؤس والشقاء في عالم الإسلام اليوم، إذ يلاحظ أن التطرف وباء يستشري في العالم الإسلامي أكثر من غيره، وهو وضع يدعو للتأمل كثيراً في كل ما يخص الأنا الإسلامية، ذلك العالم الذي لا يزال يعيش حالة بؤس وشقاء لم ينتقل عنها حتى الآن، وأغلب الظن أنه لن ينتقل عنها في المستقبل القريب؛ لأنه لا يزال لم يحسم خياراته مع أسباب التخلف، أي مع ثقافة التقليد والتبليد والخرافة التي تشده بألف سبب وسبب إلى الوراء. ومع هذا، فلا يعني كون المرأة ضحية أنها لا تمارس دوراً في تعزيز هذه الحالة، بل على العكس، هي تمارس دوراً أساسياً في هذا المضمار، وإن كان بالسلب، كما أنها تفعل الكثير من خلال منحها الآخرين فرصة العمل من خلالها، أي من خلال منحهم ذاتها لتكون موضوع استغلال، لأن المرأة اللامتطرفة يصعب استغلالها، المرأة اللامتطرفة امرأة ذاتية إلى حد كبير، امرأة أدركت أنها موضوع قائم بنفسه، وليست موضوعاً يتموضع كامتداد لأي شيء آخر، فهي بالضرورة امرأة واعية، أو على الأقل تمتلك الحد الأدنى من الوعي بالذات، ذلك الوعي الذي يجعلها غير ذات قابلية للاستغلال. لهذا يحرص المتطرفون / المتخلفون على أن تبقى المرأة بلا تعليم. وقديماً حرّموا عليها الكتابة والقراءة. لكن إذا ما أصبح تعليمها واقعاً لا يمكنهم دفعه ولا محاصرته، فإنهم سيحرصون على تفريغ هذا التعليم من محتواه التقدمي، ليكون تعليم تخلف ونكوص. فهم سيطالبون بمناهج تمييزية عنصرية، أي مناهج تعليمية للنساء تختلف عن مناهج الرجال، ليقطعوا على المرأة طريق فهم الحياة العامة التي يتم إعداد الرجال لها، وسيطالبون أحياناً بأن يقتصر تعليمها على المراحل التعليمية والأولى، وأحياناً سيركزون على توجيهها لتخصصات غير عملية، بدعوى أن هناك من التخصصات ما تعجز عنه المرأة ..إلخ. وحين يفشلون في تحقيق كل ذلك في سياق مسيرة التعليم، فإنهم سيقفون لها بالمرصاد بعد التخرج، فيبدؤون في فَرْز فُرَص العمل الصالحة عن فرص العمل غير الصالحة بزعمهم، وسيضعون آلاف العقبات في طريقها، وسيبتكرون آلاف القيود لتقييدها، بل ولإدخالها في حالة غيبوبة وعي كاملة ودائمة، بل وغيبوبة ضمير، لتفعل أية جريمة نكراء براحة ضمير تامة، بل وغالباً بإحساس موهوم، ولكن كبيراً بالخَيْرية والأفضلية والاصطفاء. لقد أصبح من الواضح أن المتطرفين في كل ذلك لا يقصدون إلا تكبيل المرأة بالجهل والعطالة والبطالة، لتكون أداةً من أدواتهم، وميداناً مناسباً لاختراق إيديولوجيتهم الخاصة، ليصلوا إلى توظيفها دونما كبير عناء، ليتمكنوا من أن ينفثوا من خلالها كثيراً من رؤى التخلف والتطرف والانغلاق، لتصل هذه الرؤى بأسرع وقت وآمن طريق وأكبر قدر من الفاعلية إلى أعماق البيوت، فينشأ عليها الصغير ويهرم عليها الكبير، وتتلون بها الكلمات والأزياء بل والعيون، وتُبنى عليها الآمال والطموحات، وتسبح في فضائها الأحلام، ويشتعل بوقودها استعدادٌ هائل للتضحية بالحياة وبالأحياء. وبهذا تصبح البيوت ليست بيوت أمان وسكن، وإنما مصانع مُنتجة للتخلف والتطرف، تصبح البيوت (خلايا يقظة) محفزة لكل جريمة إرهابية، ولكن في الخفاء بعيداً عن أعين الرقباء، خلايا تمارس الإعداد لـ(الجهاد!)، ولكنه في الغالب إعداد طويل النفس بعيد الأمد، تصبح البيوت في حالة جاهزية لأي دعم لوجستي للإرهاب، أي حالة إرهاب تحت الطلب. والمرأة المتطرفة في كل ذلك هي خيوط الوصل والتوصيل، هي الراعية للشبكات الخلفية، والمؤتمنة على سر الأسرار، فضلاً عن كونها تأخذ على نفسها مهمة إرهابية بيولوجية، أي مهمة الإنتاج البشري للإرهابيين الصغار. ليس هذا استنتاجاً من عالم المقروء، بل هو من عالم المقروء ومن عالم الواقع أيضاً. لقد عايشت (الزمن الغفوي) المؤسس لهذا الإرهاب الذي أعاني منه بنفسي، ورأيت عالمه من الداخل، وعن قرب، واستطعت أن أرى ذلك الدور الذي لعبته (المرأة الغفوية) في الترسيخ لحالة التطرف والتخلف، وكيف أنها كانت أخطر القنوات وآمن القنوات لأولئك الذين كانوا يؤسسون في واقعنا لخطابهم الجهنمي، ذلك الخطاب الذي أعاد تفخيخ العقول بمقولات التقليدية التي كانت تعاني حالة: مَوَات أو شبه مَوات. لقد رأيت عن قرب، أن المرأة الأكثر فاعلية والأشد بسالة في مضمار نشر الرؤى الغفوية، هي المرأة التي كانت تعاني حالة غباء فطري أو مكتسب، بل وهي مع ذلك المرأة التي كانت تقع أكثر من غيرها تحت طائلة القهر والاضطهاد. عناصر كثيرة لا بد من توفرها لوقوع كارثة كبرى، كحالة التطرف التي تكتنفنا. ضخامة الكارثة يجعل من المستحيل إرجاعها إلى بُعد واحد. لكن بقيت حالة التخلف أرضية مُمهدة لهذا الاكتساح الكبير. كان لا بد من وجود مساحة كبيرة من الغباء العام، كي ترسو عليها سفن التطرف، وكان تهميش المرأة المتعمد وغير المتعمد قد جعل منها أفضل المَراسي لتلك السفن التي تنوء بما تحمله من التصورات الخرافية والمقولات التكفيرية التي تسخنها بأحاديث الوعد والوعيد. كان وضع المرأة في سياق الإيديولوجيا الغفوية وضعاً كفيلاً بأن يستقطب قراءة كثير من المحللين. لقد حاول كثيرون مقاربته بأكثر من أداة ومن زوايا مختلفة. ولا أظن إلا أن هؤلاء يتفقون معي في التوصيف إذا قلت: كان الدور الذي تقوم المرأة المتطرفة في ترسيخ الإيديولوجيا الغفوية الإرهابية، يبدو في كثير من الأحيان وكأنه محاولة للهروب من وضع مأساوي، تبدو المرأة المتطرفة كأنها تبحث عن دور يعطيها ولو (وهماً) بالأهمية التي كانت تفتقدها في الأحوال العادية لهذا السبب أو ذاك، تبدو وكأنها تنتشل نفسها من وضعيتها الدونية، لا بمحاولة التحرر منها، ولا بمحاولة التمرد على مضطهديها ومُهينيها من الرجال، ولكن بالتقرب إليهم، وبجعل نفسها امتداداً لهم، لعلها تحظى منهم ولو ببعض التقدير، أو يتفضلون عليها فيعفونها من بعض التحقير!. لم أرَ ( رؤية علمية)، ولم أسمع حسب ما وصل إلى علمي عن عالم المرأة المغلق بامرأة واعية بذاتها، تُمارس نشر رؤى التطرف تحت راية الغفوية. نعم، قد توجد من تتعاطف مع بعض الرؤى الغفوية، خاصة الرؤى التي تجنح لترسيخ البُعد التَّقوي الروحاني (وهو بُعد لا يقتصر الاهتمام به على الغفوية، بل الغفوية استغلته أسوأ استغلال، ووظفته لربط الأتقياء بها، ولتشريع مشروعها السياسي). لكن، حتى من تتعاطف مع الغفوية في هذه الجزئية، وجدت لديها نفوراً تختلف درجته وفقاً لدرجة الوعي ولطبيعة رد الفعل من الإيديولوجيا الغفوية، ولم تستطع الغفوية، بكل ما لها من عنفوان، أن تدرجها في مشروعها الكبير لاستغلال المرأة، إذ بقيت حالة الوعي تُمثّل حصانة ضد الاستغلال. الرياض |