الإمام الكاظم (ع).. نظرة معاصرة


 

سامي جواد كاظم

 

 

 

موقع الإمـــام الشيرازي

25/رجــــــــــب/1431

تمر علينا ذكرى أليمة تعصر القلوب وتدمع العيون وتحنق النفوس ألا وهي ذكرى استشهاد الإمام السابع الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، وعن هذه الذكرى كالعادة أتصفح بين الكتب كل ما له علاقة بإمامنا الكاظم (عليه السلام).. ومن خلال المطالعة وجدت أن هنالك قاسم مشترك بين كل الكتب التي تتحدث عن حياة الأئمة (عليهم السلام) حيث إن الأخبار عن ولادة المعصوم وكراماته وكيف استشهاده يكون الحديث عنها بإسهاب وإطناب، بل حتى بالدقة الدقيقة، على سبيل المثال فيما يخص صاحب الذكرى (عليه السلام)، قال شقيق البلخي: "خرجت حاجّاً في سنة تسع وأربعين ومائة، فنزلت القادسيّة فبينما أنا أنظر النّاس في مخرجهم إلى الحاجّ وزينتهم وكثرتهم إذ نظرت إلى شاب حسن الوجه شديد السّمرة نحيف، فوق ثيابه ثوب صوف مشتمل بشملة، في رجليه نعلان". لاحظوا الدقة في ذكر الوجه وما يرتدي من ثياب بل حتى النعلان في رجليه ذكرهما.

وأما سجنه الذي ظلم فيه فإن هنالك تفاصيل ذكروها سجانيه أو الجارية التي أدخلت عليه أو حتى هارون نفسه وبالتفصيل، وفي الجانب الآخر نجد أن عمر الإمام (عليه السلام) على أشهر الروايات خمسة وخمسين عام، وعندما استلم الإمامة كان في العشرين من عمره، ومدة سجنه ما يقارب على خمس (الى عشر أو أكثر) سنوات، وبقية عمره عاصر فيه المهدي العباسي والهادي العباسي، ومن خلال التنقيب عن مفردات حياة الإمام (عليه السلام) خلال هذه العشر سنوات لا أجد الكثير من المعلومات بالرغم من إنه امتداد لأبيه الإمام الصادق (عليهما السلام) في إدارة شؤون الحلقات الدراسية التي أسسها أبوه الصادق (عليهما السلام) وأمور غيرها.

لا يمكن إنكار التضييق عليه، ولا نغفل عن نصائح الإمام الكاظم (عليه السلام) بتجنب الحديث عنه لأنه يؤدي الى القتل، ولكن في نفس الوقت أشار على أصحابه بالحديث لمن يروه أهلا للثقة. والتاريخ يقول أن هنالك أكثر من ألف فقيه يقول حدثني جعفر أي أبيه الصادق (عليه السلام)، فأين هؤلاء من أحاديث الكاظم (عليه السلام)؟.

وفي يوم إمام الصبر والصابرين والإنسان والحرية موسى الكاظم (عليه السلام) من الطيب أن أذكر إشعاعات من كلمات الإمام الكاظم (عليه السلام) مع التعقيب عليها لأنني أرى من الضروري جداً وعي كلمات أهل البيت (عليهم السلام) بشكل يستلهم عبر الماضي وتراثه، ويثمر الحاضر بحكمته، ويشرق للمستقبل بأنوار تجاربه واستشرافاته، كما أن من المهم العمل – في نفس الوقت – على إعادة كتابة حياة الأئمة (عليهم السلام) بشكل عصري يتفق ومستجدات العصر لا أن نؤكد على جوانب معينة من حياته دون ذكر غيرها.

قال (عليه السلام):

"اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الإخوان والثقات، الذين يعرفون عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات" انتهى.

إنه جواب للصوفية ولمن يتعمق في العبادات تاركاً بقية ضرورات الحياة، بل جاء تأكيد الإمام (عليه السلام) على الساعة الأخيرة ألا وهي أن تخلون فيها للذاتكم في غير محرم، ومن نتائجها أننا نقدر على مناجاة ربنا، والعمل ومعاشرة الإخوان والثقات للتداول في أمور الحياة والعلم، فالذي يحذر من الدنيا يحذر من ملذاتها التي تأتي بالحرام وإلا لو كانت بالحلال فإنها تساعدنا على عبادتنا لله (عز وجل)، أي حكمة رائعة هذه.

وقال (عليه السلام):

"ما تسابّ إثنان إلا انحط الأعلى إلى مرتبة الأسفل". (الدرة الباهرة)

وهذه الحكمة رائعة في الرد على الوهابية التي ما لديها غير سب الإمامية، وطالما نرى أن جل علمائنا ينأون في الرد عليهم وذلك لأعلميتهم، وهذه الأعلمية تحتم عليهم السكوت عن من يسبهم حتى لا تنحط منزلتهم الى درجة هؤلاء السبابين.

ومن كتاب له (عليه السلام) إلى هارون العباسي كتبه إليه من السجن:

"إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا انقضى معه عنك يوم من الرخاء، حتى نمضي جميعاً إلى يوم ليس فيه انقضاء، هناك يخسر المبطلون". (الفصول المهمة: 227)

لابد من أن نمضي الى يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، فالأيام تنقضي وحالها يكون شاهد على صاحبها، وهي دعوة من إمام التغيير والإصلاح موسى الكاظم (عليه السلام) لنا لمحاسبة أنفسنا، وتدارك ما فاتنا، والعمل الجاد على النهوض بأنفسنا والارتقاء بأدائنا، وصب جل اهتماماتنا على نفع الناس فـ "خير الناس من نفع الناس".