مبادرة وطنية للاصلاح السياسي


 

محمد عبدالجبار الشبوط

 

 

 

موقع الإمـــام الشيرازي

29/رجـــــــــــب/1431

لا ضرورة لإثبات أن العملية السياسية بحاجة الى إصلاح، فما يحصل بعد كل انتخابات تشريعية دليل، من بين أدلة أخرى كثيرة، على أن هذه العملية تعاني من ثغرات في الأسس والتفاصيل والبناء والوظائف.

 ومن هذه الثغرات، كما نشاهد الآن، التضارب بين التوقيتات الدستورية للعملية السياسية، وبين ما يحصل في الواقع السياسي، أو لنقل عدم قدرة العاملين السياسيين على التلاؤم مع التوقيتات الدستورية. فالدستور يفرض، مثلاً، أن يقوم مجلس النواب بانتخاب رئيسه ونائبيه في الجلسة الأولى (المادة 55)، وأن ينتخب رئيساً للجمهورية خلال 30 يوماً من جلسته الأولى (المادة 72/ثانياً).

هذا إضافة الى الخلل الأكبر الذي تمثل، أصلاً، في التأخير الكبير في إعلان نتائج الانتخابات، ومن ثم في انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان، وهو الأمر الذي لا يحصل في الدول الأخرى التي تشهد انتخابات سواء كانت عريقة في تطبيق النظام الديمقراطي أم حديثة عهد به. وهذه أمور تؤثر على صدقية وصف النظام السياسي العراقي الراهن بالديمقراطي، الى درجة دفعت مسؤولاً حكومياً كبيراً الى مخاطبة مجموعة مختارة من مفكري وإعلاميي العراق بالقول: "لا تصدقوا وجود ديمقراطية في العراق".

ولا ننسى مظاهر الخلل الأساسية الأخرى مثل المزج غير المدروس بين الديمقراطية التعددية والديمقراطية التوافقية، وعدم تحديد مساحة اشتغال كل واحدة منهما. والتناقض العملي بين مبدأ المواطنة، كأساس في بناء الديمقراطية، ونظام المحاصصة التوافقية الذي يلغي موقع المواطن ودوره في العملية السياسية.

وهذا ليس بالأمر المستغرب. فقد ولدت العملية السياسية في ظروف غير طبيعية، ولم تولد ولادة طبيعية، ولم تكن نتيجة تطور طبيعي في المشهد السياسي والثقافي والاجتماعي العراقي. لذا كان من المتوقع أن تعاني من ثغرات وتشوّهات "ولادية" كما يقول الأطباء، ومهمة السياسيين والمفكرين أن يعملوا على معالجة هذه الثغرات والتشوهات، وليس في هذا انتقاص من أي أحد، إنما المصلحة الوطنية العليا تحتم التفكير بصوت عال من أجل معالجة الثغرات وإصلاح العملية السياسية.

تحتاج العملية السياسية الى مبادرة وطنية للإصلاح الشامل ينخرط فيها نواب إصلاحيون، وناشطون اجتماعيون، ومفكرون سياسيون حريصون على مصلحة البلد.

تنقسم الإصلاحات المطلوبة الى قسمين، القسم الأول إصلاحات إجرائية، والثاني إصلاحات جوهرية تتعلق بجوهر النظام السياسي الحالي. فمن الإصلاحات الإجرائية المطلوبة، فك الارتباط بين عملية انتخاب رئيس الجمهورية ومواعيد اجتماعات مجلس النواب. ويتم هذا الفصل بتغيير مدة الولاية الدستورية للطرفين، كأن تبقى مدة ولاية البرلمان أربع سنوات، وتكون مدة ولاية رئيس الجمهورية ست سنوات. ويمكن الإبقاء على آلية انتخاب رئيس الجمهورية من قبل البرلمان، أو التفكير بآلية الانتخاب الشعبي المباشر للرئيس. وكذلك يمكن التفكير في إجراء الانتخابات البرلمانية على مرحلتين، (سنتين) حيث يتم انتخاب نصف أعضاء البرلمان في كل مرحلة. وبهذين الإصلاحين الإجرائيين نضمن استمرارية المؤسسات التنفيذية والتشريعية في البلد، وتجنب الوقوع بالفراغات الدستورية، أو الاضطرار الى الاحتيال على الدستور بسبب العجز عن الالتزام بمواعيده.

أما الإصلاحات الجوهرية فسوف تطال الدستور نفسه، بالدرجة الأولى، من أجل صياغة أكثر انسجاماً للدولة، على أساس فلسفة أوضح لها، ورسم حدود أكثر دقة لحقل اشتغال الديمقراطية التعددية، وحقل اشتغال الديمقراطية التوافقية، إذا كان أطراف العملية السياسية يعتقدون باستمرار الحاجة الى شيء من التوافق في المشهد السياسي.

الأسبوعية