الحرية الفكرية والعملية في المنظور الإسلامي

(من أفكار المرجع الشيرازي)


 

 

 

 

 

موقع الإمـــام الشيرازي

29/رجـــــــــــب/1431

من بداهة القول أن يؤكد العلماء والمعنيون أن الحرية هي جوهر الإسلام وذلك من خلال الإشارات اللفظية والعملية التي قدّمها لنا القرآن الكريم في الكثير من آياته الكريمة، ناهيك عن السيرة العملية لنبينا الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) وسلوكه الواضح للعيان إبّان قيادته للدولة الإسلامية في عصر الرسالة.

وليس في قولنا جديد حين نقول بأن تطوّر الإنسان والحرية صنوان متلازمان، فلا تطور ولا رقي ولا سؤدد من دون الحرية الفكرية والعملية والعكس صحيح بطبيعة الحال، وهذا ما تؤكده الآيات القرآنية الكريمة ومنها «لا إكراه في الدين» وهي من التعاليم الإلهية القاطعة التي تضع الفكر في مصاف التقديس، من هنا كانت الحرية الفكرية غاية الإسلام ووسيلته في آن واحد وثمة آية قرآنية أخرى تؤكد حرية الفكر بما لا يدع مجالاً للتشكيك حيث تقول الآية الكريمة: «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» فأي معنى عظيم تنطوي عليه هذه الآية الكريمة مع أن جوهر الدين والإسلام هو الايمان القاطع بدين الله (تعالى)، ومع ذلك ثمة هامش للحرية متاح للإنسان، مع أن ترك هذا الهامش بحد ذاته دليل على عظمة الدين الإسلامي وحتمية انتهاج تعاليمه ومبادئه الإنسانية المعطاءة.

وفي هذا المجال يؤكد سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في الكتاب الموسوم بـ(من عبق المرجعية): لقد "(التزم الإسلام بمبدأ لا إكراه في الدين في مختلف مجالات الحياة".

وهكذا لابد من التأكيد أن حرية الفكر تقع في الصميم مما يهدف إليه الإسلام، مع التعاضد التام بين الفكر والعمل، فالإسلام الذي يدعو إلى الحرية الفكرية لا يكبل الإنسان في مجالات الحياة كافة ولم يستخدم النبي (صلى الله عليه وآله) وهو قائد الدولة الإسلامية وسائل الإجبار والقسر مع الآخرين لدفعهم إلى الايمان بالإسلام، إذ يقول سماحة المرجع الشيرازي بهذا الصدد في الكتاب نفسه: "لم يقتل النبي (صلى الله عليه وآله) أحداً من المشركين بسبب عدم إسلامه، ولا أجبر أحداً على الإسلام، بل تركهم على دينهم".

ويضيف سماحة المرجع الشيرازي قائلاً: "كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) الصديق المسيحي والجار اليهودي، دون أن يجبر أحداً منهم على الإسلام، مع أنه كان الحاكم الأعلى في الجزيرة العربية، وكان بيده السيف والمال والقوة الكافية".

وهذا ما يدل على نحو قاطع بالمنهج التحرري للإسلام والرؤية الثابتة لدور الحرية في بناء المجتمعات السليمة، فلا إكراه في عموم مجالات الحياة الفكرية أو العملية شريطة أن لا يؤدّي ذلك إلى التجاوز على حقوق الآخرين، وهذا هو جوهر الحرية الصحيحة، فلا حرية قط مع الأفكار والأعمال التي تتجاوز على الآخرين وحرياتهم ومعتقداتهم وأفكارهم وأعمالهم التي يؤمنون بها، ولا حرية مع الدعوات التي تحاول أن تحط من قيمة الإنسان أياً كان انتسابه وتوجهاته في حالة كف أذاه عن عامة الناس، وبخلاف ذلك لا وجود للحرية بمعناها الأصحّ والأمثل. وهنا يؤكد سماحة المرجع الشيرازي في الكتاب نفسه أن الإسلام: "يقول لك: اعمل ما تشاء، فلك حرية العمل شريطة ألاّ تضرّ غيرك، فإنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام".

وهذا هو الشرط الأساس في ممارسة الإنسان لحرياته سلوكاً وقولاً، وخلاف ذلك فإن أي تجاوز على الآخرين ليس من الحرية بشيء.

بيد أن الإسلام لا يقف مكتوف الأيدي إزاء الظواهر والأفكار والسلوكيات الخاطئة، بمعنى لابد أن يكون هناك دور تنويري إرشادي لا أكثر، أي بعيداً عن الإكراه ولكن لا يصل هذا الدور بعدم التدخل إلى درجة الصمت التام بل لابد من عملية التوجيه الطوعية، وهنا يقول سماحة المرجع الشيرازي في الكتاب نفسه: "لا ضغط ولا جبر ولا إكراه ولا كبت للحرية في الإسلام، ولكن ثمة توجيهات وإرشادات تبيّن لك السلوك الأحسن، تقول: هذا صحيح وهذا مستحبّ وهذا مفضّل وهذا مكروه".

وتبقى لك الحرية في الاختيار ولابدّ للإنسان الذي يتعامل بروية وحكمة مع تعاليم من هذا النوع أن يعرف أين تكمن مصلحته طالما أن جميع النصائح والتوجيهات لا تأتي من باب الالتزام والقسر بل الاختيار الحكيم لما يقع في صالح الإنسان أولاً وأخيراً، كما يؤكد سماحة المرجع الشيرازي: أن "حرية الرأي في نظام الله وقانون الإسلام أكثر تقديساً من الشهادتين، فالإسلام يريد أن يجعل الناس أحراراً".

فأية عظمة بعد هذا القول وهذا الجوهر الذي يمثل رؤية الإسلام للإنسان وتعامله مع رحلة الحياة التي تبقى الطريق الوحيد للوصول إلى خالق الكون والإنسان ولكن وفقاً لخيارات الإنسان نفسه وحريته التي يأمل الإسلام أن لا يحدّها شيء سوى الفعل والفكر الذي يتجاوز على حقوق الآخرين.

المصدر: www.annabaa.org/