مع الولادات المباركة للأئمة الأطهار (عليهم السلام).. التزامات


 

د. موفق عبدالعزيز الحسناوي 

 

 

 

موقع الإمــــام الشيرازي

6/شعبــــــــــــان/1431

يستقبل ملايين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها هذه الأيام بفرح غامر ونفوس صافية وأمل متجدد برضاء الله وغفران الذنوب شهر الخير والسعادة والأفراح (شعبان المعظم).

ففي هذا الشهر المبارك الذي يعتبر بوابة الخير لشهر رمضان المبارك العديد من المناسبات المباركة والمفرحة والتي تهفو إليها قلوب المسلمين أجمع ومحبي آل بيت النبوة (عليهم السلام) بصورة خاصة لتكون لهم إشراقة خير، ووقفة فخر واعتزاز بشخصيات الدين الإسلامي العظيمة التي استطاعت أن تغير مسيرة التاريخ، وتهدي البشرية الى الخير والصلاح والفضيلة وأمل متجدد على مدى الأيام، ويرى المحبون من خلالها نوراً ساطعاً وحبلاً ممتداً ومتصلاً على مدى الأجيال من الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وآله) الى منقذ البشرية وهاديها آخر الزمان الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف).

لقد جاءت ولادة أئمتنا الأطهار في هذا الشهر المبارك لتكون مكملة بعضها للبعض الآخر، ومتوافقة مع بعضها البعض، وامتداد طبيعي بعضهم للبعض الآخر، وكأن الله (سبحانه وتعالى) يريد أن يبين لنا بأن مسيرة الإسلام متصلة ومستمرة من جيل الى آخ، وأن الإسلام قدم شخصيات عظيمة ساهمت في نشره في بقاع الدنيا، ولتتميز كل شخصية منها، وخاصة أهل بيت النبوة الكرام بصفات عظيمة قل أن تجد مثلها عند الآخرين، فقد اجتمعت في هذه الشخصيات معاني الشجاعة، والتضحية، والإيثار، والفداء، والصبر، وطاعة الله، والجهاد، والقوة والإصرار على المبادئ، وبذل الغالي والنفيس من الأنفس والأهل والأموال في سبيل الإسلام، واجتمع عندها العلم الهائل في شتى المجالات الدينية والدنيوية، والفضائل والأخلاق الفاضلة، والعبادات، وقوة المنطق، وبيان الحجة، وتفضيل مصلحة الإسلام وإعلاء شأنه، ورفع كلمة الله أكبر على المكاسب الشخصية ومغريات السلطة الفانية التي لا يبقى منها إلا العمل الصالح وما قام به الحاكم من تطبيق مبادئ الإسلام وإعلاء شأنه، والمحافظة على مبادئه.

في شهر شعبان المعظم ولادة الإمام الحسين (عليه السلام) سبط الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وسيد شباب أهل الجنة، وحامل راية الحق والجهاد وأعظم شخصية قالت لا للباطل والطغيان والانحراف وتشويه الحقائق، وهو الذي ثار ضد الباطل، وبذل نفسه وأهل بيته وأصحابه فداء لنصرة الإسلام عندما رآه تتلاطمه أمواج الانحراف والأباطيل، وتشويه الحقيقة، وكثرة الأقلام المأجورة التي أخذت تشوه كتابة التاريخ، وتبعد الإسلام عن مبادئه الحقيقية التي جاء بها الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) وتجعله دين سلطة وتفاخر قبل أن يكون دين هداية وإصلاح وعمل دنيوي وأخروي، وبذلك أصبح الإمام الحسين (عليه السلام) رمزاً للكبرياء والشموخ، وعنواناً للثائرين في كل زمان ومكان يخشاه كل طاغية ومتجبر، وأصبح اسم الحسين (عليه السلام) يقض مضاجع الجبابرة والطغاة حيث ذكر.

ومن ثم يتبعه بعد يوم واحد مولد الإمام العباس (عليه السلام) أخو أبي عبدالله الحسين (عليه السلام)، وسنده الأول، وحامل راية الإسلام في واقعة الطف الأليمة، وقائد جيش الحق يوم قل الناصرون وتكاثر الأعداء وهو رمز التضحية والفداء والإيثار، فقد ضرب مولانا العباس (عليه السلام) مثلاً رائعاً في الدفاع عن حمى آل بيت النبوة، وكان – وما زال - رمزاً خالداً للإيثار والتضحية في أشد الظروف صعوبة وقسوة والذي يبقى منارة عالية ينظر إليها كل المضحين بكل غال ونفيس في سبيل المبادئ والقيم التي يؤمنون بها ليستزيدوا منها عزماً وصلابة وإصرار على عدم التفريط بالأفكار والمبادئ التي يؤمنون بها مهما غلت التضحيات واشتدت قسوة الظلم والجور والطغيان.

ومن ثم تأتي ذكرى ولادة الإمام زين العابدين علي السجاد بن الإمام الحسين (عليهما السلام) والذي شكل بمفرده موسوعة إيمانية كبرى قل أن نجد لها نظيراً، فلقد ضرب هذا الإمام العظيم مثلاً كبيراً في التقوى والإيمان والتعبد والسجود الى الله (سبحانه وتعالى)، وبذلك أصبح مدرسة إسلامية في العبادات والتهجد، والدعاء الذي قد لا نجد له نظيرا في روعته وبلاغته وتأثيره في النفوس إضافة الى ما تميز به من صفات الكرم وبذل الأموال على الفقراء والمساكين والمحتاجين وعابري السبيل وما أكثرهم في ذلك الزمان، وهو وريث آل بيت النبوة وأبو الأئمة الأطهار الذي أراد الأعداء – بقتله - أن يقطعوا هذا النسل، وينهوه من على وجه الأرض لتخلوا ممن يطالب بتصحيح مسيرة الدين الإسلامي والحفاظ على مبادئه الحقيقية، وبذلك أصبح سيد الساجدين (عليه السلام) رمزاً للتقوى والإيمان والخشوع لرب العالمين (سبحانه وتعالى).

ومن ثم تتوج هذه الأفراح الكبرى بالمولد الميمون لصاحب العصر والزمان الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) المنقذ والهادي للبشرية جمعاء والذي يشكل مولده في الخامس عشر من شعبان مناسبة عظيمة وفرحة كبرى يترقبها كل المستضعفين والمحرومين، وتدق أجراس الخطر في قلوب كل المتكبرين والطغاة المتجبرين. لأنه ينظر إليه كل المظلومين حلماً جميلاً ينتظروا تحقيقه ليعيش العالم بأسره في فضيلة وصلاح وإحقاق الحق في شتى المجالات لتسمو الإنسانية وترقى وتبتعد عن مهاوي الرذيلة والضلال. وإن هذه المناسبة تمثل مفترق طرق في تأريخ البشرية فهي تمثل نقطة الانطلاق نحو بناء مستقبل العدالة والفضيلة ومستقبل الإسلام الحق الذي جاء به الرسول الأعظم محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله)، بعد أن لحقه الكثير من الزيف والتزوير والتحريف ومحاولة طمس الحقائق وتشويهه على مر العصور.

إننا نتذكر دائماً المقولة الشهيرة "إذا كان الإسلام محمدي الوجود فهو علوي الانتشار وحسيني البقاء ومهدوي الانبعاث والتجدد والعودة". فالإسلام سوف يعود إسلاماً حقيقياً نقياً صافياً على يد الإمام المهدي المنتظر وأتباعه الأبرار حيث سيملأ (عجل الله تعالى فرجه) الأرض قسطاً وعدلاً ونوراً بعد أن تملأ ظلماً وجوراً.

إن الاحتفالات الكبيرة والمهرجانات الرائعة الذي يقيمه المسلمون في بقاع الدنيا المختلفة سنوياً احتفالاً بهذه المناسبات السعيدة تمثل احتفالات قلبية عفوية، ومن الأمور المهمة التي تستلزم منا مع هذه الاحتفالات أن نضع نصب أعيننا وفي ضمائرنا كل المعاني العظيمة التي تجسدت في شخصيات هؤلاء الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، لتكون لنا نبراساً مضيئاً نقتدي به وينير لنا طريق الخير والهداية، ونحن نعمل جاهدين ونعد العدة لتهيئة الأرضية والظروف المناسبة لظهور صاحب العصر والزمان الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف وجعلنا من أتباعه ومناصريه)، لكي يملأ الأرض بمعاني العدل والفضيلة، وينصر الفقراء والمظلومين، ويهز عروش الطغاة والجبابرة في كل عصر ومكان.

نحن بحاجة في هذا الشهر المبارك أن ندرس ونستوعب سيرة حياة أئمتنا (عليهم السلام) والأهداف الكبيرة التي خلقوا من أجل تحقيقها، والمبادئ العظيمة التي استشهدوا من أجلها، وأن تكون مناسبة رائعة للتعريف بفكر ومكانة أهل بين النبوة (عليهم السلام)، وبيان الصورة الحقيقية لمعاني الشهادة التي استشهدوا من أجلها في جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وشبكة الإنترنت.

إننا اذ نحتفل سنوياً بهذه المناسبات العديدة وتغمرنا الفرحة الكبرى والأمل المتجدد بمستقبل أجمل تسود فيه الفضيلة والعدل والإيمان، علينا أن نتخلق بأخلاق الأئمة الأطهار (عليهم السلام) ومبادئهم وتصرفاتهم، وأن نلتزم بتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف التي تدعو الى وحدة جميع المسلمين وتكاتفهم، ليكونوا قوة ضاربة ضد اعداء الإسلام الحقيقي الذي ينبذ كل ما يسئ الى الأفكار والمباديء التي جاء بها هادي البشرية الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله). وإننا نرجو شفاعة أئمتنا الأطهار (عليهم السلام) وأن يكونوا سفن النجاة لنا لنسير في طريق الفلاح والهداية ورضا الله (سبحانه وتعالى).

على رجالنا وشبابنا التخلق بأخلاق شخصيات الإسلام العظيمة أئمتنا الأطهار (عليهم السلام) والعمل بموجب كتاب الله وسنة نبيه وأهل بيته الكرام الذين هم منارات الهدى الشامخة، وعلى نسائنا وفتياتنا النظر الى سيرة البتول الزهراء وزينب الحوراء (عليهما السلام)، والتأسي بهما، والاهتمام بالأمور الجوهرية الفاضلة،والابتعاد عن الأمور السطحية والتافهة التي تؤدي بهن الى الوقوع في المحرمات والرذيلة (لا سمح الله).