تقويض الدولة


 

عبد الخالق كيطان

 

 

موقع الإمـــام الشيرازي

1/شهر رمضان/1431

لا يمكن تفسير استهداف شرائح معينة بصورة منتظمة، ولفترة محددة من الزمن، إلا بوصف ذلك محاولة من جهة ما لتقويض الدولة العراقية الجديدة. وعلينا أن نبحث عن هذه الجهة بعيداً عن الأحكام المسبقة والجاهزة.

مناسبة هذا الكلام هو الاستهداف الأحمق الذي يتعرض له هذه الأيام رجال شرطة المرور ما دفعهم إلى حمل البنادق الآلية في صور بدت غير منسجمة وواجبهم الأساسي، والحضاري بالضرورة، المتمثل في تنظيم السير، ولكن، كما يقولون: للضرورة أحكام.

من الذي يستهدف شرطة المرور؟

ومن الذي استهدف من قبل شرائح مختلفة على شاكلة: الأساتذة الجامعيين، الأطباء، عناصر الشرطة والجيش، الإعلاميين؟

ولماذا استهداف هذه الشرائح إن لم يكن من أجل تقويض الدولة وتقديم نموذج للدولة الفاشلة في العراق.

هل يكفي القول أن فلول النظام البائد تريد تلك النتيجة؟

وهل يكفي اتهام دول إقليمية أو دولية بهذا المسعى التخريبي؟

وما واجب الحكومة العراقية، ومن قبلها المواطن، في التصدي لمثل هذه الأعمال الإجرامية؟

إن ما يحصل في بغداد هو محاولة جادة لوأد الحياة. وإذا ما كتب لهذه المحاولة الاستمرار في النهج التصعيدي ذاته فسنصل إلى نتائج مرعبة حقاً، قد تقود البلد القهقرى، وهو ما نأمل أن لا يحصل بأي حال. فالتجربة العراقية الجديدة، وبكل مشاكلها، وبالرغم من كل الاعتراضات التي يبديها الفرقاء تظل مشروعاً قابلاً للإدامة والتطوير. إنه مشروع بناء دولة مؤسسات، لا مشروع نفق ديكتاتوري مفزع.

المواطن العراقي هو المسؤول أولاً وأخيراً عن بناء مثل تلك الدولة، وبالتالي هو المسؤول مباشرة عن حماية شرائح المجتمع المختلفة فيه. بلاد يختفي منها أطباء مهرة، ومدرسون جامعيون وشرطة مرور... هي ليست بالنموذج الذي يستحق الدفاع عنه، وبالتالي فإن من أولى مهام المواطنة الوقوف بحزم ضد إجراءات العصابات الإجرامية بحق أبنائنا في مختلف شرائح المجتمع.

ينبغي أن تكون وقفة المواطنين هذه المرة بعيدة جداً عن النعرات القومية والشجون الطائفية والخلافات المذهبية والسياسية.

إننا جميعاً في مركب واحد. واستهداف شرطي المرور في الشارع ليس استهدافاً لحزب سين أو تيار صاد وإن حمل بعض تلك المحمولات، إنه في الحقيقة استهداف مباشر للعراق، حاضره ومستقبله.

وماذا تريد تلك العصابات الإجرامية غير إفراغ العراق من ناسه وتحويله إلى جزر معزولة أو كهوف تذكر بكهوف قندهار وتورا بورا؟

هل بيننا اليوم من يتمنى أن يغرق العراق في بحر من العنف، وهو جرب العنف حقاً وكانت جثث الأبرياء تضيق بها المستشفيات ومراكز الطب العدلي؟

السكوت عن جرائم تلك العصابات من قبل المواطنين أمر غير مبرر، وبعد المواطنين يبدأ عمل الأجهزة الأمنية المختصة، تلك التي ندعوها بكل حب وإخلاص أن تتعالى على ما تتهم به حيناً وما يوجه إليها من نقد حيناً آخر، وتبدأ بوضع خطة استخباراتية مدروسة بعناية لتقصي العصابات الإجرامية التي تستهدف في فترة طيارينا الشجعان، وفي فترة أخرى الحلاقين، وثالثة الجامعيين وهلم جرا وصولاً إلى شرطة المرور الذين، حماهم الله، يتحملون الأذى من كل نوع وصنف من أجل تيسير حركة الشوارع الضاجة بالموت والخراب والزحام والعصبية وحرارة الجو..

العالم