العراق طارد لأبنائه


 

سالم مشكور

 

 

موقع الإمـــــام الشيرازي

13/شهر رمضان/1431

في مجلس ضم عدداً من المثقفين والإعلاميين دار نقاش حول أمر ما، لكن أحد الحاضرين رد على صاحب رأي مخالف له بالقول: أنتم القادمون من الخارج لا تعرفون هموم الناس هنا، جيوبكم مملوءة بالدولارات ومرفـّهون” .

لا يقتصر هذا الخطاب المحدود الأفق على صاحبنا بل هو يجري على لسان الكثير ممن ينطلقون من دوافع عديدة. هو وجه من وجوه ظاهرة “ثنائية” عراقيي الداخل – الخارج التي ظهرت بعد زوال النظام السابق وعودة بعض الذين اضطرتهم سياسات النظام السابق الى مغادرة العراق، أو الذين أبعدهم النظام عن بلدهم عنوة بعد أن صادر كل ممتلكاتهم.

قد يكون البعض ينطلق في حساسيته من أسباب شخصية وحسابات صغيرة، إلا أنه لا يمكن النظر إليه بمعزل عن تاريخ العراق الطويل الذي شهد تفريطاً متواصلاً بأبنائه، خصوصاً أصحاب الكفاءات الذين ملؤوا أوروبا وأميركا على مر العقود، بعضهم وصل الى مراكز علمية رفيعة جداً، وجلهم حصل على البيئة المشجعة فارتقى علمياً وحقق إنجازات كبيرة. العراقيون المهاجرون في دول العالم المتقدم باتوا معروفين بالذكاء والمهارات والخلاقية، فتبوؤا مراكز رفيعة تليق بهم. لكن بلدهم يشكو من قلة الكفاءات بكافة فروعها.

في الولايات المتحدة قام الملحق الثقافي العراقي العالم الدكتورعبد الهادي الخليلي بجهد شخصي لا يتعلق بمهام عمله. قام بإحصاء أصحاب الكفاءات العراقية الموزعة على امتداد الولايات الأميركية فوجدهم بالآلاف من أرفع الاختصاصات.

وجد فيهم المنسلخ عن العراق بسبب ما عاناه، والمندمج مع حياته وبيئته التي وفرت له كل سبل النجاح الى درجة نسيان حتى لغته العربية. جمع الكثير منهم في مؤتمر حاشد وأحيا فيهم عراقيتهم وشحذ هممهم لتقديم ما لديهم للوطن الذي يحتاج الى كل شيء. قاموا بتشكيل مجموعات تخصصية في كل فروع العلم والأدب والفن لتقديم خبراتهم الى الداخل والمساهمة في إعادة بنائه.

كان يفترض أن يكتمل المشروع بتشكيل لجان نظيرة من الداخل لتقوم بالاتصال وتنفيذ عملية نقل الخبرة، لكن الأمر أوكل الى شخص معين في وزارة معنية، ومضى على الأمر حوالي العامين ولم يتقدم شيء من المشروع الذي كان بإمكانه أن يوفر للعراق خبرات كبيرة دون أن يضطر أصحابها الى القدوم وتحمل ذلّ الوقوف على أبواب الوزارات والمؤسسات الرسمية.

منذ سقوط النظام السابق جاء العديد من أصحاب الكفاءات تاركين حياة الرفاهية والدعة، مدفوعين بالحماس لخدمة البلاد، لكن أكثرهم عاد أدراجه بعدما أعيته الإعاقات والعرقلات التي واجهها من كل حدب وصوب من أجل دفعه الى العودة من حيث أتى.

كما أن المؤتمرات والمشاريع التي أعلن عنها حول تشجيع الكفاءات على العودة باءت بالفشل بسبب الممانعة الداخلية لعودتهم!!.

ترى لماذا يخاف البعض من عودة الكفاءات؟!!

ولماذا يحارب البعض بكل قوته ضد عودتها الى البلاد؟ بل لماذا يعرقل المعنيون مشاريع الإفادة من كفاءات العراق في أنحاء العالم حتى دون أن يرجعوا؟ لماذا يصر البعض على العزف على وتر “الداخل – الخارج “ فيحرم البلاد من أبنائه الذي عاشوا تجارب حضارية واكتسبوا خبرات يمكنها ترك أثر إيجابي كبير على الداخل المعزول عن العالم طوال عقود؟

من يفعل كل هذا ولماذا؟

الصباح