![]() |
|
|
الثقافة وقمتها.. والحرية وأزمتها
موقع الإمــــام الشيرازي 22/شهر رمضان/1431 ستقوم الثقافة العربية من سباتها وتعقد لها قمة لا كالقمم، سيتذكرها القائمون على أمر السياسة وسترعى الجامعة العربية قمة رسمية للثقافة التي تمر في أسوأ مراحلها وتضيف هذه القمة إلى سلسلة القمم الاقتصادية والسياسية والأمنية.. ولكن، هل ستجني الثقافة ثماراً فشلت القمم السياسية في قطفها من الشجرة العقيم؟ أم تراها صحوة متأخرة للجامعة التي تعظت وشاخت لفرط خطب التنديد والشجب والرفض دون طائل؟ أم لعلها حركة التفاف يراد بها التمويه على فشل مقررات وتوصيات القمم الاقتصادية والأمنية والسياسية واستحالة تنفيذها؟ ماذا بوسع قمة ثقافية أن تقدمه لمعضلة الديمقراطية تلك التي يروج لها البعض - كما يرى جورج طرابيشي- باعتبارها الحل الوحيد لمشكلات المجتمع العربي بعد انهيار الاشتراكية وفشل أطروحات الوحدة وتراجع النزعات القومية؟ المضحك أن بعض المثقفين الرسميين العرب يعدّون الديمقراطية كلمة السر السحرية التي ستحقق نقلة عجائبية في المجتمعات العربية وتحولها من واقع التخلف الى مثال التقدم بقرار رسمي، مع أنها لا تتحقق ولا تترسخ إلا نتيجة لتطور ثقافات المجتمعات وسياساتها واقتصادها وجهد مؤسساتها العلمية والأكاديمية، ولا يمكن أن تزرع كشجرة نامية مجلوبة من بلاد غريبة في أرض ينخرها التخلف وتحكمها النظرة الماضوية للثقافة والحياة.. هل ستناقش قمة الثقافة موضوعة النشر وحقوق المؤلف باعتبارها مشكلة أساسية في الحياة الثقافية كما قرأنا عن الاجتماع التمهيدي بين الأمين العام لجامعة الدول العربية والمختصين من أدباء عرب وناشرين؟ وما جدوى بحث قوانين النشر والحقوق في مجتمع لا يقرأ، ومدارس تدجن الناشئة في قوالب التشدد، وكتب ترصف في المخازن أو تحظرها رقابات رسمية ومحتسبون غلاة يحكمون عليها وعلى كتابها بالإعدام والحرق؟؟ ما الذي سيحدث في قمة عربية للثقافة سنة 2011؟ ما الذي سيحصل والمثقفون أول من يكابد حالة التردي الثقافي جراء عزل الثقافة وتهميشها؟ ما الذي سيجنيه المثقف وسط التشوش الضارب في مفاصل مجتمعات العنف والطائفية والتشدد والشوفينية؟ وكيف ستحقق القمة الثقافية معجزاتها الموعودة؟ هل يمكن حشر المثقفين بأطيافهم ونزوعاتهم الفكرية في قالب أو توصيف واحد؟ وهل سيشارك فيها مثقفون من جميع البلدان أم ستقتصر المشاركة على بضعة أسماء لها حظوة سياسية وإعلامية في بلدان تهيمن على الجامعة العربية؟ وهل ستيسر الجامعة منح تأشيرات لمثقفين ونقاد عرب وبالأخص – من العراق - طالما حرموا من المشاركة في مؤتمرات ثقافية في العواصم العربية بسبب حجب التأشيرات عن العراقيين؟ هل ستحل القمة الثقافية معضلة ارتياب وزارات الداخلية العربية بالمثقف العربي مع ترحيبها بأي سائح أجنبي مجهول ومنحه التأشيرة خلال خمس دقائق في المطارات العربية؟ هل سيدعى مفكرون أمثال جورج طرابيشي وعلي حرب وطارق حجي، الذي قال إن بإمكان الإنسان أن يكون مسلماً وحداثياً؟ أم ستكرر الأسماء الرسمية المستهلكة ذاتها من نجوم الفضائيات والمهرجانات؟ بوسعنا تخيل ما سيحدث بناء على المقدمات، فقمة الثقافة لن تكون بأية حال أفضل حظاً من المؤتمرات التي تعقدها اتحادات الأدباء والحكومات والتي طالما صدّعنا نجومها بالخطب الحماسية عن أمجاد السلف والعزة والكرامة من دون التوقف برهة لتأمل حاضرنا البائس أو ما سيؤول إليه مستقبلنا، فلا فرق بين قادة اتحادات كتاب عجزوا عن إعادة اتحاد أدباء العراق إلى اتحاد الكتاب العرب، وبين جامعة عربية أصبح وجودها عبئاً على الشعوب وتكريساً للعجز! ما الذي سيأتي به قادة الثقافة العربية حقاً – إن كان ثمة قادة للثقافة -؟ لاشيء، سوف نرى كتاباً ونقاداً وفنانين لاتأثير لهم في توجيه رأي عام مستقل لإنفصال معظمهم عن واقعنا وانشغالهم بقضايا هامشية لا تتصدى للتشدد وأسباب تردي الثقافة، بل تكرّس تخلف المجتمع بالمهادنة والصمت، ولا يمكنهم والحال هذه، تقديم تصور موضوعي لواقع الثقافة طالما هم تحت تأثير التجاذبات السياسية والاقتصادية التي تدفعهم إلى مهادنة كل ذي سلطة ومال.. وسوف تصدر القرارات والتوصيات اليوتوبية الحالمة متجاهلة أزمة الحرية والتطبيقات الشوهاء للديمقراطية التي قدمت لحشد من الأصوليين العرب مبررات تكبيل الحريات تحت طائلة الديمقراطية ذاتها، وسيعلن المثقفون الرسميون نجاح أعمال القمة وهم يعددون التوصيات مستحيلة التطبيق بينما يكابد آلاف المثقفين الحرمان من فرص العمل و لقمة العيش وحرية التعبير، وعندما ينفض سامرهم لن يتبقى من القمة إلا أصداء التصفيق وأكداس الملفات التي ستحفظ للذكرى. صحيفة المدى |