![]() |
|
|
القرآن الكريم ملهماً للشاعر بوشكين
موقع الإمــــام الشيرازي 22/شهر رمضان/1431 مثلما كان القرآن الكريم ملهماً لشعراء وأدباء كثيرين تأثروا بقيم الإسلام وتعاليمه الروحية في الشرق والغرب.. كان للقرآن الكريم دور كبير في التطور الروحي والإبداعي لشاعر روسيا الكبير ألكسندر بوشكين، بل وفي التكوين الروحي والفكري لرواد الحركة الوطنية الروسية.. إضافة الى السيرة النبوية.. التي صارت للكثير من صفوة المثقفين الروس ورواد الحركة الوطنية أنموذجاً للقدوة الحسنة الصابرة على الرسالة والمكافحة في سبيلها.. ورغم التباعد الذي تفرضه على بوشكين ثقافته وتربيته وديانته المسيحية الى إن الكثير من آرائه تتفق والفكر الإسلامي.. وإعجابه واحترامه الكبير لشخصية النبي. فتناول المرحلة المبكرة من النبوة من خلال قصيدة الرسول التي كتبها عام 1924.. وقبسات القرآن عام 1926.. وهذه القصائد ليست محاولة لتقليد القرآن الكريم، أو كتابة شيء مشابه له، كما يدعي البعض، بل إن بوشكين قام بنقل بعض المواضيع الإنسانية العظيمة التي يزخر بها القرآن الكريم ليطرحها شعراً على أبناء قومه بلغتهم الأصلية وبأسلوب أدبي شيق وسهل.. فحاول أن يقدم تصوراً موضوعياً عن القرآن وعن النبي. يستهل بوشكين قصيدة (الرسول) بمقطعين يلقيان الضوء على ظروف الرسول قبل تلقي الوحي مباشرة.. حيث التأمل في الكون.. والبحث عن حقيقة الوجود.. والعزلة في الصحراء للبحث عن إجابات شافية لأرق الفكر.. الرسول. يضنينا عطش الروح، وفي الصحراء الموحشة كنا نتمدد.. ثم يرسم بوشكين صورة شعرية لظهور جبريل على الرسول: فظهر لنا في مفترق الطريق، سارافيم ذو الأجنحة الستة، وبأصابع خفية مثلما في حلم لمس قرة عيني.. فانفرجتا مقلتاي النبويتان، كأنهما عينا نسر مذعور.. وهنا يتخيل بوشكين صورة جبريل بستة أجنحة، أي ثلاثة من كل جانب ولعل بوشكين قد تسلم صورة جبريل من سورة فاطر (الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء أن الله على كل شيء قدير). وفي رواية لابن مسعود، ان رسول الله رأى جبريل في صورته وله ستمائة جناح منها ما قد سد الأفق.. فهل كان بوشكين على بينه من قول ابن مسعود..؟ ربما فقد كان مصدر بوشكين في التعرف على السيرة النبوية والقرآن الكريم.. الى الترجمة للقرآن وللسيرة النبوية عام 1796 وكتابات المستشرق الروسي بولديريف وكتابه (رحلة محمد الى السماء) وكتاب (حياة محمد) لايرفرينج. وصورة ظهور جبريل على الرسول وإصابته بالهلع الذي يرسمه الخيال الشعري لبوشكين في صورة (النسر المذعور) اشتقاها من كتب السيرة التي تروي أن رسول الله لما جاءه جبريل وهو في غار حراء، في أول ظهور للوحي، رجع الى زوجته خديجة يرجف فؤاده.. فقال زملوني زملوني أي دثروني.. ثم يصور بوشكين التغيير الذي يحدث مع الرسول بعد أن أوتي النبوة، إذ تكشف أمامه أسرار العالم وما وراء الطبيعة الذي لا يدركه العاديون من البشر وظهور جبريل للرسول يحدثه.. فأصغيت الى رعدة السماء، وتحليق الملائكة في الأعالي، وسريان حركة أغوار البحار، ونمو الكرمة النائية، ويصور بوشكين النهوض بعبء الرسالة التي بعث من أجلها الرسول والتي سيسرى نورها عبر البحار والأراضي ليخترق لهيبها قلوب الناس.. وناداني صوت الله انهض، يارسول وابصر.. لب إرادتي وجب البحار والأراضي والهب بدعوتك قلوب الناس.. وهذا المقطع مستلهم من معاني الآيات.. (1-3) من سورة المدثر (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ). وقد اختلف النقاد الروس في تحديد شخصية الرسول المقصود في قصيدة بوشكين الرسول.. فبينما ذهب البعض الى ربط الصورة الشعرية للرسول عند بوشكين بسيرة المسيح عيسى نجد البعض الآخر يؤكد أن النبي المقصود هو الرسول محمد وربما يكون مرجع هذا الاختلاف ظهور إسم أسارافيم محل جبرائيل، وهو الإسم المكلف بأن ينفخ في الصور يوم القيامة.. وفي المسيحية إسم لملائكة التسبيح.. إلا أن بوشكين تأثر بمشهد القيامة التي يصفها القرآن.. وفي ليلة القدر التي ظهر الملاك جبريل للرسول محمد في الصحراء حسب بعض الروايات. أما القصائد التسع التي يجمعها العنوان (قبسات من القرآن) فتظهر تأثر بوشكين الكبير بالقرآن وبالتراث الروحي للمسلمين.. وعلى قدرة القرآن على عبور آفاق الزمان والمكان والتغلغل في نفوس البشر من غير المسلمين. فكان القرآن الكريم وحسب المصادر الروسية أول كتاب ديني يدهش خيال الشاعر بوشكين ويقوده الى الدين إلا أن بوشكين وخوفه من القيصر كان يخفي عن أصدقائه ذلك التأثر والانتقال من العلاقة غير الجادة بموضوعات الدين الى العلاقة الجادة به، وما كان يحدث في داخل روحه.. وهناك آراء ووجهات نظر كثيرة من الباحثين والنقاد الروس باهتمام بوشكين بالقرآن الكريم وما أثارته قبسات من القرآن ومحاكاة القرآن من ضجة واسعة في الأوساط الأدبية آنذاك.. ويستهل بوشكين قصيدته (قبسات من القرآن) باقتباس من سورة الضحى.. أقسم بالشفع وبالوتر، وأقسم بالسيف وبمعركة الحق، وأقسم بالنجم الصباح، وأقسم بصلاة العشاء، لا لم أودعك.. ثم يصور بوشكين خروج الرسول مهاجراً الى المدينة ويؤسس على معاني الآية (40) من سورة التوبة المقطع الثاني من القصيدة الأولى.. يا من في ظل السكينة دسست رأسه حباً وأخفيته من المطاردة الحادة ألست أنا الذي رويتك في يوم قيظ بحياة الصحارى؟ ألم أهب لسانك سلطة جبارة على العقول..؟ إحمد إذن وازدري الخداع.. ثم يعود لاستلهام سورة الضحى في ختام القصيدة من الآية/ 9 (وأما اليتيم فلا تقهر..) أحب اليتامى وقرآني وبحر المخلوقات المهتزة.. وتعكس القصيدة الثانية تأثر بوشكين بالآيات القرآنية التي تدعو الى آداب الحجاب ونبذ التبرج، والتي تعلي من عفة زوجات الرسول ونزولهن عن الرغبة في التزين والحياة الدنيا مقابل البقاء مع الرسول.. وبخاصة الآيات (32-33) من سورة الأحزاب. (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى).. وكذلك الآية (53) من سورة الاحزاب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ...). إن بوشكين يؤسس على هذا المضمون صورته الشعرية في القصيدة على النحو التالي: أية، يا زوجات الرسول الطاهرات إنكن تختلفن عن كل الزوجات فحتى طيف الرذيلة مفزع لكن في الظل العذب للسكينة عشن في عفاف فقد علق بكن حجاب الشابة العذراء حافظن على قلوب وفية من أجل هناء الشرعيين والخجلى ونظرة الكفار الماكرة لا تجعلنها تبصر وجوهكن أما أنتم يا ضيوف محمد وأنتم تتقاطرون على أمسياته احذروا فبهرجة الدنيا تكدر رسولنا.. فهو لا يحب الثرثارين وكلمات غير المتواضعين والفارغين شرفوا مأدبته في خشوع وانحنوا في أدب لزوجاته الشابات المحكومات.. الصباح العراقية |