![]() |
|
|
الأمن قضية سياسية أولاً
موقع الإمــــــام الشيرازي 22/شهر رمضان/1431 غول العنف عاد ينشب مخالبه وأنيابه في جسد العراق المنهك. شبكة الدمار امتدت هذه المرة الى سبع محافظات أو أكثر في تقتيل جماعي. وتوزع السفك بقسمة متوازنة بين محافظات سنية وشيعية، ومختلطة. والهدف واحد: الدولة لا القوات الأميركية. يصعب اختيار الكلمات لوصف هذه المأساة - المحنة، فاللغة بكماء صماء، أزاء الألم الإنساني. بوسع المرء أن يطلق شتى النعوت على عبدة العنف، سلالة مصاصي الدماء أولاء، لكنها لن تكفي قطعاً. ولن يسعف المرء حتى خيال هوليوود، الشغوف بسلالة دراكولا، والوحوش والذئاب البشرية، وما شاكل من مخلوقات تجسد الغرائز الدنيا في عالم الضواري. فهذه الأخيرة، تطلق العنان لعنفها المكنون طلباً لأبسط متطلبات الوجود: الاغتذاء، وتتجاوز ذلك أحياناً طلباً لإلحاح الفطرة الأخرى: الوصال مع الإناث. أما الضواري البشرية فتنشب أنيابها ومخالبها في أي جسد بشري، لمجرد اختلاف اللون، أو الدين، أو اللسان، أو المذهب، أو الرأي، أو المهنة، أو حتى بدون ذلك. دولة العراق الإسلامية، التي لا هي بدولة، ولا هي بإسلامية، تقتات على الكراهية، وتغتذى على الانتقام، لابسة لبوس القداسة الزائفة، محصنة ذاتها الفارغة بحق سماوي مزعوم، مسبغة على أفعالها الشائنة مسحة من الشرعية الدينية المقلوبة. لعل الأنكى من ذلك هو التصورات المساندة لهذا العنف. فما دامت "الدولة العراقية الإسلامية" تفعل ما تفعل في بلد محتل، فإن أفعالها، حسب هذا المنطوق تغدو "جائزة" و"شرعية"، أو "معقولة" أو "طبيعية". أخلاق هذه الميليشيا، إن كان بالوسع الحديث عن الأخلاق هنا، تقوم على قاعدة الحق في التدمير المطلق. والذين يساندون هذه الحيوانية أو يعطفون عليها، يجدون راحة الضمير، إن كان ثمة شيء منه، في تبجيل هذا "الحق" بأسماء شتى ابتداء من محاربة الكافر، مروراً بنصرة "الفرقة الناجية" وانتهاء بمقارعة المحتل. ولا يهم بعد هذا أن تسفح الدماء في سوق خضار، أو تقطع الأوصال في طقس ديني، أو ينسف مرقد أو جامع، أو تحز أعناق سافرات، أو يحرق دكان حلاق نساء، أو أن يخترق الرصاص جسد بائع خمور أو صاحب محل للانترنت، أو بائع تسجيلات موسيقية. فها هنا تختلط الحرب المتخيلة مع الشيطان، بالحرب على النساء، بالحرب على الأديان والمذاهب الأخرى، بالحرب على الدولة، بالحرب على المحتل. وما دام هذا الأخير حاضراً، فكل شيء مباح. ولا يهم بعد هذا أن يفرض "المحارب المقدس" سطوته المستبدة على حياة المجتمع، وتوقه الى العيش المعتاد، ناهيك عن اختيار وسائل أخرى، غير العنف المنفلت بأزاء المحتل. هذه محنة حقيقية في التفكير السائد في عالمنا العربي المزري، الذي يربأ بالدولة، ويزدري بالقانون، ويعلي العنف الى مصاف المبدأ الأكثر قداسة ما أن يشرعن هذا العنف نفسه باسم الوطن والأمة، حتى لو كان مآله تدمير الاثنين. ولا يقل عن ذلك سوءاً تصورات الساسة العراقيين عن هذا العنف. فهم ينظرون إليه، في أحسن الأحوال، على إنه مثالب تقنية في النظام الأمني، وهذه المثالب تحال، بدورها، الى استرخاء أو اندساسات. أو ينظرون إليه، في أسوأ الأحوال، على إنه سمة لصيقة بكل خصومهم السياسيين، أحزاباً وطوائف. في التصور الأول، يختزل العنف الى قضية أمنية صرفةً، وفي التصور الثاني يختزل الى سمة أنثروبولجية لصيقة بالمتهمين التصاق الجينات الموروثة بالولادة. وهم بهذا يكشفون عن رثاثة في التفكير لا تقل بؤساً عما يدور في رؤوس العرب المناصرين للعنف الأهوج. فالأمن قضية سياسية بالأساس فهو يتعلق بشرعية الدولة في نظر المجتمع، وهو يتصل بانفتاح النظام السياسي على أوسع مشاركة ممكنة، وهو يرتبط بالتزام مبدأ المواطنة، وهو يقوم على اتساع فرص المشاركة في الإدارة، وفي الجيش، وفي المنافع الاقتصادية لدولة نفطية، مثلما يبرأ باحتكار طائفي - حزبي للمؤسسات المدنية والعسكرية، أو استيلاء حفنة على جل موارد النفط بوسيلة أو بأخرى، أو استشراء الفساد. وهو، هو. العنف ليس أيديولوجيا بل وسيلة. ينطبق هذا على العنف السياسي بالدرجة الأولى. فاتساعه أو انحساره مرهونان بمدى توازن ودستورية وانفتاح النظام السياسي. ثمة شبه إجماع وسط الطبقة السياسية في العراق على وجوب أوسع مشاركة، كما ثمة إجماع على بناء دولة قوية، مستقرة. وقد برز هذا الإجماع أيام حملة فرض القانون خلال عامي 2008 و2009 التي اتسمت بتبني لغة القانون ولغة الوطنية العراقية. وهو إجماع له دلالته، ومآلاته الواضحة: انسحاب الوجود العلني للميليشيات يميناً وشمالاً، وانخفاض أعمال العنف، والاقتراب من حافة الاستقرار. لكن التراجع عن ذلك فتح الجرح. أما الأزمة السياسية الحالية، وهي أزمة ارتياب متبادل واحتكار ضيق، فتفتح الباب على مصراعيه، لرحلة معاكسة. حتى المبتدئ في ألف باء السياسة يعرف أن خيبة القادة والقوى السياسية المتضررة تدور، في الأغلب، في مدار الاعتراض السياسي والتصويت المضاد في البرلمان والاحتجاجات داخل وخارج المؤسسات. لكن الضرر الأكبر أن خيبة قواعد هؤلاء القادة، لا محالة الى سلبية مطبقة أزاء الدولة ذاتها، عوض الحماسة والمشاركة في بنائها. وفي هذا المفصل بالذات يجد قديسو العنف الزائفون سانحتهم المأمولة. فهذا العلق يحيا في مسامات الخيبة والغضب. وحين يصر السياسيون على الرؤية التقنية أو الطائفية الضيقة الى الأمور، فإنهم بذلك يتمسكون بالعمى السياسي عن سابق عمد وإصرار. العنف قضية سياسية أولاً، ايها السادة. العالم |