الإمام المجدد الشيرازي .. ناهج ومنهج


 

أفنان حيدر

 

 

موقع الإمـــــــام الشيرازي

28/شهر رمضــان/1431

سجلت الأسرة الشيرازية عبر العديد من مراجعها التجديديين وعلمائها القادة مواقف رائدة أسست من خلالها منهج إيماني وإنساني وأخلاقي يهدف الى الإصلاح والتجديد والتنمية والرفاه والفضيلة عبر الحوار والتواصل والبر والتعاون في أجواء يتلازم فيها السلام والحرية المتلازمة أصلاً مع العدالة, وفي نفس الوقت, يهدف (المنهج الشيرازي) الى التخلص من قيود التقاليد المفروضة، ورواسب التقولب، وعقدة الاستسلام الى الأعراف المريضة, ويؤكد على عدم الركون الى الواقع الذي لا يلبي الطموح ولا تتقدم عبره الأمة, ولأنه منهج مرجعي يغور في عمق الماضي وتراثه, ويتعايش مع توثب الحاضر وتناميه, ويحادث المستقبل ويستقرأ تحدياته وأفق انتصاراته, كان على الأسرة الشيرازية أن تعتمد التدرج في تقديم مشروعها النهضوي -  الحضاري الى الأمة, واستقدام الأمة الى المشروع, وخاصة إبان مرجعية الراحل الكبير آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله مقامه), وكان أن يتقاسم علماء الأسرة الشيرازية الأدوار حيث إن قوة الطغيان لها أثرها, وأن لعناصر الانحراف تأثيرها.    

لقد استدل أهل العلم والخبرة على إن الإمام الشيرازي الراحل قد تميز بعمقه الفقهي وغناه الموسوعي, وفكره الأصيل المستلهم من الكتاب الكريم والسنة المطهرة والذي يعالج شتى القضايا الحيوية ومشاكل العصر, كما يمتاز (قدس سره) بمنهجه الموضوعي في قراءة الأحداث والحاضر والمستقبل. ومن خلال قراءة مؤلفات الإمام الشيرازي يمكن تلمس عمق تجربته الثقافية ومكانتها الحقيقية الفاعلة في مشروعه الحضاري حيث يرى (قدس سره) أن الثقافة "عبارة عن الدين والعلم والأخلاق والرسوم والعادات ونحوها", كما يؤكد أن ثقافة المجتمع، على كثرة وحداتها وفروعها، تنتظم في ثقافة موحّدة هي بمنزلة الهيكل العظمي لثقافة المجتمع العامة، فثقافة العقائد وثقافة الآداب وثقافة العلوم والفنون وحتى ثقافة الأحوال الشخصية هي عبارة عن أجزاء ووحدات ثقافية تعطي المجتمع هويّته المتميزة", ومن الوسائل التي يؤكد عليها -  دائماً -  في عملية الوعي الثقافي بين المسلمين عموماً، قراءة سيرة النبي الأكرم والأئمة الأطهار (سلام الله عليهم) فحياتهم الحافلة بالمآثر الإنسانية وبالصور المشرقة تعتبر نبعاً عذباً وصافياً لاستلهام الدروس والعبر من سيرتهم وسنتهم.

من خلال نظرة  تحليلية لمؤلفات الإمام الشيرازي الراحل يُلاحَظ أنه (قدس سره) يربط دائماً بين المرتكزات الثقافية والقيمة الحضارية للحرية، وإن أحد الشروط الأساسية لتأهيل المجتمع والارتقاء بنضجه الحضاري هو التكامل بين الثقافة بكل مفرداتها والحرية بكل مقوّماتها ولذلك فعندما يتحدث (قدس سره) عن الحرية، فإنه يتحدث عنها بوصفها (ضرورة) وليس بوصفها منحة أو عطاءً، لأنه يرى أن: "الأصل في الإنسان الحرية".

يمثل الفقه عند الإمام الشيرازي الراحل الدائرة الأوسع التي يبحث جميع المسائل والقضايا في إطارها، ولذلك فإنه ينتقد تقسيم العلوم إلى دينية ودنيوية حيث ينظر إلى الإسلام باعتباره شريعة منجزة قد اجتازت عصر التأسيس، ويركز بصورة خاصة على إدراك التطورات وبناء ما يلائمها من أحكام، وهو بذلك لا يتفق مع حركات النهوض التي حاولت إنجاز قطيعة مع الإسلام، إما بشكل علني عن طريق الإعلان عن مشروع مستورد، أو بصورة غير معلنة عن طريق الوصول الى نموذج آخر بعد جر الأحكام إليه، ولو بتحميل النصوص ما لا تحتمله، وقد جاءت نظرية (شورى الفقهاء) لتدفع بالمرجعية بحالتها العامة إلى أقصى درجات التكامل الممكن، وذلك لأنها تتيح الفضاء الواسع أمام العالِم لطرح آرائه, كما أنها تخلق حالة من الفضاء العلمي المتحرك الذي يتطلب المزيد من القوة والإحكام بسبب وجود النقد الذي يمارسه فريق من العلماء، كلٌّ على حدة، ومن وراء هؤلاء ثلّة من أهل الفضيلة، وأخيراً الجمهور. وبهذا فإن شكل النظام السياسي عنده (قدس سره) عبارة عن عملية تطوير للحوزة العلمية، ونقلها إلى نظام أكثر مواءمة مع الدولة.

إن القارئ لحياة الإمام الشيرازي الراحل سوف يجد اهتماماً بمفهوم (التعددية)، وقد أعطى رؤية واضحة ومؤصلة لهذا المفهوم، وباعتباره فقيهاً بارزاً فإن ما كتبه في هذا المجال يحظى بأهمية بالغة عند رجالات الفقه والثقافة، ويرى أنه حينما يقبل الإسلام بوجود سائر الأديان والاتجاهات ضمن مجتمعه وفي ظل دولته، فإنه يمنحها (الحرية الكاملة) في ممارسة شعائر أديانهم والقيام بطقوس عباداتهم، وتنفيذ تعاليمها وأحكامها دون أن يفرض عليهم شعائره وأحكامه أو يتدخل في شؤون أديانهم. وفي نفس الوقت يشير (قدس سره) الى إن التعددية المذهبية تعني الاعتراف بوجود تنوع في الانتماء المذهبي في مجتمع واحد. واحترام هذا التنوع وقبول ما يترتب عليه من اختلاف أو خلاف في الفروع أو غيرها. وإيجاد صيغ ملائمة للتعبير عن ذلك بشكل يحول دون نشوب صراعات تهدد سلامة المجتمع. ويرى أن مفهوم التعددية المذهبية يتضمن, أيضاً, الإقرار بأن "أحداً لا يحق له نفي أحد", و"ضمان حرية التفكير والتعبير المذهبي للجميع" و"المساواة في ظل سيادة القانون". أما "التعددية السياسية" التي أكد عليها فتعني مشروعية تعدد القوى والآراء السياسية وحقها في التعايش وفي التعبير عن نفسها وفي المشاركة في التأثير على القرار سياسياً في مجتمعها.

لقد نادى الإمام الشيرازي الراحل بإعلاء كلمة الإسلام عبر الاقتداء بسنن رسول الله وآل بيته الطاهرين (سلام الله تعالى عليهم) من خلال ما طرحه من رؤى وأفكار والعمل بمبدأ اللاعنف، ودعا الى قيم العدل والحرية والسلام والرفاه، وحث على تنمية الإنسان وإعمار البلدان، فكانت حياته – وما زالت - مصدر إلهام للأحرار والمصلحين فقد كان شديد الانتماء لإنسانيته، ومفتخراً بدينه، وزاهياً بمذهبه، وصابراً على معاناته، وساعياً – بمحبة – لإصلاح العالم أجمع حيث يكون إنسان، لا في العالم الإسلامي حسب.