![]() |
|
|
وجود الدولة في ذهن المواطن
موقع الإمــام الشيرازي 23/شــــــــوال/1431 سبق أن قلت في أكثر من مناسبة أن ليس للدولة وجود عياني في الخارج. إنما تتمثل الدولة بعناصرها الأساسية، من شعب ووطن وما الى ذلك، كما تتمثل في مؤسساتها كالبرلمان وغيره. الدولة مفهوم أو فكرة تتجسد في مظاهر خارجية كثيرة، من دون أن يعني ذلك أن الدولة هي هذه المؤسسات أو المظاهر المادية حصراً. الدولة توجد في الذهن قبل أن تتأسس مظاهرُها وتجلياتُها في الخارج. وحين يجلس المختصون من أجل كتابة الدستور، فإنهم في الواقع ينطلقون من صورة قبْلّية للدولة، موجودة في أذهانهم وعقولهم، ويحاولون تجسيدها في الدستور، الذي يكون بمثابة خريطة لبناء الدولة في الخارج، بالضبط كما يفعل المهندس حين يضع تصميماً لمبنى أو جسر أو ما شابه ذلك. الدولة توجد في ذهن الإنسان/ المواطن. وهذا الإنسان المواطن إما أن يكون حاكماً أو محكوماً. ويجمع الإثنين عنصرُ الانتماء الواحد الى الدولة الواحدة. هذا الإنسان يؤمن بالدولة في عقله وذهنه وروحه، ويؤمن بالانتماء إليها، ويعتز بهذا الانتماء، ويؤمن بضرورة احترام الدولة والولاء لها والقيام بواجباته إزاءها، بما في ذلك التقيد بقوانينها، والحرص على أموالها، والإخلاص في العمل لها. إذا تحقق هذا الوجود الذهني للدولة صح أن نقول أن الدولة موجودة، حتى قبل أن توجد مؤسساتُها وقوانينها، ومظاهرُها المادية الأخرى. لكن إذا لم توجد الدولة في ذهن المواطن، حاكماً كان أم محكوماً، صح أن نقول أن الدولة غير موجودة، حتى لو وجدت مؤسسات ومظاهر خارجية تنسب عادة الى الدولة. وحين توجد هذه المؤسسات في الوقت الذي ينعدم وجود الدولة في ذهن المواطن، فإن هذه المؤسسات والمظاهر تفقد قيمتها وطعمها ودورها، وتصبح كمثل غيمة الصيف، لا تحمل ماء، أو «كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً». كمثل مجلس نوابنا الآن! وجود الدولة في ذهن المواطن، إذن، متوقف على وجود المواطن نفسه، سواء كان حاكماً أو محكوماً. حين لا يوجد المواطن، لا توجد الدولة. والمواطن ليس الفرد البيولوجي، إنما هو الكائن الاجتماعي الذي يخلقه الوعي والارتباط والتعاون والتطوع والالتزام والثقافة السياسية الوطنية. وحين تنعدم هذه المستلزمات لا يكون الناس إلا أفراداً مشتتين، لا يربطهم رابط ولا يجمعهم جامع. حين تنعدم هذه المستلزمات ينعدم المواطن، وباختفاء المواطن تختفي الدولة. لذا تتمثل أولى الخطوات العملية الحقيقية لبناء الدولة في إيجاد المواطن، في تحويل الأفراد الى مواطنين فعّالين، يزدهر وجودُ الدولة في أذهانهم، ويتجسد في أعمالهم وممارساتهم وعلاقاتهم، بما في ذلك علاقاتهم التنافسية للوصول الى السلطة، أو الفوز بثقة الناس في التمثيل والنيابة. زعمت في ما مضى من مقالات، وما زلت أزعم، أن التنافس السياسي الدائر في العراق الآن، على السلطة وغيرها، يدور في ظل غياب الدولة، بمعنى عدم وجودها في ذهن الفرد، حاكماً كان أم محكوماً. وحين يدور صراع سياسي في ظل غياب دولة، فإنه سوف يفتقد المنطق، والقواعد، والقوانين، وسوف يتحول الى «مصارعة» حرة منفلتة من كل شيء، سوى حرص كل «مصارع» الى القضاء على خصمه، والفوز بأكبر قدر ممكن من «الجوائز». نحتاج الآن الى ضبط الصراع والتدافع والتنافس، بالعمل على ايجاد الدولة العراقية المدنية الديمقراطية الحديثة في ذهن الإنسان، حاكماً أو محكوماً، قبل أي شيء آخر. الاسبوعية |