![]() |
|
|
القابلية للاستفزاز (2)
موقع الإمــام الشيرازي 5 / ذو القعـدة / 1431 أشرت في الجزء السالف من هذا المقال إلى أن القرآن الكريم لم يُعن بشيء قدر عنايته بتقوية الجهاز المناعي الثقافي للمؤمنين الأوائل لكي يكونوا قادرين على التعامل مع الموجات الاستهزائية التي كان كفار قريش يصطنعونها ضد مقدساتهم. ومن تتبع منهج القرآن في هذا المجال أدرك أنه، أي القرآن، واجه تلك الموجات بما يمكن اعتباره تدريباً نفسياً للعصبة المؤمنة الأولى على كيفية مواجهة حملات التشكيك والتشويه والاستهزاء. ولعل أول ما يتبدى للناظر في آي القرآن التي حملت معها تباشير ذلك المنهج، أن لا شيء من المقدسات الإسلامية بقي آنذاك بمنأى عن تلك الحملات المعادية. ففيما يخص القرآن الكريم، نجد أنهم وصفوه بأقذع الأوصاف، كاعتبارهم إياه بأنه "أساطِير الأَولين"، وبأنه مجرد "أضغاث أحلام". وإذا سمعوه يُتلى قالوا: "قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين". أما ما يخص جانب المرسَل بالوحي: النبي (ص) نفسه فلقد كان في وسط مرمى نار السخرية والتهكم، سواء منها ما يخص شخصه، أو الكيفية التي يأتي بها الوحي إليه. فقد قال بعضهم لبعضهم "إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً". كما ادعوا بأنه كان يكتتب الأساطير القرآنية فهي "تُملى عليه بكرة وأصيلاً". وبأنه "افتراه بل هو شاعر". وبأنه "إنما يعلمه بشر لسان الذين يلحدون إليه أعجمي". ويصلون بتهكمهم به وبما جاء به من الوحي أقصى ما يمكن أن يتجرأ عليه مستهزئ أو عابث بسؤالهم إياه أن: "ائت بقرآن غير هذا أو بدِّله". وبموازاة تلك الموجات من الاستهزاء والانتقاص والتهكم التي كان يجترحها الأفاكون الأولون، كان القرآن الكريم يرسم معالم منهج لأتباعه يكون صالحاً لتسجيل موقف كاف ضد تلك الحملات، بنفس الوقت الذي يحافظ فيه على زخم تقدم الدعوة المحمدية. ولقد تجلى ذلك المنهج في توجيههم نحو اقتفاء سلوك يكون وسطاً بين رذيلتين: رذيلة التعلق الطفولي المتطرف بالمقدسات، كما هي حال معظم المسلمين اليوم، من جانب، ورذيلة عدم المبالاة من جانب آخر. فعندما استعرض القرآن الكريم جملة من الأخبار التي تتحدث عن السلوك السلبي الذي انتهجه أتباع الرسل تجاه رسالاتهم وأنبيائهم، عاد فوجه النبي (ص) لسلوك قيمة الوسط تلك بقوله تعالى: "فتول عنهم فما أنت بملوم". وهذا التولي الذي هو بمعنى الترك، يتوافق مع مفهوم الإعراض المذكور بقوله تعالى: "وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم"، الذي هو بمعنى الصد. ومبعث ذلك كله، أن الله تعالى كفل حماية المشروع الإسلامي بقوله تعالى: "إنا كفيناك المستهزئين". وبقوله تعالى: "ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون". ولم يأمرهم تعالى بالنزول إلى الشوارع وإشعال الحرائق والمذابح فيها، أو إقامة ما يطلق عليها المنتديات والمعارض التي تكلف متعهديها ما كان الأولى بهم أن ينفقوه فيما يعود عليهم، أو على المحتاجين بالنفع المباشر. فالله ناصر دينه ومعل كلمته. ورغم تأكيد القرآن على نصر الله تعالى لرسالته وللمؤمنين بها، إلا أنه لم يتنكر للطبيعة البشرية للمسلمين الذين قد تنتابهم مرارة الحزن والأسى عندما تنتهك حرمة مقدساتهم، حيث يقول تعالى لنبيه: "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون"، ومعناها وفقاً للإمام الطبري "أي نعلم يا محمد أنك يضيق صدرك بما يقوله المشركون من قومك من تكذبيهم إياك واستهزائهم بك وبما جئتهم به، وأن ذلك يحرجك". ومع علمه تعالى بضيق صدر نبيه من استهزاء قومه، إلا أمره بتغليب المنهج السلمي المبني على الإعراض والترك، حيث يقول تعالى: "فسبح بحمد ربك وكن مع الساجدين. واعبد ربك حتى يأتيك اليقين". والنتيجة المترتبة على كل ذلك أن الاهتياجات والمخاضات العسيرة التي يتبادرها ثلة من المسلمين هنا وهناك عند أية بادرة استهزاء أو انتقاص من المقدسات الإسلامية، بالإضافة إلى مخالفتها للمنهج القرآني، فإنها في حقيقتها ليست إلا تعبيرا صارخا عن تضعضع الثقة بما يحملونه من دين نزل، من ضمن ما نزل، لتربية أتباعه على الإعراض والترك والتولي عن الجهلة الذين يتصرفون بدافع من التشظي الطفولي لديهم. وإذ يكاد قطاع عريض من المسلمين - اليوم - أن يوقدوا نار الكراهية والبغضاء جراء ما كاد القس: تيري جونز أن يقوم به من حرق لنسخة من المصحف الشريف، فإن مما يخفى على عامتهم أن للقس المذكور سلفاً (إسلامياً!!) من القرون المفضلة. فقد روى ابن كثير على هامش حديثه عن سيرة الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان أنه حينما سُلم عليه بالخلافة بادر إلى مصحف كان قد وضعه في حجره فأطبقه قائلاً: "هذا فراق بيني وبينك". وفي رواية أخرى: "هذا آخر العهد منك". أما حفيده الخليفة الأموي الآخر: الوليد بن يزيد بن الملك فقد جاء بما هو أشنع مما أتى به جده. فقد أُثِر عنه أنه فتح المصحف ذات يوم فقرأ فيه: "واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد"، فقام بنصب المصحف وجعله غرضاً للنشام (=السهام)، وأقبل يرميه وهو يقول: أتوعد كل جبار عنيد فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب خرقني الوليد وهذا السلوك الفج من خليفة المسلمين تجاه القرآن الكريم، والاستهزاء بوعيد الله تعالى يفوق بما لا يقاس ما هدد به القس جونز من حرق للمصحف الشريف!. ورغم ذلك فقد استمر القرآن دستوراً خالداً للمسلمين لم يضره تصرف ذلك الأحمق رغم شناعته. فهلا كف المسلمون اليوم عن انفعالاتهم الطفولية التي تجعلهم صيداً غراً لكل أفاك أثيم؟. ومن الموضوعية بمكان أن نقرأ ظواهر التطرف من خلال الأفعال الأولية التي تؤدي إليها، لا من خلال ردات الفعل عليها. ذلك أنه إذا كنا نتفق سلفاً أن القس: تيري جونز متطرف وأحمق، فإن تطرفه لم يكن في حقيقته إلا ردة فعل على مبادرة المدعو (فيصل عبدالرؤوف) رئيس منظمة "بيت قرطبة" في نيويورك، والذي استغل هو وزوجته الماليزية (ديزي خان) ديمقراطية وتسامح القوانين العلمانية الأمريكية فأصرا على بناء مركز إسلامي ومسجد في نفس المنطقة التي شهدت سقوط برجي مركز التجارة العالمي عام 2001م بفعل أحداث الحادي من سبتمبر من تلك السنة. وإذا علمنا أن القوانين العلمانية الأمريكية، والغربية عموماً لا تمنع بناء دور العبادة لأية ملة كانت بما فيها المساجد، وأن بإمكان هذا الرجل وزوجته أن يستصدرا أكثر من رخصة لبناء أكثر من مسجد في أية ولاية يختارانها، فإن إصرارهما على بنائه في ذلك المكان بالذات لا يعني في حقيقته إلا الإصرار على صب مزيد من الزيت على نار الكره والعداوة التي تحتضنها نفوس من قضى أقرباؤهم وذووهم في ذلك الحادث المشؤوم، بجعل تلك الحادثة حية في نفوسهم كلما خبت أو كادت أن تخبو!. القس تيري جونز متطرف ولا شك، لكن فيصل عبدالرؤوف وزوجته الماليزية متطرفان هم الآخران ولا شك أيضاً. والفارق بين التطرفين أن تطرف القس لا يمكن أن يؤثر قيد أنملة في مجتمع تشرب العلمانية إلى حد جعلته في مأمن تام من الوقوع في أسر التطرف الديني، أما تطرف الزوجين المسلمين وتطرف من سيتطرف ضد تطرفهما، كما هي الحال مع تطرف ذلك القس، فهما لا يصبان إلا في جعبة تشويه سمعة الإسلام والمسلمين فقط، بإيقاد نيران التطرف المضاد هنا وهناك. لقد كان الأجدر بنا ألا نحصر غيضنا في ردة الفعل، وننسى أو نتناسى الفعل الأساسي الموقظ للفتنة، والتي تولى كبره رئيس منظمة "بيت قرطبة"!. الرياض ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ملاحظة: ليس بالضرورة أن يتبنى الموقع جميع مضامين المقالات المنشورة. |