تأهيل العراق أو تعطيله؟


 

هاني فحص

 

 

موقع الإمــام الشيرازي

22/ ذو القعــدة/1431

لطالما ما نددنا وأدنا وشكونا، من الشعار الخادع الأرعن «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» الذي طرحته أنظمة الاستبداد «التقدمية» غطاء لنوايا وأفاعيلها المدمرة في القتل الفردي والجماعي وترسيخ التخلف والتبعية.

جراء هذا الشعار أصبحت فلسطين اختزالاً كاذباً وظالماً لها ولنا، فتم تعطيل كل شيء بها وتعطيلها بكل شيء من الحياة العامة الى السياسة والعلم والوطن والفن والوحدة المجتمعية والرأي الحر والدين والدولة... هكذا فعل المناضلون من أجل التحرير من الصادقين في حدود، الى الكاذبين من دون حدود وهم الأكثرية، فتحولت من غاية الى وسيلة وذريعة للإلغاء والإقصاء لكل طموح أو اجتهاد في الاقتصاد والعمران والأداة والاجتهاد حتى في الفقه أحياناً.

ولعل النظام الصدامي هو الذي بلغ الذروة في هذا التوظيف الإجرامي لفلسطين، فغطى بها مغامراته العسكرية الإقليمية (لصالح إسرائيل في المحصلة)... وصدقوه... صدقه كثيرون جداً، ونسي الجميع ما ارتكبه النظام تكراراً وبعد أشهر من حصول النكسة العام 1967 وظهور المقاومة، من تدخل سافر في سياق المقاومة وإغرائها بالمغامرة ثم التخلي عنها (الأردن 1969)... وقد حمل النظام الكوفية الفلسطينية معه في عدوانه على الكويت... ولم يدفع أحد غالياً ثمن هذا التصرف كما فعل الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، والكل يعلم إنه لولا الانسداد الذي حصل في سياق القضية من حرب الخليج الأولى الى الثانية، لم تكن هنا مفاوضات مدريد الخادعة ولا أوسلو وتداعياتها المستمرة.

لقد تحول العراق الى خرابة بعد الكويت، وبقيت فلسطين غطاء للخراب تحت سقف طويل عريض قليل العمق هو سقف القومية العربية التي هزت مفهوم العروبة أو العربية كمكون من مكونات عرب العراق، ودفعت بالشركاء من الإتنيات الشريكة (الأكراد خصوصاً) وقسراً الى خارج السياق... وقد ساعد العرب العراقيون نظامهم المعادي لهم جميعاً بانقسامهم كما فعل الأكراد تماماً... أما القوميات أو الإثنيات الأخرى فبدت وكأنها غير موجودة ومتروكة لمصاعب الدهر تتدبر أمورها بالعزلة والعزل والهجرة وفقدان الأمل.

أتساءل هنا: هل نحن الآن في العراق سائرون في طريق استكمال ما فعله النظام الصدامي، أي إلغاء البعض بالبعض، الكردي بالعربي والعربي بالكردي، والكردي بالكردي والعربي بالعربي فضلاً عن إلغاء التركماني أو الكلدا أشوري بكل شيء؟ هناك بارقة أمل بتشكيل الوزارة العراقية، التي نرجو أن تتشكل على معيار الكفاءة رئاسة وأعضاء، ومقياس الأمانة، حتى لو كان هناك إصرار على المحاصصة التي يتحملها العراق حتى حين، لكن من خلال إعطاء الأولوية للاستقرار وأمنه ووحدته ونهضته التي لم تعد تتحمل تأجيلاً تحت أي حجة.

فهل نقرر معاً أن نكون أقوياء، بقوة العراق علينا لا باستقوائنا على العراق بالشقاق، لننجز الدولة الضامنة، دولة العقد الاجتماعي الجديد، بتبادل شجاع شريف للتنازلات إنقاذاً، وبالتفاهمات العميقة وقاية، وبالتسويات الدائمة والإدارة المتكاملة إرادة وفعلاً؟ إن دولة عتيدة ومنشودة وممكنة من هذا النوع، تتحمل أو تقتضي معارضة مشغولة بالنقد البناء والاعتراض من أجل إنجاح المشروع لا من أجل إسقاطه والتيئيس منه، ما سيدفع ثمنه الجميع... من دون مبالغة، ومعهم العراق الذي سيكون الخاسر الأول والأكبر. هذا حرام... إلا إذا كنا نسينا بديهيات الشرع والقانون والمواطنة والسياسة وحقوق العراق علينا جميعاً.

مرة أخرى من نهج البلاغة، وفي كتابه الى الأشتر عامله على مصر، يركز علي (عليه السلام) على أولوية التنمية ودورة الإنتاج على المال والريع «وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العبد ولم يستقم أمره قليلاً». فكيف إذا ما صرف وأسرف وبدد الخراج (المال العام) في تعطيل العمارة وتوسيع الزبائنية الكريهة؟! ختاماً ماذا ننوي؟

تأهيل العراق أو تعطيله؟

الأسبوعية