ضريح الحسين (عليه السلام) بوّابة السلام الروحي


 

علي حسين عبيد 

 

 

موقع الإمــام الشـيرازي

1/محرم الحرام/ 1432

ما كان يجري في المعابد من طقوس دينية وتعبّد خالص يعتمد الفطرة الإنسانية، نقلته لنا خطاطات الأقدمين، مؤرخين وعلماء وأدباء وعامة الكتبة، نعم فلقد قرأنا الكثير عما كان يدور في تلك المعابد إذ كان الانسان يبحث في تلك الطقوس عن الخلاص وقبله عن الراحة النفسية والاستقرار، وهو يواجه مجاهيل الوجود والحياة وتناقضاتها وغرابتها. ولكن هل نقلت لنا كتب الأنثروبولوجيا أو التأريخ أو الآداب بشتى أصنافها وأهدافها ومذاهبها طوافاً وتعبداً يجمع معاً ملايين الأرواح والأجساد التواقة المؤمنة المتعبدة وهي تطوف حول ضريح لا يتعدى قطر دائرته المكانية عشرة أمتار؟!، نعم فمن يتسنى له قياس ضريح الإمام الحسين (ع) سيجد أن مساحته لا تتجاوز هذا الرقم، ولكن حين يحاول أن يحصي عدد الزائرين (وفي هذه الحالة يجب أن يمتلك مطاولة تفوق مطاولة الإنسان) سيصل الى يقين لا يقبل الشك بأن ملايين الأرواح الملازمة لأجسادها قد طافت حول هذا الضريح المقدس بحثاً عن أمل بالفوز بومضة إيمان خالصة تقوده خارج مغاليق الكون والحياة معاً. وسينهض سؤال ملحّ مؤداه .. ترى ما الذي يدفع الإنسان نحو هذا الطواف، وما الذي يدفعه الى قطع مسافات بعيدة مضنية بإصرار متجدد وعجيب كي يصل ضريح الإمام الحسين (ع) ويمد أصابع كفه ليلامس شباك الضريح لحظات ثم يمضي سعيداً مستقراً كأنه دوَّن اسمه وروحه وجسده في بقعة مقدسة تضمن له الخلاص التام؟.

والآن أسألك أيها القارئ الكريم (أنثى او ذكراً) هل جربت ذلك، أقصد لحظات الطواف الخالدة، وهل لامستْ أناملك ضريح الإمام الحسين (ع)، وهل ألمّ بك في ما مضى من عمرك شعور قاطع بالفوز، بالنجاح، بالسعادة، بالاستقرار والسلام الأبديين، هل عشت لحظات الخلود سابقاً، نعم لقد عشتها أنا حيث كنت واحداً من بين ملايين الزوار الذين تدفقوا على هذا الضريح المبارك، وقد عشت تلك الرهبة العظيمة المؤطرة بخشوع عظيم وسعادة لا تشبه قط سعادات الحياة الدنيا، وأنت تطوف حول الضريح المقدس ستدهمك علامات وأجواء لا علاقة لها بالأرض، أجواء توحي بالقداسة العظمى، وسترى ببصيرتك النقية صور ملائكة تحف بالضريح المطهّر وهي ترفرف فوق رؤوس الزائرين وتنثر عليهم بشائر السكينة والسلام، وستسمع أصواتاً لا علاقة لها بأصوات الأرض ما تنفك تنشد للخالق الواحد الأحد وتسبح بحمده وتصلي على النبي الأمين وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين فتنقلك الى الفردوس الأعلى ليندهش القلب وهو يخفق بهدوء بين حنايا الضلوع الرقيقة وتنشرح العيون وهي تبصر ما تبصر فيعلوها ماء زلال دافئ يترقرق في المآقي ويهبط دافئاً سخياً على الوجنات الوضاءة والوجوه المشعَّة بالحبور، ولن تعرف في أي عالم تعيش لحظتها، انك خارج أسوار الأرض، عالياً، قريباً من شعاب السماء، هناك في الأعالي حيث الصفاء على أتمه والنقاء المذهل يلون روحك وجسدك على السواء، وستعرف أن كل روح قائمة بذاتها، ملايين الأرواح منفردة عن بعضها وإن تكدست الأجساد فوق بعضها، كل تمثل نفسها، وكل لها لهفتها وتوقها نحو الخلاص، إنها تكدح كدحاً الى ربها، وكل ستحصل على ضالتها وتمضي راضية مرضية، وهكذا تستمر فورة الإنسان وهو يطوف حول الضريح الشريف كأنه سيل لن يتوقف ما دام الزمن يسابق نفسه، إنها رحلة قد لا يفهمها من لا يعيشهاـ وقد تصعب وقائعها على مخيلة من لم يجربها بنفسه، فالبعيد بجسده ربما يكون بعيداً بروحه أيضاً، ولكن سوف أجزم لمن لم يُكتب له الطواف بضريح الحسين (ع) لسبب ما، بأنه سيعيش لحظات الخلود بعينها لو رُزق بهذا الطواف وسيعرف ذلك بنفسه من دون أن يستعين بآخر، وسيخرج من هذا الضريح المقدس وهو على يقين من أنه وصل الى ضالته أياً كانت، وختاماً اقول: إنني حين أكتب بهذا الوضوح وربما بهذه الصرامة عن وقائع الطواف حول ضريح الحسين (ع) فإنني أعتقد صادقاً بتقديم تجربة عشتها بنفسي وأملي الكبير أن يعيشها أخوتي، أصدقائي، أعدائي، بل العالم أجمع، أقصد الإنسان أينما كان، لأنني وجدت فيها الخلاص، ووجدت فيها الطريق الأقوم في الحياة، والطريق الأقرب الى الله تعالى، والطريق الذي يطفئ الصراعات السلبية من أي نوع كانت والوسيلة التي تحيِّد ألم المجهول والتيه أياً كان نوعه أو مصدره، ولعل أحد الناس يقول ان ذلك يتطلب استعداداً روحياً من نوع خاص، وأنا أقول له، فقط لا تستبق النتائج بشكوك ووساوس، فقط إترك روحك تقودك دونما ضغوط أو هواجس مسبقة، فقط دع فطرتك التي فطرك الله تعالى عليها هي التي تتصرف، عند ذاك، ستلمس بيدك قوة شفاعة الحسين (ع) عند الله، ولن يُستثنى من ذلك حتى أكبر الخطّائين عندما يطهِّر جسده وروحه من ادران الدنيا قبل ولوجه الى الضريح المقدس.