![]() |
|
|
التغيير ومفهوم العدالة الانتقالية
موقع الإمــام الشـيرازي 5/محرم الحرام/ 1432 تعد الفترات الانتقالية من حياة الأمم والشعوب من أصعب المراحل التاريخية في سلم تطورها أثناء عملية التغيير والتحول من النظام الشمولي الدكتاتوري الى النظام الديمقراطي التعددي خصوصاً إذا شملت تلك التغيرات نظام الحكم والنهج السياسي والأيديولوجي لهذا النظام، ومؤسسات الدولة المختلفة، وكذلك نمط وسلوكيات العلاقات الاجتماعية والثقافية للمجتمع. ولكن مع وجود كل هذه التحولات هناك من يعتقد أن أفضل طريق يمكن سلوكه وتجنب تلك المطبات يكمن في مفهوم العدالة الانتقالية، على اعتبار أن هدف ومنهجية مؤسسات العدالة الإنتقالية هو السعي الى بلوغ العدالة الشاملة أثناء فترات الانتقال السياسي من الشمولية الى الديمقراطية ومعالجة إرث انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي، ومساعدة الشعوب على الانتقال بشكل مباشر وسلمي وغير عنيف بهدف الوصول إلى مستقبل أكثر عدالة وديمقراطية. فالمعروف أن كل وضع غير ديمقراطي واستبدادي ينتج عنه صوراً مختلفة من انتهاكات حقوق الإنسان، ولأنه لا يمكن التقدم للأمام وتحقيق أي انتقال ديمقراطي ما لم تتم معالجة ملفات الماضي فيما يتعلق بتلك الانتهاكات، وهذا الأمر يجب أن لا يقوم على الثأر والانتقام، وإنما الوصول إلى حلول عادلة ترتكز على اعتقاد مفاده، إن السياسة القضائية المسؤولة عن تلك الملفات يجب أن تتوخى هدفاً مزدوجاً وهو، المحاسبة على جرائم الماضي، ومنع الجرائم الجديدة من الوقوع وفق استراتيجية تعتمد إعادة بناء وطن للمستقبل يسع الجميع، قوامه احترام حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون. ورغم حداثة العدالة الانتقالية كمفهوم وتطبيق، إلا إنه اختلف في تحديد ظهور هذا المفهوم، فقد رجح البعض ذلك الظهور الى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ومحاكمات نورمبرغ والقضاء على النازية، في حين يرى آخرون إن معالم العدالة الانتقالية بدأت تتشكل وتنضج مع تشكيل محاكمات حقوق الإنسان في اليونان في أواسط السبعينيات من القرن الماضي، ومع ملاحقة نظام الحكم العسكري في الأرجنتين، وجهود تقصي الحقائق في أميركا الجنوبية، كذلك ما يعتقد إنه أسهم في ترسيخ مفهوم العدالة الانتقالية فتح ملفات وكالة الأمن الداخلي السابق في ألمانيا، ومنع منتهكي حقوق الإنسان السابقين من الوصول إلى مناصب في السلطة من خلال ما عرف بعمليات التطهير في تشيكوسلوفاكيا عام 1991. كما كان للجنة الحقيقة والمصالحة التي أنشأتها جنوب أفريقيا عام 1995 دور كبير ومهم في دفع مجتمعات أخرى لتبني فكرة العـدالة الانتقالية. وأخيراً، تكللت كل تلك الجهود في مجال العدالة الانتقالية، بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية التي تعتبر قمة التطور في جهود البشرية ضد امتهان كرامة الإنسان وحقوقه. وهكذا يمكن إعتبار الربع الأخير من القرن العشرين بداية التجارب المهمة والناجحة في مجال العدالة الانتقالية في مختلف أنحاء العالم، ولا سيما في البلدان التي انتقلت من النظم العسكرية والدكتاتورية الى النظم الديمقراطية التعددية كما هو الحال مع جنوب إفريقيا وبعض دول أميركا الجنوبية مثل تشيلي والأرجنتين والسلفادور وبيرو، كذلك حققت العدالة الانتقالية نجاحاً في شرق أوروبا عندما تم تغيير تلك الأنظمة الاستبدادية الى النظم الديمقراطية. وبذلك تكون العدالة الانتقالية هي إحدى ركائز بناء صرح الحقوق الإنسانية في تلك المجتمعات. وهي ضرورة لا غنى عنها لحماية واحترام الإنســان وحقوقه، والعـدالة على وجه العموم هي قيمة عليا وفكرة أصلية في كل المعتقدات والأديان. وإذا كانت مفاهيم العــدالة الانتقـالية تعتبـر ضرورة ملحة للبلدان والشعوب التي شهدت تغييراً وتحولاً جــذرياً لأنظـمتها السياسية والاقتصادية والاجتـمــاعية فإن الأمر بالنسبة للعراق كبلد يعتبر أكثر إلحاحاً، وهو بأمس الحاجة الى الأخــذ بتلك المفاهيم وذلك لجمــلة من الأســباب والمبررات المـوضوعية، يقف في مقـدمتها طبيعة ومنـهـجـية النظام السياسي والأيديولوجي الذي حكم البلاد طوال تلك العقود المنصرمة، والذي انفرد بأفعال وتوجهات وأساليب لم يشهد لها مثيل عبر التاريخ المدون، ليس في نهجه القمعي والتسلطي بل في كيفية إدارة شؤون الدولة ومؤسساتها والنهج الأيديولوجي الذي اصطبغت به تلك المؤسسات والمجتمع عموماً. السبب الآخر الذي يحتم على العراق تبني مؤسسات العدالة الانتقالية وتطبيق مفاهيمها يكمن في حجم ونوعية التركة الثقيلة التي أورثها ذلك النظام للشعب العراقي، وهي من الثقل بحيث سيبقى ظهر العراق ينوء بها لسنوات ولربما عقود طويلة، ومن هنا تأتي أهمية بناء مؤسسات العدالة الانتقالية في هذه البلاد لمعالجة كل هذه الترسبات ومخلفات الماضي، باعتبارها إحدى الوصفات العلاجية لكيفية التعامل مع مخلفات النظام السابق الســـــياسية والاقتصادية والتربوية . إن عملية التحول الواسع النطاق الذي طرأ على الواقع العراقي والمتمثل بالانتقال من الدكتاتورية الى الديمقراطية هو بمثابة التحول إلى النقيض الأيديولوجي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهذا الأمر يبدو أكثر صعوبة وتعقيد من عملية التغيير نفسها. ونظراً لأهمية الموضوع وحساسيته، وضمان نجاح هذه التجربة الوليدة، ينبغي على الجميع المشاركة في النقاش الدائر بشأن مواجهة وتصفية تراكمات العهد المباد واختيار افضل السبل لتحقيق المصالحة الوطنية، ومنع عودة الدكتاتورية من جديد، بإفساح المجال لمؤسسات العدالة الانتقالية بأخذ دورها في بناء العـراق الجديد. على اعتبار أن فكرة وتطبيق العدالة الانتقالية واحدة من الحلول الناجعة والناجحة للمجتمع العراقي، وتعد خطوة مهمة في تحقيق الطمأنينة والسلم الاجتماعي. الصباح |