واقعة الطف ... تفسير آخر


 

حافظ آل بشارة

 

 

موقع الإمـــــام الشيرازي

13/محرم الحرام/1432

واقعة الطف أهم حدث في مسيرة الدين الإسلامي بعد نزول القرآن، فالقرآن وحي نزولي والطف وحي صعودي، الأول هابط من السماء والثاني صاعد إليها، والنسبة بينهما كالنسبة بين التنزيل والعروج، لذا فخلود الطف كخلود القرآن كلاهما يجري بوعد إلهي، القرآن تأسيس والطف تصحيح، وقيمة التصحيح كقيمة التأسيس باعتبار إن بقاء المشروع متوقف عليهما، ولا قيمة للتأسيس ما لم يواكبه التصحيح، والقرآن الثقل الأول، وقد حمله وقرأه وفسره قادة التصحيح وهم الثقل الثاني وإليهما يشير النبي (صلى الله عليه وآله) بقوله: "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي"، بالإمكان معرفة الحقيقة بقراءة التاريخ الذي لم تكتبه أيدي المؤرخين الذين عملوا كجلاوزة في بلاط الخلفاء، سيعرف طالب الحقيقة أن تلك القصة المطولة تمتد من غار حراء الى غار سامراء أو من سرداب حراء الى سرداب سامراء بدايات وخواتيم ذات مغزى، قصة صراع بين فريقين بني هاشم رموز السماء وبني أمية رموز الأرض، أما بنو هاشم فهم سلسلة أبناء النبي إسماعيل (عليه السلام) ذبيح الله ووارثوه، وفيهم شخصيات مقدسة عرفوا بالتوحيد، وكانوا أصحاب البيت ومضيفي الحجاج ولهم السدانة والحجابة والسقاية عبر الأجيال، من قصي بن كلاب الى هاشم الى عبد المطلب وهو صاحب إبرهة الذي قال له إن للبيت رب يحميه، وبدعائه نزلت على الأحباش الطير الأبابيل في قصة الفيل الشهيرة، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) سيد الكائنات حفيد ذلك الولي الصالح، ومن هذه الشجرة الطيبة جاء الحسين (عليه السلام) ريحانة النبي وسيد شباب أهل الجنة، هناك إجماع تاريخي لدى المؤرخين المستقلين أن زعماء القبائل القرشية نفذوا انقلاباً أبيض في لحظة وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) فأبعدوا خليفته المعروف في أوساطهم بالوصي سلمياً، وأقروا خطة لتداول الملوكية بين القبائل بالتعاقب تحت شعار (وسعوها في قريش تتسع)، وهم يعتقدون أن بإمكانهم التصحيح للنبي (صلى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى، بعضهم كان يعتقد أن الإسلام كذبة اخترعها بنو هاشم ليهيمنوا بها على العرب! لكن الخليفة المعزول صبر على قرار عزله، وانضم الى مشروعهم الجديد ونصرهم ونصح لهم، وكان لهم عوناً لحفظ بيضة الإسلام، ذلك الإنقلاب كانت أضراره بعيدة المدى، فهو الذي مهد السبل لوصول بني أمية وبالخصوص يزيد الى الخلافة، وهو ذروة النموذج الأموي للإسلام، ولا بأس أن تخترع قبيلة من المبدعين والعباقرة إسلاماً جديداً، ولكن بنو أمية غير مؤهلين مهنياً أو أخلاقياً لهذا الدور الروحي الخاص لأنهم يعملون في الدعارة والبغاء، ويرفعون رايات على الدور الخاصة بالمومسات وكانت لديهم خبرة طويلة في إدارة هذه الأماكن، ولا فرق لديهم أن تكون البغايا من الجواري أو من نسائهم، فهي مهنتهم يجاهرون بها، هذه المهنة تعرف اليوم بالمراكز الترفيهية فبنو أمية كانوا يقودون حركة "الترفيه والترويح" في المجتمع القرشي، وقد ذكر المؤرخون أسماء البغايا المعروفات وأبنائهن من رجالات "الدولة الإسلامية المباركة" مثل: الزرقاء بنت وهب أم الحكم بن أبي العاص، آمنة بنت علقمة أم مروان بن الحكم، النابغة سلمى بنت حرملة أم عمرو بن العاص، سمية بنت المعطل النوبية أم زياد بن أبيه، مرجانة بنت نوف أم عبيد الله بن زياد، هند بنت عتبة أم معاوية، ميسون بنت بحدل أم يزيد، ويزيد وأبوه معاوية وجده أبو سفيان لم يُسلموا بل تظاهروا بالإسلام وكانوا ميكافيليين في تطلعاتهم وسلوكهم السياسي، وعرف المؤرخون يزيداً بشرب الخمر العلني والزنا وحضور مجالس اللهو واللعب بالقرود ووصفوه بالكفر والإلحاد. ومن المنطقي القول بأن الإنسان حر باختيار مهنته، وحتى بالتحليل الحديث للظاهرة يمكن لبني أمية العمل بالدعارة والبغاء فهو أمر يخصهم، ولكن حتى في الجاهلية لم يكن بوسع الأمويين أن يكونوا في موقع سادة القوم، ولم تكن بطون قريش تحترم أبا سفيان وأسرته، فهل يحق لهم أن يصلوا الى قمة الهرم السياسي في دولة خاتم الأديان في العالم؟ وأي دولة عربية لا دينية قديمة أو حديثة وأي دولة علمانية في عصرنا هذا لا ترضى أن يرشح فيها للرئاسة مدير ملهى أو شبكة دعارة أو يرأسها إبن مومس مشهورة... بعضهم يصف وصول بني أمية وأسرة أبي سفيان الى الخلافة الإسلامية بأنه انحراف في مسيرة الإسلام، لكن بعضهم قال إنها ردة. كانت الدعوة الإصلاحية للإمام الحسين (عليه السلام) سلمية قابلها هؤلاء بالسيف ومنطق الدم، ومثلما بقي النهج الحسيني في الإصلاح والثورة ومناهضة الانحراف والظلم بقي الى جانبه نقيضه على مر العصور، فالإسلام الأموي قائم الآن يستخدم الدين ومقولاته لبلوغ مآربه ويحارب الحق والفضيلة.

المرصد العراقي