![]() |
|
|
مُحرم في الهند….تجسير الانقسام الكبير!
موقع الإمـــــام الشيرازي 16/محرم الحرام/1432 سيطرت ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، في هذه الأيام، الحادثة التاريخية المعروفة بواقعة الطف، على فضاءات المشهد الإسلامي الذي عُدّت فيه، برأي المختصين، مفصلاً مهماً من مفاصل التاريخ العربي، ومَعلماً هاماً من معالم صيرورته، وتجلياً واضحاً ومؤثراً على مسارات الخط البياني الإسلامي وأحداثه المرتسمة خريطتها بشهادة الحسين (عليه السلام) التي أضحت نقطة وعلامة فارقة في الوعي والإدراك الإسلامي القديم والحديث. وفي كل سنة وخلال هذا الشهر تتقاطر المقالات والدراسات من كل حدث وصوب وفي لغات متعددة لتتحدث عن حادثة استشهاد الإمام بطرق وأساليب متنوعة وعبر قراءات وتفسيرات مختلفة، بل وحتى تأويلات جديدة لما جرى وما أراد أن يوصله الإمام للأمة والدروس والعبر التي يمكن أن تستفيد منها الأجيال المقبلة فضلاً عن الدلالات التي تشير لها الحادثة بمجملها وعلى أصعدتها ومستوياتها الكثيرة. وإحدى هذه المقالات التي لفتت انتباهي في هذه الفترة هي مقالة أحد طلاب الدراسات الدينية في جامعة كمبردج وهو السيد علي خان الذي نٌشرت في صحيفةTimes of India بتاريخ 17-12-2010 بعنوان "تجسير الانقسام الكبير" تحدث فيها عن الآثار الكبرى التي تترتب على شهر محرم في الهند وكيف يخلق نوعاً من الوحدة الوطنية والدينية تحت راية الإمام الحسين الذي تعمل ذكراه، في الهند، على تجسير الهوة والخلافات بين أفراد يختلفون في المذهب والدين مما يرسم خريطة رائعة لمواطني هذه الدولة التي تشق طريقها بهدوء لتكون في مصاف دول العالم الكبرى. يقول الباحث السيد علي خان في مقالته أن العناوين البارزة حول العالم تعلن، في غالبيتها، عن وصول شهر محرم مع قصص إراقة الدم. فالعراق وباكستان على الخصوص تعد من أخطر الأماكن التي تكون المشاركة في مسيراتها، من أجل إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين، مكافئة للمشي في ساحة حرب. وعلى الرغم من ذلك فإن الناس مازالوا يأتون، ليس فقط في هذه الدول، بل في أماكن أخرى مستبعدة من الاحتمال، لكي يتذكروا تضحية الإمام الحسين قبل حوالي 1300 عام، وتعد قرية Mahmudabad الموجودة على أطراف مدينة Lucknow، هي المكان الذي تدندن فيه الناس حول محرم بفعالية ونشاط على الرغم من كون الشيعة أقلية فيها. ويشير السيد خان الى إن الجو أصبح أكثر مشحوناً، ونحن نتقدم باتجاه العاشر من محرم لأن الإمام الحسين وأصحابه قد قُطع عنهم الماء ثلاثة أيام قبل المعركة. وعندما تمشي حول القرية تجد الناس يعرضون كؤوساً من الماء وعصائر من الفاكهة المثلجة أو أكواباً من الشاي الساخن في ذكرى شهداء كربلاء، وبصورة طبيعية نرى الدخلاء يقبلون بكرم هذه العروض ويتحركون بدون أن يدركوا، خلافاً لما حدث في Lucknow التي كان لها نصيب من العنف الطائفي، إن الكثير ممن يعرض هذه المشروبات لعابري السبيل هم من أهل السُنة والهندوس. والناس غالباً ما يصرحوا بأن الذي يحدث هو نتيجة لديمقراطية الهند، لكن في الحقيقة إن هذا الأمر ليس له علاقة بالسياسة الحديثة. ويوضح خان حقيقة مهمة تتعلق بالأصل التاريخي للاحتفال بمحرم في الهند، وفيه يقول "من المحتمل إن أول الهندوس الذين شاركوا في محرم وقاموا بخلق ذاكرة واعية حوله بينهم هم طائفة Hussaini Brahmins. فهم يؤمنون بأن أسلافهم قد شاركوا جنباً الى جنب الإمام الحسين في كربلاء، وهذا قد تم التنبؤ بهذا من قبل Bhagavad Gita " وهي، والكلام لمهند حبيب السماوي، "نشيد إلهي" مقدسة تم تأليفها عام 200 قبل الميلاد، وتم دمجها في الـ(Mahabharata)، وهي قصيدة سنكسريتيه تحتوي على مناقشات بين Krishna وهو اله للهندوس وبين (Arjuna) وهو أمير مقاتل، حول الطبيعة البشرية والغاية من الحياة". ويعقب خان على الرأي المتعلق بالهندوس ومراسم العزاء الحسينية بقوله "وفيما لو كان هذا التفسير مبرر أو غير مبرر فإنه قد يُقصى بواسطة حقيقة تؤكد على إن مجموعة من الناس ومن تقاليد مختلفة تماماً في تطورها التاريخي اختارت أن تفهم رسالة كربلاء بصرف النظر عن اختلافتها الدينية والمذهبية". ويعقب خان "وربما لهذا، على الرغم من الظروف الطائفية السيئة لمسيرات محرم في أجزاء عديدة من العالم، نجد الهند، وعلى الخصوص الهند القروي، تتعاضد سوية في هذا الوقت لكي تتذكر الطبيعة العالمية للتضحية التي قدمها الإمام الحسين وعائلته وأصحابه". ويستطرد خان في الحديث عن تفاصيل محرم في الهند فيؤكد إنه في صباح الثامن من محرم، تأخذ المسيرات طريقها خلال القرية قبل أن ترجع بصورة نهائية الى القلعة في الليل. ولكي تكون الذكرى أكثر ألماً، نرى أن أياماً محددة تُعيّن لمختلف الشهداء، فالثامن من محرم يُحيّي ويستذكر العباس بن علي ابن عم الإمام الحسين (وهنا يخطأ خان فالعباس أخوه) الذي كان حاملاً علم جيش الإمام الحسين، وكان يحاول أن يحصل على الماء من الفرات بعد أن وجد أن الأمر لا يطاق وهو يشاهد عطش الأطفال، وبعد ذلك قتل العباس قرب ذلك النهر. وعندما تعود المسيرات نرى مختلف بيارق الحرب من المدينة تنضم للنائحين. وكل سنة نرى أن أطول وأثقل بيرق، بعضها طوله 50 قدم، يُحمل من قبل شاب وهو يسير باتجاه الأزقة الضيقة والكثير من هذه البيارق يحمل من قبل الـ Dalits وهي الفئات الطبقية الطقوسية الأقل شأناً. وعندما يصل الناس الى Imambara وهي الغرفة التي تقام فيها التعزية التي بُنيت على شكل نسخة مطابقة لضريح الإمام الحسين، نراهم يوزعون عصائر الفاكهة التي تكرس لذكرى الشهداء. ولأن محرم هذه السنة ابتدأ في شهر الشتاء فإن العديد من الناس لا يختار تناول العصائر الباردة، حيث يتردد الرجل وهو يستلم قدح العصير ويقول بأنه لا يرغب أن يصاب بالتهاب حنجرة، وهو يشرب أحياناً بخجل بعد أن يقول له أحد شباب الـ Dalit بأن العصير مبارك بواسطة (بابا الحسين). ويمضي خان في القول إنه في ليل التاسع من محرم نجد الناس الذين يتقبلون التعزية يبقون طيلة الليل متكفلين بالمحافظة على عدم انطفاء شموعهم واستمرار بخورهم بالاحتراق. وقد ذهبت، أي خان، الى أفقر جزء من القرية وقيل لي بأنها كانت منطقة ذات غالبية سنية، وعندما كنت أمشي سابقاً كنت أشاهد مياه القاذورات مكشوفة وعلامات أخرى من الإهمال البلدي، والرائحة المميزة الوحيدة كانت رائحة البخور. ورجل ملتحف ببطانية في عربته وقرب رأسه تحترق شمعة. ثم يشير خان الى إحدى أهم التقاليد الجديرة بالملاحظة في هذه الليلة أن المرأة الهندوسية تتضرع من أجل الأطفال حيث تقوم، بعرض مدهش للإيمان، بالمشي حافية القدمين طيل الليل بدون أن تتوقف للأكل أو الشرب أو الحديث، والناس يستمرون بإنشاد التأبين في ذكرى الإمام الحسين خلال الليل ويذهبون للبيوت حيث تقام التعزية. في نفس غرفة الـ Imambaras نجد بعض النساء تتوقف لكي تزيّن شعرها بزيت موجود بقنديل يحترق قرب المدخل، وفي اليوم التالي تمسك مجموعة من هذه النساء بعضهن البعض ويعرجون باتجاه كربلاء، أي الى النسخة التي قلنا إنها طبق الأصل من الضريح الموجود في العراق، وهو يمشون لحوالي 17 ساعة. وعلى نحو قريب يخترق الهواء الصوت الجهوري لرجال أعمال سنة بارزين وهو يترنم بلحن حزين يعترف بمآثر الشهداء. ويصل خان الى استنتاج مهم وهو إنه وعلى الرغم من الاختلافات الدينية الواضحة، فإن هنالك لغة رمزية مشتركة تتردد مع الناس بغض النظر عن عقائدهم. فمحرم ربما له معاني مختلفة بالنسبة للشيعة والسنة والهندوس وربما لكل منهم عادات خاصة للاحتفاء به، لكن الفكرة الأساسية للتضحية تضل ترّن وما يزال صداها مستمراً مع كل مجتمع وبالتالي تجعلهم يجتمعون سوية. |