كلمة العام الجديد


 

علي حسين عبيد

 

 

موقع الإمــــام الشيرازي

23/محرم الحرام/1432

العام الجديد 2011، يحيّي العراقيين، ويتعاطف معهم، ويقول لهم: المستقبل يستطيع أن يرى الماضي لأنه لا يزال على قيد الحياة، أو بمعنى أوضح، المستقبل حي يرى ويسمع ويقرأ ويتكلم، لذلك... قرأتُ وسمعت عمّا حدث لكم في العام 2010، بل واطلعت على ما دار في بلدكم طيلة سنوات العقد الأول من الألفية الثالثة، وهي أحداث ذات طابع دراماتيكي، وقد شاءت الأقدار أن تضعني مفتتحاً للعقد الثاني من هذه الألفية، لهذا أريد أن أكون عاماً رحيماً بكم ولطيفاً معكم أملاً باستمرار الرحمة واللطف طيلة هذا العقد كما أتمنى، فالأمور تتسق مع بداياتها والنتائج بالمقدمات كما يُقال، وحين أكون عاماً يليق بأحلامكم، سوف يكون العقد كله كذلك.

لكن سأستذكر معكم أحداث 2010 فقط كي أحاول أن لا أكون مثله، وكي تساعدوا أنفسكم على التغيير، بمعنى أوضح يجب على إنسان عام 2010 أن يكون مختلفاً عن الإنسان العراقي الذي يعيش زمني، أي أننا يجب أن نتعاون لكي نصنع عراقاً أفضل، لأن العام الذي دفن في مقبرة التأريخ كان دموياً وصعباً بحق بالنسبة للعراقيين. فهو عام الأيام الدموية (يوم الأحد الدامي، ويوم الاثنين الدامي، ويوم الثلاثاء الدامي ويوم الأربعاء الدامي، ويوم السبت الدامي)، بيد أن الأمر لم يتوقف عند الأيام فحسب، لذا قفزت الدماء الى الأمكنة بعد أن لوّنت أيام الأسبوع وضاعفت حضور الفجيعة، وأية أمكنة، إنها دور العبادة التي يجد الإنسان فيها فرصة لمناجاة الخالق طلباً للعفو والرحمة بشعب بات ينصهر يومياً بلهيب الإرهاب والتعصب والفساد. وهكذا شاهدت بدقة، أحداث جريمة كنيسة النجاة، كونها جاءت في أواخر العام الذي سبقني، إنها أحداث لا تزال طرية، وبالغة التوحش في كل مراميها وأهدافها، ليس هناك مبرر يشفع لها قط لا عند الرب ولا عند البشر، فعيون السماء وقلوب الأرض ترفضها وتدينها، بل وتلعنها أيضاً، تُرى أية قلوب هذه التي ترتكب جرائم كهذه، ديدنها البشاعة وعنوانها الهمجية الرعناء، وأية أفكار يمكن أن تدفع الإنسان نحو هذا التوحش والتحجر والانغلاق، وأية ظلامية ونكوص إنساني يدفع بالعقل الى إزهاق أرواح مقدسة ببراءتها وطيبتها وتقربها من روح الله في بيوته الآمنة؟.

ذُهلت حقاً وأنا أرى الإرهاب لا يفرق بين الناس والأشياء، وبين الحق والباطل، وبين البراءة وسواها، وذُهلت وأنا أتابع حمام الدم العراقي وهو يتفجر تحت أقدام الأمهات والآباء والأبناء والأطفال والشيوخ والنساء والمرضى والأصحاء، ذُهلت حقاً، وتساءلت كثيراً: كيف تجاوزتم عاماً نشطت فيه الشرور بكل قواها وأسلحتها وأساليبها كي تلغي إنسانية الإنسان، وتدمّر أواصر الخيّر فيه، ثم زرعت أمراض الفتنة في كل مكان، لذلك لا أريد أن ألغي أنسانيتكم، لا أريد أن أشبه العام الدموي الفائت، بل أريد أن أكون عاماً وردياً مضيئاً بقداس النجاة وأرواح شهدائها التي لا تزال ترفرف فوق رأس الكنيسة، وأريد أن أكون عاماً للسلام الذي يحتضن الأطفال وهم يفترشون المساحات الخضراء في الزوراء ومدن الألعاب وفي الحدائق والخمائل والجنان، أريد أن أكون عاماً خالياً من الرصاص، ليس فيه عبوة ناسفة، ولا لاصقة، ولا سيارة مفخخة، ولا رجل أو امرأة انتحارية، ولا وزير أو مدير فاسد، ولا غني فاحش، ولا فقير مهمّش، ولا ظالم حقير، ولا بكاء، ولا أحزان، ولا عطش، ولا بطش، ولا هموم، ولا جوع أو مرض أو جهل، لا أريد موظفين مختلسين مفسدين، لا أريد مرائيين دجالين نهازين فرص، لا أريد محتالين يركبون الموجة التي تقودهم الى السحت، لا أريد أن أكون عاماً كالذي لفظ أنفاسه غير مأسوف عليه، وإن كان من أعماركم. بل أريد أن أكون مفتتحاً جيداً للعقد الثاني من الألفية الثالثة.. أريد أن أكون عاماً يليق بكرامة الإنسان، تتحقق فيه أحلام النساء الطيبات، زوجات وأخوات وأمهات وزميلات، مربيات ومعلمات، وتتحقق فيه أحلام الفقراء، وأمنيات الأطفال.

نعم كل هذا سوف يتحقق، أنا أضمن لكم ذلك، ضعوا أيديكم بيدي وقلوبكم مع قلبي، وامضوا الى الحرية ولطّفوا أنفاسكم بأريجها الأخاذ، واكنسوا أكداس الظلام والكره والتعصب، أحبوا بعضكم بعضاً، وسوف تضمكم فراديس العراق وتنعش قلوبكم وأرواحكم.  

الصباح