![]() |
|
|
الطف .. المعركة الأخرى
موقع الإمــــــام الشيرازي 17/صفر الأحزان/1432 المتأمل لواقعة الطف كثورة إنسانية كبيرة سيجد إنها انتصرت رغم استشهاد كل منفذيها وثوارها وأحرارها فكيف إذن انتصرت وظلت مترسخة في أذهاننا حتى يومنا هذا؟ الفهم الصحيح والواقعي للثورة الحسينية يجعلنا ندرك بأنها ابتدأت في اللحظة التي أستشهد فيها الإمام الحسين (عليه السلام)، هذه اللحظة التي ابتدأت معها مرحلة جديدة في صياغة مفاهيم حقيقية للحرية وحقوق الإنسان ودور المرأة في صياغة مفاهيم الحق وتجسيدها واقعياً وميدانياً من خلال الدور الكبير الذي مارسته السيدة زينب (عليها السلام) في قيادة الجانب الثاني من المعركة مع بني أمية باختلاف المكان والرؤية وساحة المواجهة. ومن الأحداث التاريخية التي نتداولها جميعاً في مجالسنا ونقاشاتنا بأن أهل بيت الحسين (عليه السلام أخذوا سبايا للشام، لكن من الواضح بأنهم ذهبوا للشام كمحاربين من غير سيوف أو نبال، ذهبوا لكي تستكمل الصفحة الثانية من واقعة الطف، صفحة المرأة ودورها، والإعلام الغاشم والإعلام الحقيقي، صفحة يمكن أن تكون بقوة تأثير المعركة الحربية في جوانبها الاستراتيجية، ولكن بمفاهيم بعيدة عن مفهوم الحرب والقتال المعروف لدى الجميع. فما بين أرض كربلاء أرض المعركة بصفحتها الأولى، وبين أرض الشام وقصر يزيد، كانت هنالك ثمة معركة أخرى تنتظر يزيد وأركان حكمه، معركة لم يكن الفرات طرفاً فيها، ولم تكن هنالك ثمة جيوش تمنع الماء عن بيت الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وآله)، بل كانت حرباً خرج فيها الإسلام منتصراً عبر انتصار مبادئ وقيم الحسين (عليه السلام)، تلك المبادئ التي ابتعدت كثيراً عن الدنيا وملذاتها وكراسيها لتقترب أكثر من تحقيق الإصلاح الشامل في الأمة الإسلامية التي بدأت تنخر جسدها أطماع الآخرين، لدرجة لم يبق من الإسلام شيئاً وغابت حتى تسمية "الدولة الإسلامية" لتتحول إلى "الدولة الأموية" في تكريس واضح للعصبية القبلية والتي قادت بالتالي للتمايز والمحسوبية وغيرها من التسميات التي ساهمت بشكل أو بآخر في نهاية متوقعة لهذه الدولة بعد سنوات ليست بالطويلة من عمر التاريخ. كانت المواجهة في الشام تختلف كثيراً عنها في كربلاء، لم يكن ثمة ناصح ينصح الأمويين، بل كان هنالك خطاب يرمي حجج قوية دامغة مؤثرة، وبالمقابل كان هنالك صمت أشبه بالاستسلام في معسكر وقصر يزيد، استسلام للهزيمة التي طالت دولة مترامية الأطراف، هزيمة فكر آحادي، وهزيمة إعلام ضال، إعلام شوه الحقيقة وصور آل بيت الرسول (عليهم أفضل الصلاة والسلام) بالخارجين عن الدين، الطامعين بالسلطة، وهم أبعد من أن يكونوا عن هذا الشكل الذي رسمته لهم الماكينة الإعلامية الأموية. واحدة من نتائج واقعة الطف بشقيها الحربي في كربلاء والإعلامي السياسي الإسلامي المحمدي في الشام: إنها رفعت الغشاوة عن الكثيرين من الذين تصوروا في غفلة من الزمن والتاريخ بأن هؤلاء القوم طالبو سلطة، واكتشفوا – أي الشاميين – وقبلهم اكتشف هذا من أتخذ من الصحراء الواسعة ما بين الكوفة والشام مسكنا له، بأن يزيد وجلاوزته قتلوا أبن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أي إنهم قتلوا بنت الرسول، اي قتلوا الرسول، وليس هنالك قوم يقتلون إبن بنت نبيهم وما زال فيهم من عاصر النبي وقاتل معه وصلى خلفه ونقل عنه الحديث. والسؤال هو: ألم يكن الإعلام الأموي مؤثرا فيهم؟ يبدو هذا واضحاً وجلياً خاصة وإن تولي معاوية بن أبي سفيان ولاية الشام عقوداً طويلة مهد له من صناعة رأي عام مناهض لآل بيت الرسول، وتمكن من استثمار هذا الرأي في تكوين جيش جرار لتثبيت أركان حكمه ودولته ومن ثم ابتداع نظام التوريث في الحكم. لهذا كانت ثورة الحسين هي إصلاح شأن الأمة الإسلامية حتى وإن تطلب الأمر التضحية بالنفس وهذا ما حصل حيث سار الإمام الحسين (عليه السلام) وهو مدرك لما سيؤول إليه المصير، وهو الموت، حيث لا مكان هنا للهرب أو الأسر أو التفاوض، لأن القوم عازمون على قتله. لهذا فإننا عندما نقول (انتصار الدم على السيف) إنما نعني حقيقية مهمة وثابتة وراسخة في مفهوم الثورة الحسينية، هذه الثورة التي قتل كل منفذيها وثوارها لكنها انتصرت، فلماذا انتصرت وكيف تنتصر ثورة بهذا الشكل؟ علينا أن نعرف جيداً ونكرر بأن ثورة الحسين مستمرة منذ عام 61 للهجرة وحتى ما شاء الله من الأعوام لأنها تمثل حالة كل زمان ولحظة دائمة الحدوث في التاريخ، وهي رسالة للظالمين قبل أن تكون نبراساً للمظلومين، المظلوم دائماً يجد في هذه الثورة النبراس والحقيقة ويستمد منها الصبر والانتصار، تعلمت من الحسين أن أكون مظلوماً فأنتصر، هكذا قال غاندي البعيد عن الإسلام القريب من الحسين الإنسان، الحسين إذن لم يكن ثائراً لنا نحن فقط، بل للعالم أجمع، ثورة الحسين هي رسالة للمظلومين، فكيف إذن تكون رسالة للظالمين؟ عندما ينظر الطغاة لما وصلت إليه دولة الظلم من تخبط وانحطاط وهزائم ورذيلة وتسلط، سيكتشفون بأن عمر الظالم قصير، ربما يفهمون الرسالة وربما يخطئون ولكن في كل الأحوال هي عليهم حجة وسند، وعليهم أن يطالعوا التاريخ ليكتشفوا جيداً بأن كل المظلومين انتصروا في اللحظة التي استلهموا فيها قيم الشهادة والتضحية في سبيل المبادئ العليا، وكل الظالمين اندحروا غير مأسوف عليهم لأنهم تصرفوا مثل يزيد ودولته الغاشمة، هؤلاء بنوا دولهم الطاغية عبر عقود من لظلم والجبروت لكنها تلاشت بلمح البصر لأنها بنيت على باطل فكان الزوال مآلها . الصباح |