المثقفون في زيارة الأربعين


 

توفيق التميمي

 

 

موقع الإمــــــام الشيرازي

18/صفر الأحزان/1432

في كل موسم من زيارة الأربعين تشهد مدن العراق لاسيما الجنوبية والوسطى منها ظاهرة الزحف المليوني للسائرين الى كربلاء، وهي إحدى أكبر التظاهرات السلمية التي يشهدها العراق سنوياً ويشاهدها ملايين البشر في أنحاء الأرض عبر شاشات الفضائيات، ويثير مشهدهم المليوني استغراب واعجاب من تمر عليه هذه المواكب الزاحفة وهم يشقون خطوات مسيرهم وسط الحقول والمزارع وتحملهم لتقلبات الجو وبرودة الطقس اللاذعة.

وما يلفت النظر في هذه المواكب مشاركة جميع الشرائح والفئات العمرية لاسيما النساء العراقيات في مفارقة تشير الى غياب دورهن السياسي والاجتماعي.

الظاهرة تثير أكثر من سؤال، وتفتح للباحث أكثر من زاوية لرؤيتها بمعيار موضوعي يبتعد عن المواقف الانفعالية المسبقة وحساسية المثقف التاريخية من ممارسة الطقوس والشعائر وتكرارها الموسمي واستقطابها المليوني للأتباع والجماهير.

وبعيداً عن دلالة وخز الضمير التاريخي الجمعي بأثر رجعي في زيارة الأربعين تحديداً، والذي استنفر جماعة التوابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي وصرختهم التاريخية (يا لثارات الحسين)، فإن الظاهرة تتحرك على مساحة اجتماعية وتاريخية واقتصادية وثقافية يفترض أن تستفز شهية المثقف والباحث في حفر أعماقها واستخلاص ملامحها ومحاولة تهذيبها بالقدر الذي ينسجم مع الأهداف والمبادئ الكبرى للثورة الحسينية في مهمات الإصلاح وعناوين الاحتجاج على الانحراف وانكفاء موازين العدالة الاجتماعية والسياسية، وهي ذات الأهداف التي حركت قوى الخير وقوافل الثائرين للاصطفاف في قافلة الحسين وركبه وما زالت تحرك الجماهير الناقمة على أوضاعها، وهي التي استهدت بها كلمات غاندي وغيره من المستشرقين الذين وجدوا في الثورة الحسينية ومبادئها الكبرى ما يستحق الاعتزاز والدرس التاريخي الذي يتخطى حدود الزمان والمكان الضيقين.

صاحبت هذه المواكب المليونية منذ انطلاقها بعد سقوط الدكتاتورية حوادث عنف قامت بها جماعات إرهابية تغذيها أحقاد التاريخ وكراهياته المتوارثة ورؤيتها التطرفية العوراء للظاهرة وتأويلها في المعتقد والتاريخ، ولم تثن هذه العمليات الإرهابية التي حصدت أرواح آلاف من هؤلاء الزاحفين الى كربلاء عن الإصرار في المشاركة السنوية في مواكب الأربعين وازدياد أعدادهم عاماً بعد آخر، وفي هذا دلالة على إن ثمة دوافع وخفايا تحرك الجموع وتزيد من إصرارهم وتجعلهم غير مبالين بحجم التضحيات التي يمكن أن يواجهونها في مسيرتهم الطويلة والشاقة الى كربلاء، ومن هنا على المثقف أن يتصدى إيجابياً لقراءة الظاهرة، لأن الظاهرة بدلالاتها الاجتماعية تتحرك على مساحة زمنية لها محدداتها وشروطها ذات الصلة الوثيقة بها سلباً أو إيجاباً.

فعلى الصعيد الاجتماعي نلاحظ أن هذه الظاهرة الجماهيرية الملفتة للاعجاب تتمظهر في وضع سياسي ومرتبك ومعقد ما زال يفتقد الى قانون واضح للأحزاب السياسية، والمعروف أن الأحزاب المدنية تشكل الجماهير مادتها وقاعدتها الرئيسية، وخروج الملايين من الجماهير تلبية لنداء تاريخي أو عقائدي وغيابها في ظواهر مدنية تمس الاحتجاج على واقع التردي في الخدمات وسوء الأحوال يؤشر على غياب دور الأحزاب في الحياة وأثرها في توجيه هذه الجماهير لما ينسجم مع مطالبها ومصالحها المعاصرة في هذه اللحظة الزمنية.

واستمرار استهداف الزائرين رغم الاحتياطات الأمنية التي تبذلها الأجهزة الحكومية والمدنية لحماية الزائرين تؤكد أن اللحظة العراقية المعاصرة ما زالت مهددة بقوى تشتغل وفق محركات الكراهيات التاريخية ونبذ التسامح الإنساني، فمن الممكن أن تكون هذه المناسبة فرصة لصناعة التسامح عملياً بين المكونات الإتنية المختلفة التي لا يمكن أن تختلف على العناوين الكبرى للإصلاح والعدالة التي اقترنت تاريخياً بثورة الحسين وتداعياتها في واقعنا المعاصر.

يعول على رجال الدين الذين يحظون بمنزلة كبرى لدى الأغلبية الساحقة من الجمهور بشكل يفوق منزلة رجال السياسة الذين خيبوا آمال هذه الجماهير، بقيادة هذه التظاهرات المليونية السلمية بشكل إيجابي وتهذيبها مما علق بها من موروثات تاريخية دخيلة والإبقاء على جوهر الصلة مع المبادئ الخالدة للثورة الحسينية التي تتصل بمقارعة الظلم والاحتجاج على فساد الحاكمين واستنهاض همم الجمهور في الاحتجاج على واقع البطالة والفساد الذي تعاني منه معظم المدن التي يأتي منها هؤلاء الزاحفين شباباً ونساء ورجالاً.

لا أزعم إنه بإمكاني التصدى لدراسة وجوه هذه الظاهرة بصورها وزواياها المتعددة التي يظهرها المشهد العجيب في زحف الملايين تحت تقلبات الأنواء وبرودة الأجواء طمعاً بثواب ديني أو استجابة لوازع اجتماعي أو أي سبب آخر في هذا الحيز المحدود، ولكن تبقى مهمة قراءة الظاهرة من قبل المثقفين والباحثين واستخلاص ملامحها والسعي في تهذيبها مهمة إصلاحية ووطنية لا تقل عن أية مهمة يعتقد المثقف العراقي إنه مسؤول عنها أمام الناس والتاريخ، دون الاكتفاء بموقف التفرج السلبي الذي ينتابه شعور بالإحباط أحياناً.

الصباح العراقية