|
عنوان
الكتاب:
ما الثورة الدينية
تأليف:
داريوش شايغان
ترجمة
وتقديم:
د. محمد
الرحموني
دار النشر:
دار الساقي
مراجعة:
مروان الداية
المؤسسة العربية للتحديث الفكري/ جنيف |
 |
موقــع الإمــام الشــيرازي
الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة
قام المشروع العربي – الإسلامي على امتداد أكثر من قرن إلى الوراء، في
ما عرف بعصر النهضة، على أساس الإجابة عن سؤال حضاري تمحور حول التحدي
الغربي: ما حقيقته؟ وكيف نردّ عليه؟ وكيف نحقق النهضة؟
وانتهت (النهضة) وجاءت (الثورة)، وكبر التحدي الغربي وازداد، وظل
السؤال يراوح مكانه، بل حلَّ الحديث عن السقوط وأسبابه محلّ الحديث عن
النهضة وسبلها.
وفكرة (ما الثورة الدينية - العنوان الأصلي للكتاب)، محاولة تندرج ضمن
هذه الإشكالية الحضارية، إلا أن داريوش شايغان يلج الموضوع من زاوية
ورؤية جديدتين تعتمدان بالخصوص على:
أ- توسيع إطار الأنا (الحضارية)، فلم تعد هذه الأنا مقتصرة على العرب
والمسلمين، بل اتسعت ورحبت لتشمل كافة الحضارات التقليدية، أو ما سمّاه
شايغان (التجمع الروحي الواحد). ذلك أن هذه الحضارات (الإسلامية
والهندية والصينية) تتميز, على الرغم مما بينها من اختلافات بتجانس
بنيوي في تجربتها الميتافيزيقية. وقد أبان شايغان عن هذا التجانس
اعتماداً على منهج مقارن يرتكز على ما يُعرف في مجال الفلسفة المقارنة
بـ(المماثلات التناسبية) les analogies de rapport.
ب- اعتماد رؤية حضارية شاملة للكوكبتين الثقافيتين، الشرقية والغربية،
لأن الحضارة (كلّ ممفصل لا يحتمل أي فرز، فالأجزاء لا تتحرك بمعزل عن
الكل، وهذا الكل له منطقه الخاص وقانونه ومقولاته الخاصة).
وتكمن أهمية هذا الرؤية الشاملة في قدرة المؤلف على تجاوز النزعة
التجزيئية الغالبة على الدراسات الحضارية الراهنة، والتي تعزل الظواهر
بعضها عن بعض وتدرسها كلاً على حدة. ويتطلب كتاب بمثل هذه الشمولية
جهازاً معرفياً ومنهجياً ولغوياً ضخماً. ولعل هذا ما يفسر الكم الهائل
من المعارف الفلسفية والدينية والسياسية والاجتماعية والعلمية التي
يزخر بها الكتاب، إضافة إلى استيعاب كاتبه للعلوم القديمة والحديثة
وإلمامه بها: التصوف (الإسلامي والهندي)؛ علم النفس (بكل فروعه
تقريباً)؛ الأنثروبولوجيا؛ تاريخ الأديان..إلخ، إضافة إلى معرفته بلغات
كثيرة: الفرنسية؛ الألمانية؛ الإنكليزية؛ وطبعاً الفارسية.
ج- الاعتماد المكثف على النصوص، ممّا أضفى على تحاليله قيمة علمية لا
تُنكَر. فالنصوص هي وحدها، كما يقول محمد عابد الجابري، التي تكبح جماح
الرغبة وتضع حداً للاستهتار في الكتابة.
يمكننا إعادة تقسيم الكتاب، المكوّن من مقدمة وستة فصول، إلى ثلاثة
أقسام كبرى:
أ- يشمل القسم الأول الأبوابَ الثلاثة الأولى، وقد اعتبرها المؤلف
(مجرد استطراد) لتسهيل مهمة القارئ حتى يفهم جيداً معنى الثورة الدينية
في أفق الحضارات التقليدية. ولا يثير فينا هذا الاستطراد – ونقول ذلك
استطراداً – أيّ عجب، اللهمّ إلا إذا كنا لم نقرأ بعد (رسالة الغفران).
ومحتوى هذا القسم الأول (تذكير) بالبنى الكبرى للفكر التقليدي، وكيف
انهارت مع انبثاق العصر العلمي التقني في القرنين الخامس عشر والسادس
عشر الميلاديين، الذي أحدث تغييراً مذهلاً في وعي الإنسان بذاته
وبمركزه في العالم، بحيث رأى فيه المؤلف ثاني تحول ثقافي للبشرية (حدث
التحول الأول ما بين القرنين السابع والخامس قبل الميلاد). وقد نقل هذا
التحول الإنسانية (من الرؤية التأملية إلى الفكر التقني، ومن الأشكال
الجوهرية إلى مفاهيم التقنية الرياضية، ومن الجواهر الروحية إلى
الدوافع الغريزية البدائية، ومن الأُخروية إلى التاريخانية). ولم يعد
للإنسان، تبعاً لذلك، موضع مركزي وثابت في العالم لأن العالم لم يعد هو
نفسه شيئاً ثابتاً... ولم يعد ينتسب إلى الأنبياء والآلهة، بل أضحت
شجرة نسبه تعود إلى القِرَدة. ولم يعد سيّد نفسه، بل هو متربع فوق
بركان من القوى اللاواعية واللاعقلية. لقد (انهارت (باختصار) رؤية
العالم التراتبية وقوسا النزول والصعود والبنية الثلاثية وعلم اللاهوت
السالب والصور الظاهرانية للخيال، بحيث حلّ التطور ذو البعد الواحد محل
الصعود الدوري التزامي، وحلت أزمنة وفضاءات الامتداد الهندسي المتجانسة
محل الأزمنة والفضاءات الروحية المتفردة، وحلت السببية الفيزيائية محل
تطابق الرموز التزامي، وحلت ثنائية الجسد والروح محل بنية الفكر
الثلاثية، وحلّت أخيراً الكناية محل الرمز).
ب- يشمل القسم الثاني البابين الرابع والخامس، ويتركز حول الوضعية
الراهنة للحضارات التقليدية. فهذه الحضارات تعيش مأزقاً حقيقياً
متأتياً من كونها فقدت بناها الفكرية الكبرى،أو بالتدقيق فقدت هذه
البنى مبرراتِ وجودها بفعل الهجمة الحداثية الغربية، ومن كونها لم
تشارك في صنع هذه الحداثة، أو في الحقيقة – كما يرى شايغان – لم يسمح
لها الغرب بذلك. فعلى خلاف التحول الإنساني الأول الذي حدث في حواضر
العالم الكبرى آنذاك (اليونان والهند والصين)، فقد اكتفى التحول الثاني
بالمجال الجغرافي الغربي. ولمّا كانت هذه الحضارات ترغب في الفعل
بالتاريخ، فقد حاولت جاهدة الانخراط في هذا التاريخ، ولكن من دون
القيام بأي مجهود نقدي إزاء بناها الفكرية الموروثة، بل غايةُ ما فعلته
مماثلةُ مفاهيمها بالمفاهيم الغربية، فتصبح بذلك (على سبيل المثال)
الصلاة رياضة، والوضوء صحة، والشورى ديموقراطية.. إلخ، ويسمّي شايغان
هذه العملية (أدلجة المأثور)
Pideologisation de la tradition.
والنتيجة المباشرة لهذه العملية، أن ما تُنتجه هذه الحضارات من فكر هو
فكر بلا موضوع، وما تُنتجه من فن هو فن بلا محل، وما تأتيه من سلوك هو
سلوك عبثي. أما طبقتها المثقفة فلا هي سليلة (حكماء الشرق). ولا سليلة
(مثقفي الغرب). وتكون النتيجة النهائية أن: (يسقط الدين في أحبولة مكر
العقل، فيتغرّب وفي نيته مواجهة الغرب، ويتعلمن وفي عزمه رَوْحنة
العالم، ويتورط في التاريخ وفي مشروعه إنكار التاريخ وتجاوزه).
ج- يقترح شايغان للخروج من هذا المأزق التاريخي في الباب السادس، وهو
مادة القسم الثالث ، مخرجاً يتلخص في نقطتين اثنتين:
أُولاهما: فصل السياقين الثقافيين، الغربي والشرقي، عن بعضهما البعض،
وذلك بأن نعي أن الدين ليس هو الأيديولوجيا،وأن قوانين التاريخ تخضع
لمعايير غير معايير العودة العمودية إلى الوجود.
وثانيتهما: القيام برحلة متبادلة. وبما أن الغربيين أدّوا هذه الرحلة
في شخص هنري كوربان الذي أعاد رسم المسافة من هيدغر إلى السهروردي (كان
أول من ترجم هيدغر إلى الفرنسية، والتلميذ الروحي الغربي الأول
للسهروردي)، فعلى الشرقيين أن يردّوا الرحلة في الاتجاه المعاكس.
داريوش شايغان مفكر من إيران، وُلد سنة 1935، وتتلمذ على المستشرق
الكبير هنري كوربان. درس في إيران وإنكلترا وسويسرا وفرنسا، وحصل على
دكتوراه الدولة في باريس سنة 1968، عن بحثه (الهندوسية والصوفية)، وشغل
بعد ذلك كرسي أستاذ في الفلسفة المقارنة بجامعة طهران، ثم عُيّن سنة
1977 مديراً للمركز الإيراني للدراسات الحضارية حتى سنة 1979، غادر
بعدها إلى باريس حيث عُيّن مديراً لمعهد الدراسات الإسماعيلية حتى سنة
1988.
كتب شايغان باللغتين الفارسية والفرنسية. ومن أهم مؤلفاته المنشورة
بالفارسية والفرنسية (حسب تاريخ نشرها):
Religions et philosophies en Inde (1967)
Idoles mentales et memoire originelle (1976)
l
Asie Face a l occident (1977)
Hindouisme et Soufisme (1979)
Qu est-ce quune revolution religieuse (1982)
Le Regard motile (1989)
Henry Corbin: la topographie spirituelle de lislam iranien (1990)
Les Illusions de lidentite (1992)
ويكرّر شايغان في جميع ما نشره بعد سنة 1982،أي بعد صدور ما الثورة
الدينية؟ - ربما بالمعنى الإيجابي – فكرته الجوهرية التي يمكن تلخيصها
في أن: العالمين (الغرب والشرق) يعيشان مأزقاً حقيقياً. فالفكر في
الغرب كفّ عن أن يكون فكراً فلسفياً، كما كفّ الفكر في الشرق عن أن
يكون فكراً دينياً. لذلك، فإن النمط الفكري الوحيد القادر حالياً على
فرض نفسه هو (نمط جديد من الفكر لن يكون فلسفياً بأتمّ معنى الكلمة،
ولن يكون دينياً. إنه شيء ما بين الاثنين، يأخذ من الدين طاقته
الوجدانية، ومن الفلسفة مظهرها المعقول والاستدلالي. وهذا النمط الهجين
هو الأيديولوجيا).
فالأيديولوجيا، إذاً، بما هي وعي زائف، وبما هي نزوع إلى المماثلة
والمطابقة، وبما هي خطاب بياني، وبما هي بنية ثنوية اختزالية، أي
باختصار: بما هي شر محض، هي الفكرة التي استبدّت بشايغان. وبما أنه
يكتب انطلاقاً من انتمائه الحضاري والثقافي، فقد ركّز تحاليله على هذا
التجمع الروحي الواحد الذي أضاف إليه الحضارة الإفريقية، فهي تعاني
بدورها من أفيون الأدلجة،ممثلةً بالخصوص في ظاهرة (الإسلام الثوري) أو
(الإسلام المناضل).
وكانت هذه المقولة التحليلية (الأيديولوجيا)، أيضاً، الأداء التي قيّم
بها شايغان شعراءَ إيران قديماً وحديثاً. ففي مقاله عن (حافظ الشيرازي)
كما في مقاله عن (سهراب سبهري) (شاعر إيراني معاصر)، كان الفيصلُ في
الحكم على شاعرية الشاعر، مدى غياب الأيديولوجيا أو حضورها، ويرى أن
النص الشعري الجيّد هو الذي لا تفوح منه رائحة الأيديولوجيا. |