لبنان: خبير أممي يحذر من "انهيار الدولة" وسط انتشار الفقر والفساد


 

 

موقع الإمام الشيرازي

 

الأعمال المدمرة للقادة السياسيين والماليين في لبنان هي ما دفعت معظم سكان البلاد إلى الفقر، في انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان. هذا ما قاله مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان، أوليفييه دي شوتر، في تقرير نشر اليوم.

يأتي التقرير في أعقاب بعثة إلى لبنان لتقصي الحقائق والتحقيق في الأسباب الجذرية والآثار المترتبة على أسوأ أزمة اقتصادية ومالية شهدتها البلاد في تاريخها.

أوليفييه دي شاتر، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان، خلال زيارته للعائلات التي تعيش في الجميزة والكرنتينا، المناطق المتضررة من انفجار ميناء بيروت في آب/أغسطس 2020 والذي أودى بحياة 219 شخصا وخلف ما يقدر بنحو 300.000 شخص في حالة من العوز.

وقال دي شوتر: "لقد تم دمج الإفلات من العقاب والفساد وعدم المساواة الهيكلية في نظام سياسي واقتصادي فاسد مصمم لإخفاق من هم في القاع، ولكن لا يجب أن يكون الأمر كذلك."

وأضاف الخبير المستقل: "كانت المؤسسة السياسية على علم بالكارثة التي تلوح في الأفق لسنوات لكنها لم تفعل شيئاً يذكر لتلافيها. حتى أن الأفراد المرتبطين جيداً قاموا بنقل أموالهم إلى خارج البلاد، بفضل الفراغ القانوني الذي سمح بتدفق رأس المال إلى خارج البلاد. يجب البحث عن الحقيقة والمساءلة من باب حقوق الإنسان".

مع موعد الانتخابات البرلمانية في 15 أيار /مايو، دعا خبير الأمم المتحدة الحكومة المقبلة إلى وضع المساءلة والشفافية في "قلب ومحور أعمالها"، بدءاً من الكشف العلني عن مواردها المالية وتضارب المصالح ومطالبة مسؤولي البنك المركزي بالقيام بالمثل.

وقال دي شاترإن الأزمة الاقتصادية التي من صنع الإنسان في لبنان بدأت في عام 2019، واليوم يقف البلد على شفيرالهاوية ليصبح "دولة فاشلة"، مستشهدا بالتقديرات الحالية التي تضع أربعة من كل خمسة أشخاص في فقر.

وأشار دي شوتر إلى أن خطة الإنقاذ الأخيرة لا تتضمن أي مساءلة مضمنة، وهي ضرورية لاستعادة الثقة المفقودة لدى السكان والقطاع المالي.

وأكد أن الثروة الوطنية تبددت على مدى عقود من خلال سوء الإدارة والاستثمارات في غير محلها من قبل الحكومة والبنك المركزي. وأضاف: "أدت سياسات البنك المركزي على وجه الخصوص إلى تدهور العملة، وتدمير الاقتصاد، والقضاء على مدخرات العمر للناس، وإغراق السكان في براثن الفقر. وخلص تقريري إلى أن البنك المركزي وضع الدولة اللبنانية في مخالفة صريحة للقانون الدولي لحقوق الإنسان ".

وقال المقرر الخاص إن قيادة الشعب اللبناني "بعيدة تماماً عن الواقع، بما في ذلك اليأس الذي خلقوه بتدمير حياة الناس". وأضاف: "لبنان أيضًا من أكثر دول العالم انعداماً للمساواة، لكن القيادة تبدو غير مدركة لذلك في أحسن الأحوال، ومرتاحة له في أسوأ الأحوال".

دي شوتر قال إن هناك نقصاً خطيراً في آليات الحماية الاجتماعية القوية. "الوضع الحالي هو نظام يحمي الأغنياء بينما يترك الأسر الفقيرة تعول على نفسها". وأكد أنه تم تدمير الخدمات العامة، بما في ذلك الكهرباء والتعليم والرعاية الصحية، في حين أن الدولة تدعم بشكل كبير توفير القطاع الخاص لهذه الخدمات.

وأشار الخبير الأممي أيضاً إلى أن أكثر من نصف العائلات أفادوا بأن أطفالهم اضطروا إلى تخطي وجبات الطعام، في حين أن مئات الآلاف من الأطفال خارج المدرسة أيضاً. وقال: "إذا لم يتحسن الوضع على الفور، فسيتم التضحية بجيل كامل من الأطفال".

وانتقد خبير الأمم المتحدة عقوداً من نقص الاستثمار في نظام الرعاية الصحية العام والإلغاء الجزئي "المشين" للحكومة للدعم على الأدوية الأساسية. وأكد أن النقص الحاد في الأدوية وأسعار أدوية الأمراض المزمنة التي ارتفعت أربعة أضعاف على الأقل، يمثل "حكم إعدام شبه مضمون لمن هم في أمس الحاجة إليها".

على الرغم من ندرة بيانات الفقر الرسمية - التي لا تجمعها الحكومة بشكل منهجي، ويرجع ذلك جزئيًا إلى نقص التعداد السكاني منذ عام 1932 - تشير التقديرات إلى أن الفقر متعدد الأبعاد تضاعف تقريباً بين عامي 2019 و2021، مما أثر على 82 في المائة من السكان العام الماضي.

من جهو أخرى، أعرِبت اللجنة الفرعية لمنع التعذيب التابعة للأمم المتحدة عن قلقها إزاء الاحتجاز المطوّل السابق للمحاكمة، والاكتظاظ، والظروف المعيشية المؤسفة في أماكن الحرمان من الحرية، التي لاحظتها اللجنة خلال زيارتها الثانية إلى لبنان.

وفي بيان صحفي صادر اليوم، قال السيد نيكا كفاراتسخيليا، رئيس بعثة اللجنة الفرعية إلى لبنان: "لقد مرّت  12سنة منذ زيارتنا الأولى إلى لبنان، ولم تُنفَّذ بعد معظم التوصيات الصادرة عن تلك الزيارة، ولم يكن للجهود التي بذلتها الحكومة أي تأثير كبير على وضع الأشخاص المحرومين من حريتهم".

كانت البعثة قد زارت لبنان، في الفترة ما بين 4 إلى 10 أيار/مايو 2022، لتقييم تنفيذ التوصيات التي قدمتها عقب زيارتها الأولى في عام 2010. وشملت الأهداف الأخرى للزيارة التواصل على نحو مباشر مع هيئة الرصد الوطنية المنشأة حديثاً، ودراسة معاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم والضمانات المتاحة لهم ضد التعذيب وسوء المعاملة.

كما قامت البعثة بزيارات مفاجئة إلى أماكن الاحتجاز، والتقت بمسؤولين حكوميين وأعضاء الآلية الوقائية الوطنية وممثلي المجتمع المدني ووكالات الأمم المتحدة.

وأعرب الخبراء عن قلقهم البالغ إزاء استمرار المعاضل في مجال إقامة العدل، والاحتجاز المطوّل قبل المحاكمة، والاكتظاظ، والظروف المعيشية المؤسفة في العديد من أماكن الحرمان من الحرية.

وأضاف كفاراتسخيليا: "يُعَدّ إنشاء آلية وقائية وطنية مستقلة ومزوّدة بالموارد وتعمل على نحو سليم أمراً أساسياً لمنع التعذيب وسوء المعاملة. ولا يزال لبنان بحاجة إلى اتخاذ إجراءات قوية وعاجلة في هذا الصدد للامتثال للبروتوكول الاختياري".

وأفاد بيان اللجنة بأنها ستشارك تقريرَها مع لبنان، بما في ذلك الملاحظات والتوصيات المنبثقة عن هذه الزيارة. وسيبقى التقرير سرياً ما لم تقرر الدولة الطرف نشره للعامة، وهو ما تشجع اللجنة الفرعية السلطات على القيام به.

يذكر أن بعثة اللجنة التي زارت لبنان ضمّت كلا من نيكا كفاراتسخيليا، رئيس البعثة (جورجيا)، وفاسيليكي أرتينوبولو (اليونان)، وماريا ديفينيس (كرواتيا)، وساتيابهوشون غوبت دوماه (موريشيوس)، وحميدة دريدي (تونس).

وتتألف اللجنة الفرعية لمنع التعذيب من 25 عضواً مستقلاً ومحايداً من خبراء مستقلين في مجال حقوق الإنسان من جميع أنحاء العالم، يعملون بصفتهم الشخصية وليس بصفتهم ممثلين للدول الأطراف.

13/ شوال/ 1443هـ