الفهرس

فهرس المبحث الخامس

المؤلفات

 الكلام والفلسفة

الصفحة الرئيسية

 

النبوة

البعثة حسنة لاشتمالها عل فوائد كمعاضدة العقل فيما يدل عليه واستفادة الحكم فيما لا يدل وإزالة الخوف واستفادة الحسن والقبح والمنافع والمضار وحفظ النوع الإنساني وتكميل أشخاصه بحسب استعداداتهم المختلفة وتعليمهم الصنائع الخفية والأخلاق والسياسات والإخبار بالثواب والعقاب فيحصل اللطف للمكلف، وشبهة البراهمة باطلة بما تقدم وهي واجبة لاشتمالها على اللطف في التكاليف العقلية.

ويجب في النبي العصمة ليحصل الوثوق فيحصل الغرض ولوجوب متابعته وضدها والإنكار عليه.

وكمال العقل والذكاء والفطنة وقوة الرأي وعدم السهو وكلما ينفر عنه من دناءة الآباء وعهير الأمهات والفظاظة والأبنة وشبهها والأكل على الطريق وشبهه. وطريق معرفة صدقه ظهور المعجزة على يده وهو ثبوت ما ليس بمعتاد أو نفي ما هو معتاد مع خرق العادة ومطابقة الدعوى وقصة مريم وغيرها تعطي جواز ظهورها على الصالحين ولا يلزم خروجه عن الإعجاز ولا النفور ولا عدم التميز ولا إبطال دلالته ولا العمومية. ومعجزاته عليه وآله السلام قبل النبوة تعطي الإرهاص وقصة مسيلمة وفرعون وإبراهيم (ع) تعطي جواز إظهار المعجزة على العكس ودليل الوجوب يعطي العمومية ولا تجب الشريعة وظهور معجزة القرآن وغيره مع اقتران دعوة نبينا محمد (ص) يدل على نبوته، والتحدي مع الامتناع وتوفر الدواعي يدل على الإعجاز والمنقول معناه متواتراً من المعجزات يعضده وإعجاز القرآن قيل لفصاحته وقيل لأسلوبه وفصاحته معاً.

وقيل للصرفة والكل محتمل والنسخ تابع للمصالح، وقد وقع حيث حرم على نوح بعض ما أحل لمن تقدم وأوجب الختان بعد تأخره وحرم الجمع بين الأختين وغير ذلك. وخبرهم عن موسى (ع) بالتأييد مختلق ومع تسليمه لا يدل على المراد قطعاً.

والسمع يدل على عمومية نبوته (ص)، وهو أفضل من الملائكة وكذا غيره من الأنبياء لوجود المضاد للقوة العقلية وقهره على الانقياد عليها.

(مسألة) (البعثة حسنة) عند جميع أرباب الملل وكثير من غيرهم خلافاً للبراهمة لشبهةحصلت لهم، وإنما قلنا بحسنها (لاشتمالها على فوائد) كثيرة لا تحصل بدونها (كمعاضدة العقل فيما يدل عليه) مثل وجود الباري وصفاته وعدله ونحوها وحسن الإحسان وقبح الظلم، وهذه المعاضدة مما تنفع في كثير من الموارد فإن كثرة الدليل مما تركز المدلول في الذهن، ولذا ترى أن الملك لو أمر بأمر ندبي حسن متعلقه عقلاً سارع الرعية إلى إنفاذه وإن علموا عدم الثواب والعقاب في تركه أو فعله.

(واستفادة الحكم فيما لا يدل) أي لا يستقل العقل به كالمعارف التي لا تدركها العقول كالكلام وخصوصيات المعاد الجسماني ومسائل الأحكام من العبادات والمعاملات بل كثير من الأمور التي لا يدركها العقل إلا بعد تجربات كثيرة، والبعثة مفيدة لسرعة إدراكها ببيان الدلائل والشواهد وكشف الغوامض.

(وإزالة الخوف) الحاصل للمكلف في تصرفاته لأنه علم بالدليل العقلي انه مملوك لغيره وأن التصرف في ملك الغير بغير أذنه قبيح كما انه يحتمل الضرر في ترك التصرف لاحتمال إرادة الملك التصرف.

(واستفادة الحسن والقبح) اللذَين لا يستقل العقل بإدراكهما فيحتمل حسنها ويحتمل قبحها أو يعلم أن في بعض الموارد حسن وفي بعضها قبيح لكن لا يعلم مواقعها.

(و) استفادة (المنافع والمضار) كالأغذية النافعة والضارة والأفعال النافعة والضارة كالجماع والأكل والنوم في أوقات خاصة وهكذا.

(وحفظ النوع الإنساني) فإن الإنسان مدني بالطبع فيحتاج إلى القوانين الموجبة للعدل حتى يبقى النوع ولا يقع الاختلال والحروب الدامية ولذا ترى في كل زمان لم يتمسك النوع بالشرائع وقعت الحروب وارتفع الأمن في معظم الديار، وأما حروب الأنبياء فهي قليلة جداً وكلها إصلاحي كما لا يخفى على مراجع التاريخ.

(وتكميل أشخاصه) أي أشخاص النوع (بحسب استعداداتهم المختلفة) كما هو واضح لمن راجع تاريخ الأنبياء فإنهم يربّون الأفراد بالأخلاق الفاضلة فتكمل نفوسهم وترفع جهات الإنسية فيهم بحسب قابلياتهم، فالخشن يقلل من الخشونة واللين يعرف مواقع اللين، وكذلك يكمل الفقير والغني فلا يبخل هذا ولا يتواضع ذاك، والجاهل والعالم فلا يترفع ذاك عن التعلم ولا يتجنب هذا عن التعليم، والصغير والكبير فلا يهين ذاك ولا يقسو هذا إلى غير ذلك.

(وتعليمهم الصنائع الخفية) التي يحتاج إليها النوع، ولذا كان صنع الدرع والخياطة ونحوهما منسوبة إلى الأنبياء، وتقدم العلوم في هذه الأزمنة ليست إلا من نتائج دين الإسلام كما يعترف به الغربيون.

(و) تعليمهم (الأخلاق والسياسات) الموجبة لسعادة الشخص والعائلة والبلدة والمملكة والعالم بأسره.

(والإخبار بالثواب والعقاب) الموجب للترغيب في الحسنات والتحذير عن السيئات والنيل بفاضل الدرجات في الآخرة (فيحصل) ببعثة الأنبياء (اللطف للمكلف) فيجب على الله سبحانه. (وشبهة البراهمة) وهم قوم لا يجوزون بعثة الرسل أو حكماء الهند منسوب إلى برهمن وهو الحكيم أو هو من البرهام بمعنى الحكم. قالوا : إن النبي إن أتى بما يوافق العقول كان بعثه لغوا وإن أتى بما يخالفها كان قوله غير مقبول ووجب رده. وهذه الشبهة (باطلة بما تقدم) من انه يعضد العقل ويأتي بما لا يدرك العقل لا بما يضاد العقل. وربما أشكل بأن النبوة مثار الحروب. وفيه أن كل إصلاح كذلك والقول بإبقاء الفساد حذراً عن الحروب مما لا يوافق عليه العقل.

(مسألة) في وجوب البعثة (وهي) أي البعثة عند الشيعة والمعتزلة (واجبة لاشتمالها على اللطف في التكاليف العقلية) كلمة (في) في المقام بمعنى النسبة، أي أن التكاليف الشرعية ألطاف بالنسبة إلى التكاليف العقلية، فإن الشخص إذا وقف على الواجبات والمحرمات الشرعية كان أقرب إلى إتيان الواجبات العقلية وترك المنهيات العقلية فيكون أقرب إلى الطاعة وأبعد عن المعصية. وقد تقدم أن اللطف واجب فالبعثة واجبة، وخالف في ذلك الأشاعرة بناءاً على أصلهم من عدم الحسن والقبح العقليين وعدم وجوب شيء عليه تعالى وقد يستدل لوجوب البعثة بأن الله فعلها والله لا يفعل إلا الأصلح والأصلح واجب إذ تركه ترجيح لغير الأصلح وترجيح المرجوح على الراجح قبيح وهو تعالى منزه عن القبائح.

(مسألة) في وجوب العصمة (ويجب في النبي العصمة) والمراد بها حالة نفسانية مانعة عن ارتكاب المعاصي صغيرها وكبيرها من دون كون تلك الحالة بالغة لحد الإلجاء، وقد يمثل لها بحالة الأم الحنون بالنسبة إلى ولدها فإنها لا تقدم إلى قتله أبداً وليس ذلك لعدم قدرتها بل لحالة نفسانية توجب منع ذلك وبحالة الأشخاص المتعارفة بالنسبة إلى فقؤ عين نفسه أو صلم أذنه أو قطع لسانه أو نحو ذلك فإن عدم تعدي الشخص على نفسه ليس لعدم قدرته بل للحالة المذكورة. وإنما قلنا بوجوب العصمة في النبي لأمور :

(الأول) ـ (ليحصل الوثوق) بأفعاله وأقواله وتقريراته (فيحصل الغرض) من البعثة الذي هو تبليغ الأحكام بلا زيادة ونقيصة وقبول الناس عنه، وقد يبين ذلك بأن المبعوث إليهم لو جوزوا الكذب على الأنبياء والمعصية جوزوا في أمرهم ونهيهم وأفعالهم التي أمروهم باتباعهم فيها، وحينئذ لا ينقادون إلى امتثال أوامرهم وذلك نقض للغرض من البعثة.

(و) (الثاني) ـ (لوجوب متابعتها وضدها) فإن النبي جعل لتبع فإذا صدر منه ذنب فإنه يجب متابعته ويجب عدمها فالاتباع للإجماع، ولقوله تعالى : (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) وعدم الاتباع لحرمة متابعة المذنب في الذنب.

(و) الثالث ـ وجوب (الإنكار عليه) لو فعل المعصية والإنكار إيذاء فهو حرام، وهذا أيضاً جمع بين الضدين لأنه يجب الإنكار عليه لوجوب النهي عن المنكر ويحرم لكونه إيذاءاً له وايذاء النبي حرام لقوله تعالى : (والذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة).

ثم إنهم ذكروا لوجوب العصمة أدلة أخر جمعها القوشجي:

(منها) ـ أن تكون شهادته مردودة إذ لا شهادة للفاسق بالإجماع ولقوله تعالى : (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) واللازم باطل بالإجماع ولأن من لا يقبل في القليل الزائل بسرعة من متاع الدنيا كيف يسمع شهادته في الدين القيم.

(ومنها) ـ استحقاقه العذاب واللعن واللوم لدخوله تحت قوله تعالى : (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم) وقوله تعالى : (ألا لعنة الله على الظالمين) وقوله تعالى : (لم تقولون ما لا تفعلون) وقوله تعالى : (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) لكن ذلك منتفٍ بالإجماع ولكونه من أعظم المنفرات.

(ومنها) ـ عدم نيله عهد النبوة لقوله تعالى : (لا ينال عهدي الظالمين) فإن المراد به النبوة والإمامة التي دونها.

(ومنها) ـ كونه غير مخلص لأن المذنب قد أغواه الشيطان والمخلص ليس كذلك لقوله تعالى حكاية منه : (لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلَصين) لكن اللازم منتفٍ بالإجماع، ولقوله تعالى في إبراهيم (ع) ويعقوب (ع) : (إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار) وفي يوسف (ع) : (إنه من عبادنا المخلَصين).

(ومنها) ـ كونه من حزب الشيطان ومتبعيه واللازم قطعي البطلان.

(ومنها) ـ عدم كونه مسارعاً في الخيرات معدوداً عند الله من المصطفين الأخيار، إذ لا خير في الذنب لكن اللازم منتفٍ لقوله تعالى في حق بعضهم : (انهم كانوا يسارعون في الخيرات) (وانهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) والكلام في باب العصمة طويل لا يناسب ذكره وضع الرسالة فلهذا نقتصر بهذا القدر. وقد ورد في جملة من الروايات كونهم (ع) معصومين، وذلك كافٍ لعدم الدور بعد تواترها معنىً أو إجمالاً.

(مسألة) في شروط النبي (و) يجب فيه (كمال العقل والذكاء) وهو سرعة الفطنة (والفطنة) بمعنى الكياسة (وقوة الرأي) لا يزول عن رأيه ولا يكون ضعيف الرأي متردداً في الأمور، والدليل على ذلك كله انه لو لم يتصف بهذه الصفات لم يرغب في متابعته والانقياد لأوامره ونواهيه وصار مهزلة للناس، وذلك نقض للغرض الذي عرفت قبحه على الحكيم. (وعدم السهو) لئلا يسهو عن بعض ما أمر بتبليغه فيكون بعثه نقضاً للغرض (و) عدمه (كلما ينفر عنه من دناءة الآباء) كان يكون قواداً أو ملوطاً أو رذلاً أو بخيلاً أو نحو ذلك. (وعهير الأمهات) أو دناءتها لأن النفوس لا تنقاد لاطاعة ابناء الأراذل. (و) عدم (الفظاظة والابنة وشبهها) من المنفرات الخلقية أو الخلقية لما ذكر من لزوم نقض الغرض ولذا قال تعالى : (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) (و) عدم (الأكل على الطريق) والتخلي في المجتمع ولو مستور العورة. (وشبهه) من المنفرات هذا كله في المنفرات العقلية وأما المنفرات الشهوية التي تحكم العقول كافة بحسنها فلا تكون منافية بل مؤيدة.

(مسألة) في الطريق إلى معرفة صدق النبي (وطريق معرفة صدقه) في دعوى النبوة (ظهور المعجزة على يده و) المراد بها (هو ثبوت ما ليس بمعتاد) كاشباع الخلق من رغيف واحد (أو نفي ما هو معتاد) لعدم شبع نفر واحد من ألف رغيف، فإن كلا الأمرين بدون مدخلية للفاعل في التكوينيات التي لا يعقل إلا بإجازة من خالق الكون محال، وإنما شرط ذلك بقوله : (مع خرق العادة) لأن مجرد ثبوت غير المعتاد ليس دليلاً فإن صنع الطائرة مثلاً لم يكن معتاداً ومع ذلك لا يدل صنعها على شيء لأنه ليس من خرق العادة وكذلك في طرف نفي المعتاد ـ فتدبر (ومطابقة الدعوى) إذ لو لم يدع مظهر المعجزة كالأولياء الذين تأتي منهم الكرامة أو ادعى ولكن لم يطابق الخارق دعواه، كما لو ادعى النبوة وقال : (معجزتي نبع الماء الكثير من البئر) فتفل لذلك فانعكس الأمر وغار ماؤها القليل لم تكن دليلاً لشيء.

ثم إنهم شرطوا في إثبات المعجزة للنبوة أمراً آخر وهو عدم المعارضة، فلو ادعى زيد انه نبي ومعجزاته انطاق الحجر وادعى عمرو انه ليس بنبي ومعجزته تكذيب الحجر له فنطق حجر بصدق الأول وآخر بكذبه لم تثبت نبوته. وعندي أن هذا الشرط غير تام إذ مثل ذلك لا يعقل فإن التصرف في التكوينيات بغير أسباب مجعولة لها لا يمكن إلا بإجازة من خالق الكون، ولا يعقل إجــازته تعالى للكاذب، كما أن اشتراط صلاح الزمان فلا تقبل معجزة مدعي النبوة بعد خاتم الأنبياء (ص) غير تام لما ذكر.

(مسألة) في الكرامة. وقد اختلفوا في جواز ظهورها على أيدي الصالحين : فالمصنف (ره) تبعاً لأهل الحق ذهب إلى جوازه (و) ذلك لأن (قصة مريم) عليها السلام على ما دل عليه قوله تعالى : (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنّى لكِ هذا قالت هو من عند الله) بل وقصة حملها بلا مس بشر (وغيرها) من قصة آصف بن برخيا كما دل عليه قوله تعالى : (أنا آتيك بهِ قبل أن يرتدَّ إليك طرفك) وغيرهما مما دل متواتر الروايات على وثوقها عن الصلحاء والأئمة (ع) (تعطي جواز ظهورها على) أيدي (الصالحين) وذهب جماعة إلى امتناع ذلك وأوَّلوا قصة مريم (ع) على أنها إرهاص لعيسى (ع) وقصة آصف على أنها معجزة لسليمان، واستدلوا للمنع بأمور:

(الأول) ـ إنه لو صدرت المعجزة عن غير النبي لكثر وقوعها حتى تكون من العاديات وتبطل حينئذ النبوة لأن ظهور أمر عادي على يدي شخص لا يدل على نبوته. (و) جوابه انه (لا يلزم) من كثرة التكرار (خروجه عن) حد (الإعجاز) إذ صدورها عن الأولياء لا يجعلها عادة.

(الثاني) ـ إن الناس إنما يتبعون الأنبياء لظهور المعجزة على يدهم فإن صدرت عن غيرهم هان أمرهم ولم يتبعهم الناس. (و) الجواب أن ذلك (لا) يستلزم (النفور) عن النبي بمشاركة الولي له في ظهور المعجزة على يده كما لا يلزم ذلك من مشاركة نبي آخر.

(الثالث) ـ إنه إنما يتميز النبي عن غير النبي بظهور خارق العادة على يده دون غيره، فلو ظهر على يد غيره أيضاً لزم عدم تميز النبي عن غيره وهو نقض للغرض. (و) الجواب أن ذلك (لا) يستلزم (عدم التميز) إذ ليس المائز المعجزة فقط بل المعجزة المقرونة بالدعوى وهي مختصة بالنبي.

(الرابع) ـ إنه لو صدر الخارق عن غير النبي لبطلت دلالته على صدق النبي لأن مبنى الدلالة الاختصاص بالنبي، فإذا بطل الاختصاص بطلت الدلالة (و) الجواب أن ذلك (لا) يستلزم (إبطال دلالته) إذ الخارق بنفسه ليس دليلاً بل الدليل هو الخارق المقرون بالدعوى وهو خاص بالنبي لا يصدر عن غيره.

(الخامس) ـ إنه لو جاز ظهور الخارق على يد غير النبي لجاز صدوره على يد كل صادق حتى من يخبر بأن زيداً في المكان الكذائي وخالداً أخو عمرو ويلزم من ذلك عمومية المعجزة حتى لا يخلو منها إنسان. (و) الجواب أن ذلك (لا) يستلزم (العمومية) إذ المدعى هو ظهورها على أيدي الصالحين الأولياء لله تعالى لا على يد كل صادق ولو في قضية واحدة.

(مسألة) اصطلحوا على تسمية الخارق الجاري على يد النبي بعد النبوة بالمعجزة وقبل النبوة بالإرهاص وعلى يد غير النبي بالكرامة. ثم إن بعض من منع من ظهور المعجزة على يد غير النبي ذهب إلى امتناع ذلك قبل النبوة. والحق الذي عليه الغالب جوازه (و) ذلك لأن (معجزاته) أي نبينا (عليه وآله السلام قبل النبوة) من انشقاق إيوان كسرى وغور ماء بحر ساوة وانطفاء نار فارس والغمام الذي كان يظلله من الشمس وتسليم الأحجار عليه وغيرها (تعطي) جواز (الإرهاص).

(مسألة) في ظهور المعجزة على أيدي الكذابين بالعكس. وقد اختلفوا في ذلك فالذين منعوا من الكرامات منعوا عن ذلك، وربما يستدل له بأنه يكفي في تكذيبهم عدم ظهور المعجزة على أيديهم فيكون إظهار الخارق بالعكس عبثاً، والحق جوازه (و) ذلك لوقوعها في (قصة مسيلمة) الكذاب حيث إنه لما ادعى النبوة قيل له : إن رسول الله (ص) دعى لأعور فارتد بصيراً، فدعى مسيلمة لأعور فذهبت عينه الصحيحة. وقيل له : إن رسول الله (ص) تفل في بئر فازداد ماؤها. فتفل في بئر فغار ماؤها (و) قصة (فرعون) فإنه لما ضرب موسى (ع) لبني إسرائيل طريقاً في البحر يبساً قال فرعون : أنا أيضاً نمر على هذا الطريق، فاتبعهم بجنوده فغشيهم الموج فأُغرقوا جميعاً. (و) قصة نمرود (وإبراهيم (ع)) تعطي جواز إظهار المعجزة على العكس) فإنه لما جعل الله تعالى عليه النار برداً وسلاماً قال عند ذلك نمرود: إنما صارت النار كذلك هيبة مني، فجاءته نار في تلك الحال فاحترقت لحيته. وأما ما ذكروه من الدليل فالجواب أن العكس قد يتضمن مصلحة وهي التأكيد في التكذيب، إذ ربما يقال انه لم يظهر الله على يده المعجزة فعلاً لمصلحته وسيظهرها بعد ذلك.

(مسألة) في لزوم عدم انقطاع الشريعة (و) ذلك لأن (دليل الوجوب) أي وجوب البعثة وهو كونه لطفاً (يعطي العمومية) أي عمومية البعثة بحيث لا تنقطع الشريعة بل تبقى مستمرة إلى زمان النبي المتأخر وهكذا، وقد خالف في ذلك الأشاعرة بناءاً على أصلهم من نفي الحسن والقبح العقليين

(مسألة) إختلفوا في أنه هل يجوز أن يكون نبي ليس له شريعة أم لا (و) الحق انه (لا تجب الشريعة) لإمكان أن يكون بعثة النبي لتأكيد ما في العقول فلا تكون عبثاً كما يجوز بعثة نبي بعد نبي بدون أن يكون للثاني شريعة كما وقع في موسى وهارون عليهما السلام، خلافاً لقوم زعموا عدم جواز ذلك واستدلوا بأن العلم بالعقليات كافٍ فبعثة النبي تكون لغواً. والجواب ما عرفت من انه يجوز أن تكون البعثة قد اشتملت على نوع من المصلحة بأن يكون العلم بنبوته ودعوته إياهم إلى ما في العقول مصلحة لهم فلا تكون البعثة عبثاً.

(مسألة) في نبوة نبينا محمد (ص) (وظهور معجزة القرآن وغيره مع اقتران دعوة نبينا محمد (ص) يدل على نبوته) أي أن نبينا ادعى النبوة وأظهر المعجزة عقيب ذلك وكل من كان كذلك فهو نبي، أما انه ادعى النبوة فللتواتر المقطوع من جميع أهل الملل وكثير من غيرهم، وأما انه أظهر المعجزة فلأنه أتى بالقرآن الذي هو المعجزة الباقية. (و) يدل على كونه معجزة ما تضمنه من (التحدي) فقد تحدى به فصحاء العرب لقوله تعالى : (قل لئن اجتمعت الجن والإنس على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) وقوله تعالى : (فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) وقوله تعالى : (فأتوا بسورة من مثله) و(مع) ذلك فقد ظهر منهم (الامتناع و) عدم التمكن مع (توفر الدواعي) لإتيانهم بمثله إظهاراً لفضلهم وإخماداً لنوره (ص) وبالآخرة اضطرّوا إلى المحاربة والمقاتلة كما يحفظ تاريخ الأمم كل ذلك، فإنهم لو قدروا على المعارضة لعارضوا ولو عارضوا لنقل إلينا لتوفر الدواعي وعدم الصوارف كما نقل إلينا خزعبلات مسيلمة وغيره ممن ادعى النبوة، فعدم معارضتهم له مع تحديه (يدل على الإعجاز) وأما أن كل من كان كذلك فهو نبي فلما تقدم من قبح إظهار المعجزة على أيدي الكذابين والله تعالى منزه عن القبيح (والمنقول معناه متواتراً من المعجزات يعضده) وهو بالغ فوق الألف كما لا يخفى على من راجع تاريخه (ص).

(مسألة) في وجه إعجاز القرآن (وإعجاز القرآن قيل لفصاحته) كما عن الجبائيين (وقيل لأسلوبه وفصاحته معاً) كما عن الأكثر والمراد بالأسلوب الكيفية التي بها خالف كيفية كلام العرب في الخطب والرسائل والأشعار (وقيل للصرفة) كما عن المرتضى (ره) وبعض آخر، والمراد بها أن الله تعالى صرف همم المتحدين عن معارضته مع قدرتهم ذاتاً عليها، وذلك إما بسلب قدرتهم فيكون ذلك في قبيل سلب قدرة القدرى عن رفع حجر وزنه مثقال أو سلب دواعيهم (والكل محتمل) وإن كان الثاني أقوى ، بل القول بالصرفة بعيد جداً، وما استدل به غير صالح للاستناد فإن المنقول عنهم الاستدلال له بوجهين : (الأول) أنّا نقطع بأن فصحاء العرب كانوا قادرين على التكلم بمثل مفردات السور ومركباتها القصيرة مثل (الحمد لله) ومثل (رب العالمين) وهكذا إلى الآخر فيكونون قادرين على الإتيان بمثل السورة. (والثاني) إن الصحابة عند جمع القرآن كانوا يتوقفون في بعض السور والآيات إلى شهادة الثقات وابن مسعود قد بقي متردداً في الفاتحة والمعوذتين، ولو كان نظم القرآن معجزاً لفصاحته لكان كافياً في الشهادة. وهذان الوجهان لا يخفى ما فيهما : أما الأول فلأنه ليس حكم البعض حكم الكل، ألا ترى أن غير الأفصح من الناس لا يتمكن على الإتيان بمثل الأفصح وإن علم مفردات كلام الأفصح بل هو عرب مثله. وأما الثاني أن هذا النقل غير مسلم مضافاً إلى أن عدم معرفة بعض لا يضر بالفصاحة.

(مسألة) في النسخ ورد مَن قال بعدمه فإن اليهود قالوا بدوام شريعة موسى (ع) واستدلوا لذلك بأن نبوة غيره تستلزم النسخ وهو باطل فنبوة غيره باطلة. بيان الملازمة : أن المنسوخ إن كان ذا مصلحة قبح النهي عنه ونسخه وإن كان ذا مفسدة قبح الأمر به ابتداءاً. (و) الجواب أن (النسخ تابع للمصالح) والمصالح تتغير بتغير الأوقات فجاز أن يكون حكم معين مصلحة في زمان دون زمان فيأمر به أولاً ثم ينهى عنه ثانياً أو ينهى عنه أولا ثم يأمر به ثانياً (وقد وقع) النسخ أيضاً باعتراف اليهود (حيث حرم على نوح بعض ما أحل لمن تقدم) فقد جاء في التوراة ان الله تعالى قال لآدم وحواء (ع): قد أبحت لكما كلما دبّ على وجه الأرض فكانت له نفس حية، وورد فيها انه قال لنوح (ع): خذ معك من الحيوان الحلال كذا ومن الحيوان الحرام كذا، فحرم على نوح بعض ما أباحه لآدم، (وأوجب) تعالى (الختان) على الفور على الأنبياء المتأخرين عن نوح (ع) (بعد) إباحة (تأخره) على نوح (ع)، (وحرم الجمع بين الأختين) على موسى (ع) مع أنه أباحه لآدم (ع)، (وغير ذلك) من الأحكام التي نسخت في بعض الأديان.

لا يقال : إنا وإن سلمنا جواز وقوع النسخ عقلاً لكنه نص موسى (ع) على عدم نسخ شريعته فهو ممنوع شرعاً ـ كما يدعيه المسلمون بالنسبة إلى دينهم ـ وذلك لما روى عنه (ع) انه قال: تمسكوا بالسبت أبداً، والتمسك بالسبت منافٍ لشريعة عيسى (ع) ومحمد (ص). لأنا نقول : هذا غير تام (و) ذلك لأن (خبرهم عن موسى (ع) بالتأبيد مختلق) مفترى وقد نسب اختلاقه إلى ابن الراوندي (ومع تسليمه لا يدل على المراد قطعاً) لأنه كلمة أبد استعملت في التوراة بعد مدة مديدة كما ذكره العلامة (ره) في شرح التجريد فراجع.

هذا مضافاً إلى أنه لو سلمنا نقل الخبر لكنه خبر آحاد لا يثبت به الدين لانقطاع تواترهم باستيصال بخت النصر لهم.

(مسألة) في عموم نبوة النبي (ص) (والسمع يدل على عمومية نبوته (ص)) لقوله تعالى : (لأنذركم به ومن بلغ) وقوله تعالى : (وما أرسلناك إلا كافة للناس) وقوله تعالى : (ليظهره على الدين كله) وقوله تعالى : (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً) وقوله عليه الصلاة والسلام : (بعثت إلى الأسود والأحمر) إلى غير ذلك من متواتر الأخبار.

(وما عن بعض أهل الكتاب من انه قال بخصوص كونه (ص) مبعوثاً إلى العرب بدليل قوله تعالى : (وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه) وقوله : (وأنذر عشيرتك الأقربين) ـ بعد تعميم العشيرة إلى العرب ـ وقوله : (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه) وقوله : (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) مردود بأن الآية الأولى تدل على أن الرسول بلسان القوم لا أن المبعوث إليهم القوم فقط، مضافاً إلى أنه يستلزم كون عرب أهل الكتاب على الباطل وهم لا يسلمون ذلك والآية الثانية أخص من المدعى، والآيتين الأخيرتين إنما هو في قصة خاصة كما لا يخفى على من راجع مورد نزولهما. كيف ولو فرض دلالة الآيات المذكورات لزم تأويلها بما لا ينافي متواتر الآيات والروايات الدالة على عموم نبوته (ص).

(مسألة) في كونه (ص) أفضل من الملائكة (وهو) (ص) (أفضل من الملائكة وكذا غيره من الأنبياء) وذلك (لوجود المضاد للقوة العقلية) فيهم فإنهم ركبوا من عقل وشهوة، (وقهره) أي قهر المضاد أي الشهوة، (على الانقياد عليها) أي على القوة العقلية، ومن المعلوم أن المطيع الموجود فيه القوتان أفضل من المطيع الموجود فيه قوة العقل فقط بحيث لا يقدر على المعصية بل ورد في بعض الأخبار أفضلية المطيع من سائر الناس من الملائكة. هذا ثم إنه صلّى الله عليه وآله أفضل من سائر الأنبياء لمتواتر الأخبار. والتفصيل في المطولات.