| فهرس المبحث الخامس | المؤلفات |
|
من ملحقات الإمامة |
|
وعلي عليه السلام أفضل لكثرة جهاده وعظم بلائه في وقائع النبي (ص) بأجمعها ولم يبلغ أحد درجته في غزاة بدر وأحد ويوم الأحزاب وخيبر وحنين وغيرها، ولأنه أعلم لقوة حدسه وشدة ملازمته للرسول (ص) وكثرة استفادته منه. ورجعت الصحابة إليه في أكثر الوقائع بعد غلطهم وقال النبي (ص) أقضاكم علي واستند الفضلاء في جميع العلوم إليه وأخبر هو (ع) بذلك. ولقوله تعالى : وأنفسنا، ولكثرة سخائه على غيره. وكان أزهد الناس بعد النبي (ص) وأعبدهم وأحلمهم وأشوفهم خلقاً وأقدمهم إيماناً وأطلقهم لساناً وأشدهم رأياً وأكثرهم حرصاً على إقامة حدود الله وأحفظهم لكتاب الله ولإخباره بالغيب واستجابة دعائه، وظهور المعجزات عنه واختصاصه بالقرابة، ووجوب المحبة والنصرة ومساواة الأنبياء، وخبر الطائر، والمنزلة، والغدير وغيرها ولانتفاء سبق كفره ولكثرة الانتفاع به وتميزه بالكمالات النفسية والبدنية والخارجية، والنقل المتواتر دل على الأحد عشر. ولوجوب العصمة وانتفائها عن غيرهم ووجود الكمالات فيهم. محاربو علي (ع) كفرة ومخالفوه فسقة. |
|
(مسألة) في أن علياً (ع) أفضل الصحابة (وعلي (ع) أفضل) الصحابة (لكثرة جهاده وعظم بلائه في وقائع النبي (ص) بأجمعها ولم يبلغ أحد درجته في غزاة بدر) وهي أول حرب رسول الله (ص) التي امتحن الله به المؤمنين لقلتهم وكثرة المشركين، وكانت الراية في يده وقد قتل نصف المشركين، وباقي المسلمين وثلاثة آلاف من الملائكة المسومين قتلوا النصف الآخر. (وأُحد) فإنه (ع) قتل صاحب راية المشركين فأخذها غيره فقتله (ع) إلى أن قتل تسعة منهم كلهم يأخذ الراية عقيب الآخر فانهزم المشركون واشتغل المسلمون بالغنائم، وخالف بعضهم رسول الله (ص) في أمره بملازمة مكانه، ولهذا ظهر المشركون على المسلمين والراية في يد خالد بن الوليد وانهزم المسلمون وتفرقوا عن رسول الله (ص) فضربه المشركون بالسيوف والرماح والحجر حتى غشي عليه وأمير المؤمنين (ع) وحده باقٍ يذبّ عنه، وكان كلما حمل على النبي (ص) جمع يقول : (يا علي إكشفهم عني) إلى أن فتح الله تعالى على يديه ورجع المسلمون. (ويوم الأحزاب) فقد بارز عمرو بن عبد ود فلم يقدم إلى برازه أحد إلا أمير المؤمنين (ع) وكان النبي (ص) يمنعه عن ذلك مراراً إلى أن أذن له فبرز (ع) وقتله، وقال النبي (ص) : (لضربة علي (ع) خير من عبادة الثقلين) وتمّ الفتح على يده (ع). (وخيبر) فإن علياً (ع) كان آنذاك أرمد العين فأعطى النبي (ص) الراية بيد أبي بكر وأمره بفتح الحصن فذهب ورجع خائباً وأعطاها من الغد عمر ففعل كذلك فقال (ص) : (لأُسلمن الراية غداً إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله كرار غير فرار) ثم سلمها بيد علي (ع) بعد ما تفل في عينه (ع) فشفى من الرمد، فذهب وفتح الحصن وقلع بابه وجعله جسراً على الخندق حتى عبر عليه المسلمون، وكان الباب عظيماً حتى انه لم يتمكن رده إلا سبعون رجلاً. (وحنين) وقد سار النبي (ص) في عشرة آلاف من المسلمين أو أكثر حتى تعجب أبو بكر من كثرتهم، ومع ذلك فقد انهزم المسلمون ولم يبق مع النبي (ص) إلا تسعة أحدهم علي (ع) كانوا يذبون عن النبي (ص) حتى هزموا المشركين وتم الفتح على يده (ع) (وغيرها) مما ذكرها أرباب السير والتواريخ. (ولأنه) (ع) (أعلم) من غيره (لقوة حدسه وشدة ملازمته للرسول (ص) وكثرة استفادته منه) فإنه (ع) ربى في حجر الرسول (ص) من صغره ولازمه في الخلوة والملأ وصار صهره في كبره ولم يفارقه إلى أن فاضت روحه المقدسة في يده، وقد قال (ع) : (علمني رسول الله (ص) ألف باب من العلم فانفتح لي من كل باب ألف باب) ولذا قال (ص) : (أنا مدينة العلم وعلي بابها) (ورجعت الصحابة إليه في أكثر الوقائع) ابتداءاً أو (بعد غلطهم) كما عرفت شطراً من ذلك. (وقال النبي (ص)) فيما تواتر عنه : (أقضاكم علي) والقضاء يستلزم العلم ضرورة، وقد ظهر منه (ع) أحكام في القضاء تدل على كثرة علمه ووفور فضله كقضية الأرغفة والإبل التي كانت ميراثاً ومن حلف على قيد رجل عبده والمرأتين المتنازعتين في ولد والمرأة التي احتلت على رجل والسيد والعبد اللذين ادعى كل واحد منهما السيادة والمسألة المنبرية وغير ذلك مما يحتاج إلى كتاب ضخم. (واستند الفضلاء في جميع العلوم إليه) كما ذكره ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة، فالتفسير والنحو والمعارف الإلهية والأخلاقيات والسياسات والفقه وغيرها ترجع معظمه إليه (ع)، بل مثل العلوم الغريبة المنتسبة إلى جابر بن حيان تلميذ الصادق (ع) أيضاً منتسبة إليه لتلمّذ الصادق (ع) على أبيه وهكذا إلى علي (ع) ومن نظر إلى نهج البلاغة لم يحتج إلى شاهد آخر. (و) قد (أخبر هو عليه السلام بذلك) فقال في مواضع عديدة : (سلوني قبل أن تفقدوني) وهذه الكلمة من خواصه (ع) حتى انه كل من قالها افتضح في مجلسه. وقال (ع) : (سلوني عن طرق السماء فإني أعرف بها من طرق الأرض) وقال (ع : (والله لو سندت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم) وقال (ع) : (إن ههنا لعلماً جماً لو وجدت له حملة) وبالجملة فلا يحفظ ميراث العلم بعد رسول الله (ص) أحداً كان مثله من الأولين والآخرين. (ولقوله تعالى) : (قل تعالوا ندع أبناؤنا وأبناؤكم ونساؤنا ونساؤكم (وأنفسنا) وأنفسكم) فقد أطبق المفسرون وأرباب السير أن المراد بالأبناء الحسن والحسين عليهما السلام والمراد بالنساء فاطمة (ع) والمراد بالأنفس أمير المؤمنين (ع) وهذا صريح في أفضليته (ع) على جميع من عداه، إذ رسول الله (ص) أفضل من الجميع فمساويه كذلك لأن مساوي المساوي مساوٍ ضرورة. ثم إن دعاءه في المباهلة دون غيره دليل على أعظمية مرتبته عند الله تعالى من غيره، إذ كانت المباهلة للدعاء على النصارى، ومن المعلوم انه إنما يحضر النبي (ص) للدعاء من يعلم باستجابة دعائه لجاهه عند الله تعالى. (ولكثرة سخائه على غيره) فإنه هو وعياله صاموا ثلاثة أيام وتصدقوا بفطورهم وباتوا طاوين حتى أنزل الله تعالى فيهم سورة كاملة ـ وهي سورة هل أتى ـ وتصدق مرة أخرى بجميع ما يملك وهو أربعة دراهم فأنزل الله تعالى في حقه (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانيةً) الآية. واقترض ديناراً لأهله ثم آثر به على غيره، وكان يشد على بطنه الحجر من شدة الجوع ويجمع أمواله فيتصدق بها متفرقات إلى أن قالوا مرة : إنه ليس له مال، فأمر عامله أن يجعلها دراهم ويكبسها مكان التمر فأحضر طلحة والزبير وقال لعامله : إصعد واضرب برجلك على ما هناك، فضرب فانتثرت الدراهم حتى عجبا لذلك وقالا : إن له لمالاً، فقال (ع) : هذا مال من لا مال له. وتصدق بخاتمه الذي كان يسوي مالاً عظيماً في ركوعه حتى أنزل الله تعالى في حقه : (إنما وليكم الله) الآية. وأعرض عن سلب درع عمرو مع ما كان لها من القيمة، وكان يعطي بيت المال جميعه ثم يأمر بكنسه فيصلي فيه، وكان يقول : (يا بيضاء ويا صفراء غرّي غيري) وكان لو كان له بيت من تبر وبيت من تمر أنفق الأول قبل الثاني ومع ما كان له من الأموال مات وهو مديون بسبعمائة ألف وباع بستانه مرة وأنفق ثمنه في سبيل الله ولم يدخر منه شيئاً لطعام يومه مع أنه وأهله كانوا في شدة، وسخت نفسه عن فدك فلم يردها في أيام خلافته. (وكان أزهد الناس بعد النبي (ص)) فهو سيد الزاهدين وأفضل العابدين وإمام المتقين، فقد كان يلبس الخشن ويأكل الجشب وكان نعلاه من ليف ويرقع قميصه بجلد تارة وبليف أخرى، وكان يرتعد من البرد ولم يكن له ثوبان بل ثوب واحد فربما غسله ولبسه رطباً، وكان يأكل الخبز الشعير اليابس المرضوض ولم يشبع من طعام قط، وكان يمنع نفسه أطائب الطعام من غير أن يحرمها، وشبّه الدنيا بعفط عنز تارة وعراق خنزير في يد مجذوم أخرى، وطلقها ثلاثاً ثالثة، ولم يضع لبنة على لبنة، ولم يكن في بيته فراش أما حين عرسه بفاطمة (ع) فقد كان لهما جلد كبش ينامان عليه ليلاً ويعلفان بعيرهماعليه نهاراً. وأما في حين خلافته فقد أتاه رجل فرآه جالساً على حصير صغير وليس في البيت أثاث فقال : يا أمير المؤمنين أين الأثاث ؟ فقال ما مضمونه إنه (ع) بعثها إلى داره الأخرى، وتزوج بأم البنين فضرب خباءاً في خارج البلد فكان يسكن معها هناك زهداً في حطام الدنيا، وقلماً كان يأتدم فإن فعل فبالملح أو الخل فإن ترقى فبنبات الأرض فإن ترقى فبلبن، وكان لا يأكل اللحم إلا قليلاً، وكان يقول : (لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوانات) وفي رواية : انه كان يأكل كل أربعين يوم مرة، وفي أخرى في كل أضحى مرة لأنه كان يعلم أن الجميع يأكلونه، وقال هو بنفسه : (قد اكتفى من دنياكم بطمريه ومن طعمه بقرصيه) حتى أن أولاده (ع) كانوا يتبعون سيرته فكان يأكل أحدهم خبزاً وبقلاً في الحيرة فسأله بعض عن أكله وانه لم لا يأكل أطائب الطعام؟ فقال : أين أنت من أمير المؤمنين (ع) حتى انه في ليلة ضرب في سحرها قدمت له أم كلثوم بنته في طبق واحد لبناً وملحاً فلم يرض (ع) بذلك وأمرها برفع اللبن وبالجملة فهو أزهد الزاهدين وخطبه وكلماته في الزهد قدوة كل طالب ومنية كل طالب. (وأعبدهم) حتى أن جبهته كانت كركبة البعير لكثرة سجوده، وكان من شدة توجهه والتفاته إلى مولاه حال الصلاة أنهم كانوا يستخرجون النصول من جسده وقت الصلاة لالتفاته بالكلية إلى الله واستغراقه في المناجاة معه، وكان يغشى عليه في كل ليل مرات من خوفه تعالى كما يخبرنا بذلك قصة أبي الدرداء الطويلة وخبر ضرار عند معاوية معروف، وكان يصلي في كل ليلة ألف ركعة، وانبسط له ليلة الهرير بساط فصلى عليه والسهام تقع بين يديه والنصول إلى جوانبه. وقد كان زيد العابدين (ع) مع كثرة عبادته حتى لقب بهذا اللقب وحتى قالت جارية له : (ما فرشت له ليلاً ولا قدمت إليه طعاماً نهاراً) كناية عن قيامه جميع الليالي وصيامه جميع الأيام إذا نظر إلى الصحيفة التي كانت فيها عبادات علي (ع) يستصغر عبادة نفسه أشد استصغار، وكان يجلس بعد صلاة الصبح إلى أول الشمس يعقب وينزجر من ترك الناس ذلك، وقد ضرب وهو في الصلاة، وكان كثير البكاء حتى لقب بتاج البكائين وقال الشاعر : (هو البكّاء في المحراب ليلاً) (وأحلمهم) فإنه عفى عن ابن عمر حيث لم يبايع مع أنه كان يتمكن من جبره، وعفى عن مروان وعائشة وعبد الله بن الزبير يوم الجمل مع كونهم أشد الأعداء له (ع) وعفى عن سعيد بن العاص وكان من أشد أعدائه، وصفح عن أهل البصرة بعد تسلطه عليهم، وترك ابن ملجم في دياره وجواره مع علمه بأنه سيقتله، وفي صفين ملك أصحاب معاوية الشريعة فمنعوه (ع) وأصحابه الماء ثم هزمهم عن مواقفهم وملك الشريعة فأراد أصحابه (ع) أن يفعلوا ذلك بأصحاب معاوية فنهاهم عن ذلك، وكان أهل الكوفة يؤذونه فيحلم عنهم مع قدرته عليه السلام على أخذهم، وأساء إليه كل من الخلفاء الثلاثة فحلم عنهم وأحسن بدل الإساءة إليهم حتى أنه استأذن من فاطمة عليها السلام في دخول الأولين دارها. (وأشوفهم خلقاً) وأطلقهم وجهاً حتى نسبه عمر إلى الدعابة وهو الضحاك إذا اشتد الضراب، فقد قال معاوية : رحم الله أبا حسن فلقد كان هشاً بشاً. وقال صعصعة : كان فينا كأحدنا في لين جانب وشدة تواضع وسهولة قياد. ويدخل في قوله : (وأشوفهم خلقاً) الفضائل بأسرها كالعدالة والغيرة والعفة والشهامة والتواضع وحسن الظن والصدق والمروة وغيرها من الصفات الحسنة، ويدل على ذلك ما ورد في التواريخ من أخلاقه وسيرته (ع) ولولا خوف الإطالة لنقلنا شطراً من ذلك. (وأقدمهم إيماناً) فقد بعث النبي (ص) يوم الاثنين وأسلم علي (ع) يوم الثلاثاء فيما يرويه أنس، وقد قال (ص) : (أولكم إسلاماً علي بن أبي طالب) وكان يقول : (أنا أول من آمن وأول من صلّى) ولم ينكره عليه أحد، والأدلة على ذلك فوق حد التواتر. (وأطلقهم لساناً) حتى قال البلغاء : (إن كلامه (ع) دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق) وقد سأل عن بعض الفصحاء عن سبب فصاحته قال : لأني حفظت شطراً من خطب علي (ع). وقال معاوية : ما سن الفصاحة لقريش غيره. ومن لاحظ شطراً من نهج البلاغة أو مستدركه لم يبق له شك في ذلك ولم يؤثر عن عربي مثل كلامه (ع). (وأشدهم رأياً) فقد عرف وجه المورد والمصدر في كل شيء حتى أن عمر أخذ بأقواله في وضعه التاريخ وعدم ذهابه بنفسه إلى حرب الفرس والروم وغير ذلك ولذا كان يجنح إلى آرائه. وكذلك أشار إلى عثمان في إصلاح الأمة وقبلَ هو ثم أغواه شيطانه مروان فتبعه فأصبح يقلب كفيه على جاهه وماله وحياته وكل شيء، ولم يقر معاوية على الإمارة مع ما أشار إليه المغيرة وابن عباس فظهر بعد ذلك كون الحق معه (ع) بما ظهر من خفايا نيات معاوية، وآراؤه في القضاء والحدود والديات والمعاملات وغير ذلك مما ملأ كتب الخافقين، ويكفي شاهداً لذلك عهده إلى مالك الأشتر حين ولاه مصر مما هو الآن مورد تقدير الحكومات وإعجابهم. (وأكثرهم حرصاً على إقامة حدود الله) فإنه لم يكن يترك الحد لصداقة أو قرابة أو غير ذلك، فقد حد الوليد في دار عثمان بعد ما لم يجسر عليه أحد، وحد الغالين في حقه وهدد من لم يجر الخلفاء عليهم الحد باجرائه عليهم لو تمكن كابن عمر وغيره، ولهذا كانوا يفرون منه فرار الحمر المستنفرة عن القسورة حتى أنه لم تأخذه القرابة بالنسبة إلى عقيل وابن عباس. وبالجملة فقد كان خشناً في ذات الله لا تأخذه لومة لائم، وفي رواية أن النبي (ص) قال : (إنه لممسوس في ذات الله) كناية عن شدة وطأته. (وأحفظهم لكتاب الله) فقد جمع الكتاب العزيز بما لم يجمعه غيره وغالب أئمة القراءة يستندون إليه. (ولإخباره بالغيب) وهو كثير كما في مدينة المعاجز والبحار وغيرهما ونكتفي هنا بما ذكره العلاّمة (ره) في الشرع كإخباره بقتل ذي الثدية ولم يجده أصحابه بين القتلى قال : (والله ما كذبت. فاعتبرهم حتى وجده، وشق قميصه ووجد على كتفه سلعة كثدي المرأة عليها شعر يجذب كتفه مع جذبها ويرجع كتفه مع تركها) وقال له أصحابه : إن أهل النهروان قد عبروا، فقال (ع) : لم يعبروا، فأخبروه مرة ثانية فقال : لم يعبروا، فقال جندب ابن عبد الله الأزدي في نفسه : إن وجدت القوم قد عبروا كنت أول من يقاتله، قال : فلما وصلنا النهر لم نجدهم عبروا. فقال : يا أخا الأزد أتبين لك الأمر؟ وذلك يدل على اطلاعه على ما في الضمير، وأخبر (ع) بقتل نفسه في شهر رمضان وبولاية الحجاج وانتقامه، وبقطع يد جويرية بن مسهر ورجله وصلبه على جذع ففعل به ذلك في أيام معاوية، وبصلب ميثم بن العمار على باب دار عمرو بن حريث عاشر عشرة وأراه النخلة التي يصلب على جذعها. وكان كما قال، وبذبح قنبر فذبحه الحجاج وقيل له : قد مات خالد بن عرفطة بوادي القرى، فقال : لم يمت ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة صاحب لوائه حبيب بن حماد، فقام رجل من تحت المنبر وقال : والله إني لك لمحب وأنا حبيب. قال : إياك أن تحملها ولتحملنها فتدخل بها من هذا الباب، وأومأ إلى باب الفيل فلما بعث ابن زياد عمر بن سعد إلى الحسين (ع) جعل على مقدمته خالداً وحبيب صاحب رايته فسار بها حتى دخل المسجد من باب الفيل، وقال يوماً على المنبر (سلوني قبل أن تفقدوني فوالله لا تسألوني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة إلا أنبأتكم بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة) فقام إليه رجل فقال : أخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر؟ فقال (ع) : لقد حدثني خليلي بما سألت عنه وأن على كل طاقة شعر في رأسك ملكاً يلعنك وعلى كل طاقة شعر في لحيتك شيطان يستفزك، وأن في بيتك لسخلاً يقتل ابن رسول الله) فلما كان من أمر الحسين (ع) ما كان تولى قتله. والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصى نقلها المخالف والمؤالف. (واستجابة دعائه) في حق طلحة بأن يقتله الله شر قتلة وبسر بن ارطاة بسلب عقله والعيران بعمى بصره وأنس بن مالك بالبرص ودعائه للاستستقاء وغير ذلك. (وظهور المعجزات عنه) كما تقدم شطر منه (واختصاصه بالقرابة) فإنه أقرب من الخلفاء الثلاثة إلى رسول الله (ص)، مضافاً إلى كونه قرشياً هاشمياً (والأخوة) فإن النبي (ص) لما آخى بين الصحابة جعله (ع) أخاه فقال (ص) له : (ألا ترضى أن تكون أخي ووصيي وخليفتي من بعدي) فقال : (بلى يا رسول الله) فواخاه من دون الصحابة، ولو كان أحد أفضل منه واخاه لأنه قرن الأمثال إلى الأمثال. (ووجوب المحبة) لأنه كان من أولي القربى ومحبتهم واجبة لقوله تعالى : (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) وغيرها من الأحاديث الواردة عن النبي (ص) في وجوب محبته (والنصرة) فإنه نصر النبي حين فروا كما عرفت في بعض حروبه، فالمراد بالنصرة النصرة المطلقة فلا تنافي نصرة غيره له (ص) في بعض الأحيان. (ومساواة الأنبياء) فإنه (ع) كان مساوياً للأنبياء بنص النبي (ص) فيما رواه البيهقي عنه : (من أحب أن ينظر إلى آدم في علمه وإلى نوح في تقواه وإلى إبراهيم في حلمه وإلى موسى في هيبته وإلى عيسى في عبادته فلينظر إلى علي ابن أبي طالب) ومن المعلوم أن المساوي لهم أفضل من سائر الصحابة لأن المساوي للأفضل أفضل. (وخبر الطائر) فإنه أهدى إلى النبي (ص) طائر مشوي فقال : (اللهم أيتني بأحب خلقك إليك حتى يأكل معي من هذا الطير) فجاء علي (ع) وأكل معه، ومن المعلوم أن الأحب أفضل. (والمنزلة) حيث قال (ص) له (ع) : (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) (والغدير) حيث قال : (من كنت مولاه فهذا علي مولاه) وقد تقدما، (وغيرها) مما دل على أنه صِدِّيق الأمة وأنه فاروقها وأنه خير الأمة وأنه مع الحق والحق معه وأنه سيد الوصيين وأنه أمير المؤمنين وأنه باب مدينة العلم إلى ألوف من أمثال ذلك، فإن جميع هذه تدل على كونه عليه السلام أفضل من سائر الصحابة، فتدل على أحقيته بالخلافة لأن ترجيح المرجوح على الراجح قبيح محال على الله تعالى. (ولانتفاء سبق كفره) فإنه أسلم قبل بلوغه وأما من عداه فقد كانوا مدة مديدة من عمرهم كفرة مشركين يعبدون الأصنام، ومن المعلوم عدم استوائهما عند الله تعالى. (ولكثرة الانتفاع به) فإنه انتفع النبي (ص) ومتقمصوا الخلافة قبله (ع) والمؤمنون بشجاعته وحروبه وعلمه وقضائه ورأيه وسياسته وغير ذلك من فضائله، بل لولا سيفه لما استقام الإسلام. (وتميزه بالكمالات النفسية) من العلم والحلم والزهد والسخاوة والرأفة وغيرها (والبدنية) من السخاوة والقسامة والوسامة والبسامة والهيبة والجمال (والخارجية) كالنسب الشريف والسبب المنيف والأولاد الكرام، أئمة الإسلام مما لم يحفظ التاريخ سوى رسول الله (ص) لأحد غيره من الأولين والآخرين. وأما ما ذكره القوشجي من فضائل الثلاثة فقد كفانا لردها إجمالاً ما تقدم من مثالبهم مما يقطع كل عاقل انه لا يجتمع ما روى مع ما درى، مضافاً إلى أن من راجع الغدير للعلامة الأميني دام تأييده في الأخبار الموضوعة في الفضائل باعتراف العامة لم يبق له أدنى شك في وضع هذه الأحاديث، وقد كثرت القالة على رسول الله (ص) في حياته فكيف بما بعد وفاته. (مسألة) في إمامة باقي الأئمة عليهم السلام (والنقل المتواتر دل على الأحد عشر) بعد أمير المؤمنين فيكون عددهم إثنى عشر، فقد أجمل النبي تارة بقوله فيما رواه العامة والخاصة بالتواتر : (الخلفاء بعدي إثنى عشر) وعيّن بعضهم أخرى كقوله (ص) : (هذان إبناي إمامان إن قاما وإن قعدا) وفصل بالإسم ثالثة كما في حديث جابر الذي سأل النبي عن أولي الأمر. وقد نص كل إمام على الإمام الذي بعده في متواتر الأخبار، والأئمة هم : أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام ثم من بعده ولده الأكبر الحسن بن علي ثم من بعده ولده الثاني الحسين بن علي ثم من بعده ولده علي بن الحسين زين العابدين ثم من بعده ولده محمد بن علي الباقر ثم من بعده ولده جعفر بن محمد الصادق ثم من بعده ولده موسى بن جعفر الكاظم ثم من بعده ولده علي بن موسى الرضا ثم من بعده ولده محمد بن علي التقي ثم من بعده علي بن محمد النقي ثم من بعده الحسن بن علي العسكري ثم من بعده خليفة الله في الأرضين إمام الزمان وشريك القرآن محمد بن الحسن المهدي الموعود (ع) الذي وعد الله الأمم أن يجمع به الكلم، وهو حي موجود في دار الدنيا وسيظهر بأمر الله تعالى فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً. اللهم عجّل فرجه وسهّل مخرجه واجعلنا من أنصاره وأعوانه. (ولوجوب العصمة) في الإمام (وانتفائها عن غيرهم ووجود الكمالات فيهم). هذا دليل ثانٍ يدل على إمامة الأئمة (ع)، وحاصله أن الإمام يلزم أن يكون معصوماً لما تقدم ولا معصوم إلا الأئمة (ع)، أما أنهم معصومون فبالإجماع وأما أن غيرهم ليس بمعصوم فلأنه لم يدع أحد عصمة من سواهم، مضافاً إلى ظهور الفسق عن الخلفاء بالاتفاق. (مسألة) في أحكام المخالفين (محاربو علي (ع) كفرة) لقول النبي (ص) فيما تواتر عنه عند الفريقين : (يا علي حربك حربي) ولا شبهة في كفر من حارب النبي (ومخالفوه فسقة) لأن حقية إمامته واضحة فمتابعته واجبة فمن خالفه يكون مخالفاً لسبيل المؤمنين ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوِّله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً. |