| فهرس المبحث الخامس | المؤلفات |
|
المعاد |
|
في المعاد والوعد والوعيد وما يتصل بذلك. حكم المثلين واحد والسمع دل على إمكان التماثل والكروية ووجوب الخلاء. واختلاف المتفقات ممنوعة، والإمكان يعطي جواز العدم والسمع دل عليه. ويتأول في المكلف بالتفريق كما في قصة إبراهيم (ع) وإثبات الفناء غير معقول لأنه إن قام بذاته لم يكن ضداً وكذا إن قام بالجوهر ولانتفاء الأولوية ولاستلزامه انقلاب الحقائق أو التسلسل. وإثبات بقاء لا في محل يستلزم الترجيح بلا مرجح أو اجتماع النقيضين وإثباته في محل يستلزم توقف الشيء على نفسه إما ابتداءاً أو بواسطة ووجوب إيفاء الوعد والحكمة تقتضي وجوب البعث، والضرورة قاضية بثبوت الجسماني من دين النبي (ص) مع إمكانه. ولا يجب إعادة فواضل المكلف وعدم انخراق الأفلاك وحصول الجنة فوقها ودوام الحياة مع الاحتراق وتوليد البدن من غير التوالد، وتناهي القوى الجسمانية استبعادات، ويستحق الثواب والمدح بفعل الواجب والمندوب وفعل ضد القبيح والإخلال به بشرط فعل الواجب لوجوبه والمندوب كذلك والضد لأنه ترك قبيح والإخلال به، وظاهر أن المشقة من غير عوض ظلم وهو قبيح ولا يصح الابتداء به إذ لو أمكن الابتداء به كان التكليف عبثاً، وكذا يستحق العقاب والذم بفعل القبيح والإخلال بالواجب لاشتماله على اللطف، ولدلالة السمع ولا استبعاد في اجتماع الاستحقاقين باعتبارين وإيجاب المشقة في شكر المنعم قبيح ولقضاء العقل به مع الجهل به ويشترط في استحقاق الثواب كون الفعل المكلف به أو الإخلال بالقبيح شاقّاً. ولا يشترط رفع الندم على فعل الطاعة ولا انتفاء النفع العاجل إذا فعل للوجه، ويجب اقتران الثواب بالتعظيم والعقاب بالإهانة للعلم الضروري باستحقاقهما مع فعل موجبهما. ويجب دوامهما لاشتماله على اللطفية، ولدوام المدح والذم. ولحصول نقيضهما لولاه ويجب خلوصهما وإلا لكان الثواب أنقص حالاً من العوض والتفضل، على تقدير حصوله فيهما وهو أدخل في باب الزجر. وكل ذي مرتبة في الجنة لا يطلب إلا زيد من مرتبته، ويبلــغ سرورهم في الشكر إلى حد انتفاء المشقة وغنائهم بالثواب ينفي مشقة ترك القبائح، وأهل النار ملجأون إلى ترك القبيح. ويجوز توقف الثواب على شرط والا لا يثيب العارف بالله تعالى خاصة وهو مشروط بالموافاة لقوله تعالى : (لئن أشركت ليحبطن عملك) وقوله تعالى : (ومن يرتدد منكم عن دينه) والإحباط باطل لاستلزامه الظلم ولقوله تعالى : (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره) ولعدم الأولوية إذا كان الآخر ضعفاً، وحصول المتناقضين مع التساوي. والكافر مخلد وعذاب صاحب الكبيرة ينقطع لاستحقاقه الثواب بإيمانه ولقبحه عند العقلاء. والسمعيات متأولة ودوام العقاب مختص بالكافر. |
|
(في المعاد والوعد والوعيد وما يتصل بذلك) وفيه مسائل : (مسألة) في إمكان خلق عالم آخر، وإنما صدرنا بحث المعاد بذلك إذ المعاد لازمه ذلك، وقد اختلفوا فيه فالمليون أجمع وجمع من غيرهم ذهبوا إلى إمكانه وخالفهم قوم آخرون. إستدل الأولون بأمرين عقلي وسمعي : (الأول) إن (حكم المثلين واحد) فإن هذا العالم الذي نحن فيه الآن ممكن فمثله كذلك، إذ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد (الثاني) ما أشار إليه بقوله : (والسمع دل على إمكان التماثل) قال تعالى : (أفعيينا بالخلق الأول) وقال تعالى : (أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم). إحتج القائلون بالامتناع بوجهين (الأول) انه لو وجد عالم آخر لكان كرة مثل هذا العالم ولا يمكن وجود كرتين متماثلتين إلا بتحقق فرجة بينهما فيلزم الخلاء وهو محال. (و) الجواب أنّا لا نسلم وجوب (الكروية) في العالم فإن الشكل الطبيعي وإن كان كرة إلا أن الفاعل بالإرادة وهو الله تعالى قادر على خلافها، كما نرى في الأجسام المحيطة بنا فإنها ليست كرة مع أن الشكل الطبيعي كرة. (و) لو سلمنا لزوم الكروية لا نسلم (وجوب الخلاء) بينهما فمن الممكن أن يكون العالمان في ثخن جسمٍ آخر. (الثاني) ـ انه لو وجد عالم آخر لكانت فيه العناصر الأربعة، وحينئذ فإن لم تطلب تلك العناصر أمكنة عناصر هذا العالم لزم اختلاف متفقات الطبائع، وذلك محال لما ذكر من أن حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد، وإن طلبت لزم أن تكون في الأمكنة الأخر بالقسر دائماً. (و) الجواب أن (اختلاف المتفقات ممنوعة) إذ يمكن أن لا يكون في ذلك العالم هذه العناصر ويمكن أن يكون فيه هذه العناصر لكنها بالقسر وقف في مكانها ويمكن أن يكون لكل مركز فمركز هذا العالم نقطة في وسطه ومركز ذلك العالم نقطة في وسطه، ويمكن أن يكون ذلك العالم في المركز الحقيقي الأولى وهذا العالم في المحل القسري وبعد المعاد يضمحل هذا حتى لا يلزم القسر الدائم. (مسألة) في صحة العدم على هذا العالم فالمليون جوزوا عدمه إلا من شذ منهم (و) هو الحق لأن (الإمكان يعطي جواز العدم). وتقريره : أن العالم ممكن ـ على ما سبق ـ والممكن يجوز له العدم كما يجوز له الوجود، إذ لو امتنع عليه العدم لزم الانقلاب من الإمكان الذاتي إلى الوجوب الذاتي وهو محال بديهة (والسمع دل عليه) أيضاً كقوله تعالى : (كل شيء هالك إلا وجهه) وقوله تعالى : (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) وقوله تعالى : (هو الأول والآخر) إلى غير ذلك من الآيات والأخبار. إستدل من قال بأنه لا يجوز العدم بأمور : (الأول) ـ ما ذكره الفلاسفة من أن العالم قديم وما ثبت قدمه امتنع عدمه. وفيه انه قد سبق بطلان قدم العالم. (الثاني) ـ ما ذكره غيرهم من أن العالم معلول علة واجب الوجود والمعلول لا يعدم إلا بعد عدم علته لكن عدم الباري محال فعدم العالم كذلك. وفيه ان الباري لو كان فاعلاً بالجبر كان كذلك لكنه فاعل بالاختيار ولا تلازم العلة المعلول في الفاعل المختار. (الثالث) ـ إن العالم وإن كان ممكناً حادثاً إلا ان الممكن يجوز أن يمتنع فناؤه لعلة طارئة بعد وجوده، ولا يلزم من ذلك انقلابه من الإمكان الذاتي إلى الوجوب الذاتي. والجواب أنّا وإن سلمنا ذلك لكن نقول : لا علة طارئة في البين توجب امتناع العدم فعلى المدعي الإثبات. (الرابع) ـ إنه لا فرق بين نفي الفعل وفعل العدم فكما أن الثاني محال إذ العدم ليس شيئاً حتى يفعل كذلك الأول. وفيه ان القياس مع الفارق، فإن الموجود شيء فيمكن أن يقع عليه الأعدام بخلاف العدم فإنه ليس بشيء فلا يمكن أن يقع عليه الفعل. (مسألة) في المراد بالعدم الوارد في السمع. ذهب من جوز إعادة المعدوم إلى إمكان كون المراد بفناء العالم العدم المحض ثم الإعادة من جديد وتفرق الأجزاء ثم جمعها، أما من قال بامتناع إعادة المعدوم فقد قال: إنه لا إشكال في غير المكلفين لجواز أن يعدم بالكلية ولا يعاد. (ويتأول) العدم (في المكلف بالتفريق) للأجزاء ثم جمعها فيراد بالفناء تفريق الأجزاء وبالمعاد جمعها (كما في قصة إبراهيم (ع)) فإنه لما سأل إرادة إحياء الموتى بقوله : (رب أرني كيف تحيي الموتى) أمره تعالى بأخذ أربعة من الطير وتقطيعها وتفريق أجزائها ومزج بعض الأجزاء ببعض ثم تفريقها ووضعها على الجبال ثم أمر بأن يدعوها بعد ذلك، فلما دعاها ميز الله أجزاء كل طير عن الآخر وجمعها كلاً على حدة حتى رجعت كهيئتها الأولى، فإنه تعالى لم يعدم تلك الأجزاء بل فرقها وجمعها. (مسألة) ذهب من لا تحقيق له ان فناء الأشياء عبارة عن ان الله تعالى يخلق الفناء فيفنى به جميع الأجسام لكونه منافياً للأشياء، ثم ذهب بعض هؤلاء إلى تعدد الفناء فلكل موجود فناء مستقل، وذهب آخرون إلى أن فناءاً واحداً يكفي لأعدام الكل. (و) يرد عليه أولاً إن (إثبات الفناء غير معقول) فأنا لا نعقل شيئاً هو فناء فالمدعي يلزم أن يأتي بدليل يدل على وجود الفناء. وثانياً إن ما ذكروا من كون الفناء منافياً للأشياء غير صحيح (لأنه إن قام بذاته) كان جوهراً فـ (لم يكن ضداً) لشيء إذ الجوهر لا يضاد الجوهر (وكذا) إن لم يقم بذاته بـ (أن) كان عرضاً و(قام بالجوهر) إذ العرض لا يضاد الجوهر (و) ثالثاً إن قولكم ان يفنى الموجودات غير صحيح (لانتفاء الأولوية) فإن اعدام الفناء للموجودات ليس بأولى من اعدام الموجودات له. (و) رابعاً إن وجود الفناء مستلزم للمحال (لاستلزامه انقلاب الحقائق أو التسلسل) وكلاهما محال بديهة فوجود الفناء محال. بيان الملازمة : ان الفناء إما واجب أو ممكن لكن وجوبه غير معقول لما تقدم من وحدة واجب الوجود فيبقى كونه ممكناً، وحينئذ نقول : إن الفناء بعدما وجد فإما أن يمتنع عدمه أو يمكن فإن امتنع لزم انقلاب الممكن واجباً وهو محال وإن أمكن فإما أن يفنى بذاته وهو خلاف الفرض ـ لأنكم قلتم إن الاعدام لا يكون إلا بالفناء ـ أو يفنى بغيره وهو مستلزم للتسلسل لأنه يحتاج إلى فناء آخر يعدمه وذلك الثاني إلى ثالث وهكذا. أقول : لا يخفى ما في هذه الأجوبة، والحق في الجواب أنه لا دليل على أن أصل الفناء شيئاً موجوداً فعلى المدعي الإثبات وأنى له؟ (مسألة) ذهب جمع إلى أن الجوهر باقٍ ببقاء، ثم اختلفوا فقال بعضهم : إن البقاء قائم بذاته، وقال آخرون : إنه قائم بالجوهر، وكلا المذهبين فاسد لأنه مضافاً إلى عدم الدليل على ذلك يرد على الأول ان هذا البقاء القائم بذاته هل هو جوهر أو عرض؟ فإن كان جوهراً فلا أولوية لقيام الجوهر بالبقاء من العكس وهو قيام البقاء بالجوهر فالقول بأحدهما ترجيح بلا مرجح وإن كان عرضاً يلزم اجتماع النقيضين لأن البقاء باعتبار كونه قائماً بذاته لا يكون في محل، وباعتبار كونه عرضاً يكون في محل. وإلى هذا أشار المصنف (ره) بقوله : (وإثبات بقاء لا في محل يستلزم الترجيح بلا مرجح أو اجتماع النقيضين). ويرد على الثاني ان حصول البقاء في المحل يتوقف على حصول المحل في الزمان الثاني، فحصوله في الزمان الثاني إما نفس البقاء فيلزم توقف الشيء على نفسه ابتداءاً أو معلول البقاء فيلزم توقف الشيء على نفسه بواسطة. وإلى هذا أشار المصنف (ره) بقوله : (وإثباته في محل يستلزم توقف الشيء على نفسه إما ابتداءاً أو بواسطة). (مسألة) نفى قوم المعاد مطلقاً وأثبت آخرون الروحاني منه فقط والمليون قاطبة على إثبات المعاد الجسماني (و) هو الحق. أما أصل المعاد فيدل عليه (وجوب إيفاء الوعد) فإن الله تعالى وعد المطيع بالثواب بعد الموت والوفاء بالوعد واجب عقلاً لقبح الخلف وهو منزه سبحانه عن ذلك كما عرفت سابقاً، وإنما لم يذكر الوعيد لعدم وجوب الوفاء به عند العقلاء إلا إذا كانت هناك جهة خارجية ولذا لا يقبحون خلف الوعيد في مَن أوعد عبده أن يضربه فلم يضربه بل عفا عنه. (و) أيضاً (الحكمة تقتضي وجوب البعث) لأنه تعالى كلف الناس فيجب أن يثيــب المطيع ويعاقب العاصي وإلا كان التكليف عبثاً تعالى عن ذلك ويلزم أيضاً في الحكمة الانتصاف من الظالم للمظلوم وحيث إنه ليس في الدنيا بالضرورة فلابد وأن يكون هناك محكمة للانتصاف وليس ذلك إلا بعد الموت (و) أما الجسماني منه فلأن (الضــرورة قاضية بثبوت الجسماني من دين النبي (ص)) فالقرآن والسنة مشحونة بالأدلة الناصة على ذلك قال تعالى : (قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) وقال : (فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) وقال : (فسيقولون من يعيدنا فقل الذي فطركم أول مرة) وقال : (أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه) وقال : (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا) وقال : (يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً ذلك حشر علينا يسير) إلى غير ذلك. (مع إمكانه) إشارة إلى تتميم البرهان، وهو أن المعاد أمر ممكن أخبر الصادق بوقوعه فيجب تصديقه، ولولا الإمكان لزم تأويل الآيات لعدم مصادمة السمع للعقل. وإنما قلنا بإمكان ذلك لأن جمع الأجزاء للعليم القدير بديهي الإمكان. (مسألة أشكل جمع على المعاد الجسماني بأمرين : (الأول) إنه لو أكل إنسان إنساناً آخر حتى صار جزء بدنه، فإن أعيدت أجزاء الغذاء إلى بدن الأول عدم الثاني وإن أعيدت إلى بدن الثاني عدم الأول. (الثاني) إن المعاد إن كان البدن في بعض الأحوال كان ثوابه لغير تلك الحال جزافاً وعقابه كذلك ظلماً، فإن البدن دائماً في التحلل والاستخلاف فالبدن للصغير غير البدن للكبير، وإن كان البدن من أول العمر إلى آخره لزم أن يعود كل شخص كأحد فليس معاداً لهذا الشخص، وإن كان البدن في بعض الأحوال وأثيب وعوقب لما صدر منه في تلك الحال فقط ذهبت إطاعته في غير تلك الحال ومعصيته سدى وهو خلاف المفروض. (و) الجواب عن الإشكالين انه إنما يجب إعادة الروح مع البدن الأصلي و(لا يجب إعادة فواضل المكلف) فإن للإنسان أجزاء أصلية وأجزاء فاضلة والأجزاء الأصلية لا يزاد عليها ولا ينقص منها. هذا مضافاً إلى صحة أعقاب البدن وثوابه في حال ولو كانت المعصية والطاعة في غير تلك الحال، ولذا لا يشكون العقلاء في حسن تعذيب السارق ولو بعد خمسين سنة وجلد الزاني ولو بعد عشرين وهكذا. (مسألة) (و) إحتج بعض على (عدم) المعاد الجسماني بوجوه : (الأول) ـ إن السمع قد دل على (انخراق الأفلاك) وهو محال لعدم إمكان الخرق والالتيام فيها. (و) الثاني ـ إن (حصول الجنة فوقها) كما يقوله المسلمون غير معقول لاقتضائه عدم الكروية والتحديد وهو خلاف الشكل الطبيعي والمسلم من محددية الفلك الأطلس. (و) الثالث ـ إن (دوام الحياة) للمعذبين في النار (مع الاحتراق) الدائم محال إذ الشيئان المجاوران لابد وأن يغلب أحدهما على الآخر. (و) الرابع ـ إن (توليد البدن) بمعنى وجود الأشخاص في المعاد (من غير التوالد) من الأبوين خلاف سنة الكون. (و) الخامس ـ إن دوام نعيم الجنة مع (تناهي القوى الجسمانية) غير ممكن للزوم كون الجسم متناهياً وغير متناهٍ. والجواب عن الكل انها (استبعادات) لا تقاوم السمع القطعي، فإن الأفلاك حادثة فيمكن انخراقها، وكذا حصول الجنة فوقها بعد كونها مخلوقة، والفلك المحدد لا دليل عليه، ودوام الحياة مع الاحتراق ممكن فيدخل تحت القدرة العامة، مضافاً إلى أنه كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً، وعدم التوالد داخل تحت القدرة مضافاً إلى وقوع مثله في آدم وحواء، وعدم التناهي بالامدادات الربانية غير المتناهية لا مانع منه. (مسألة) في الثواب والعقاب (ويستحق) المكلف (الثواب) وهو النفع المستحق المقارن للتعظيم والإجلال (والمدح) وهو قول ينبئ عن ارتفاع حال الغير مع القصد إلى الرفع منه (بفعل الواجب) الذي لا يجوز تركه (والمندوب) الذي يجوز تركه (وفعل ضد القبيح) وهو الترك (والإخلال به) أي بالقبيح، لكن هذا الاستحقاق للثواب والمدح إنما هو (بشرط فعل الواجب لوجوبه) أو لوجه وجوبه والمراد بوجه الوجوب الملاك الذي صار به الواجب واجباً من المصلحة الملزمة المقربة إلى الله سبحانه (و) فعل (المندوب كذلك) لندبه أو لوجه ندبه (و) فعل (الضد لأنه ترك قبيح و) كذا (الإخلال به) أي بالقبيح لأنه إخلال بالقبيح، فإنه حينئذ يستحق الثواب والمدح، أما لو فعل الواجب والمندوب أو فعل ضد القبيح أو أخل بالقبيح لا لذلك بل لداعي نفساني لم يستحق ثواباً ومدحاً. ولا فرق في ذلك بين التوصلي والتعبدي والنفسي والغيري وإنما الفرق بينها في أمور أخر كقصد العبادة ونحوه. (و) إنما قلنا باستحقاق الثواب والمدح في هذه الصور لأن التكليف مشقة و(ظاهر ان المشقة من غير عوض) فيما لم ترجع فائدة إلى المولى (ظلم وهو قبيح) تعالى الله عن ذلك. وقيدنا المتن بقولنا : (فيما لم ترجع) إلخ، لأنه لو كانت مصلحة المشقة عائدة إلى المولى لم يقبح لأنه تصرف في ملكه لمنفعته كما نرى من عدم قبح مشقة العبيد في إطاعة أوامر الموالي العرفية بدون عوض. (و) إن قلت : إن الله تعالى كريم والابتداء بالكريم أفضل من العوض بعد المشقة، ألا ترى استحسان العقلاء المبتدئ بالكريم وتفضليهم إياه على غيره ممن يكلف ثم يدفع العوض؟! قلت : (لا يصح الابتداء به) لمّاً وإنّاً أما لمّاً فلأنه لو ابتدأ على الكل كان خلاف العدل حيث ساوى الشرير للخير، مضافاً إلى ان الطاعات تورث ترقيات يستحق العبد بها مالا يستحق بدونها، كاستحقاق الشخص بعد العلم والفضل مراتب لا يستحقها قبله حتى أن إكرامه بها قبل العلم يكون من وضع الشيء في غير موضعه. ولو قلت : إنه يبتدأ بها على قدر مراتبهم قبل الطاعة. قلنا : ذلك موجب لكبت القوة القابلة للترقي وهو قبيح، فيكون مثل والد لا يربي ولده حتى يكون حظه الأوكس، ولو ابتدأ البعض الخير دون الشرير كان مضافاً إلى ما تقدم من لزوم أحد القبيحين من إعطاء الخير بقدر قبل الطاعة فيكون كبتاً أو بعد الطاعة فيكون إحساناً في غير موقعه انه يكون حينئذ للشرير الحجة وعلم الله تعالى لا ينفع في قطع الحجة. وأما إنّاً فلما أشار إليه بقوله : (إذ لو أمكن الابتداء به كان التكليف عبثاً) فالتكليف كاشف عن عدم صحة الابتداء به (وكذا يستحق العقاب) وهو الضرر المستحق المقارن للإهانة (والذم) وهو قول ينبئ عن اتضاع حال الغير مع قصده (بفعل القبيح والإخلال بالواجب) مع علم وعمد، وإنما قلنا باستحقاق العقاب والذم لذلك لأمرين : (الأول) : (لاشتماله) أي العقاب (على اللطف) واللطف واجب فالعقاب واجب، أما ان اللطف واجب فلما تقدم. وأما ان العقاب لطف لأن العبد إذا عرف ان المعصية موجبة للعقاب كان ذلك مبعداً له عن المعصية ومقرباً له إلى ضدها أي الطاعة (و) الثاني (لدلالة السمع) ففي متواتر الآيات والأخبار دلالة على ذلك وهو ضروري من دين الإسلام. (و) إن قلت : لو كان الإخلال بالواجب سبباً لاستحقاق الذم والإخلال بالقبيح سبباً لاستحقاق المدح لكان المكلف إذا أخل بالواجب وبالقبيح كان مستحقاً للمدح والذم، وهو ممتنع إذ تنافي المدح والذم مانع عن اجتماعهما في موضوع واحد. قلت : (لا استبعاد في اجتماع الاستحقاقين باعتبارين) فمن جهة تركه الواجب عمداً يستحق الذم ومن جهة تركه الحرام بقصد الوجه يستحق المدح فهو كمن أطاع أمراً وعصى أمراً حيث يستحق ثواباً وعقاباً. (مسألة) ذهب بعض إلى أن هذه التكاليف الشرعية إنما وقعت لأجل شكر المنعم فلا يستحق المكلف بها ثواباً. (و) الجواب : ان (إيجاب المشقة في شكر المنعم قبيح) فإنه يقبح عقلاً ان ينعم الإنسان على غيره نعمة ثم يكلفه ويوجب شكره على تلك النعمة من غير أن يصل إلى المكلِّــف بالكسر نفع، والله سبحانه منزه عن القبيح. هذا مضافاً إلى أن العقلاء يجزمون بوجوب شكر المنعم مع أنهم يجهلون هذه التكاليف الشرعية، فإن كانت التكاليف الشرعية شكراً لزم علم العقلاء بها. وإلى هذا أشار المصنف بقوله : (ولقضاء العقل به) أي بشكر المنعم (مع الجهل به) أي بالتكليف، لكن لا يخفى ما فيه إذ كون التكاليف بهذه الكيفية يمكن أن تكون بياناً لنحو الشكر، فإن كيفية شكر كل أحد غير كيفية شكر الآخر فشكر العالم شيء وشكر الجاهل شيء، والعقلاء إنما يجزمون بوجوب أصل الشكر أما كيفيته فمنها ما يعلمونها ومنها ما يجهلونها. (مسألة) (ويشترط في استحقاق الثواب كون الفعل المكلف به) سواء كان واجباً أو مندوباً (أو الإخلال بالقبيح شاقاً) وذلك لأن المقتضي لاستحقاق الثواب هي المشقة فإذا انتفت انتفى الثواب. هذا ولكنه غير ظاهر إذ لا يخفى ان في الشريعة ضروباً من الواجبات والمندوبات وترك القبائح لا مشقة فيها بل فيها كمال اللذة أو عن القبيح كمال التنفر، فإن الجماع على رأس أربعة أشهر والأكل لسد الرمق والجماع في سائر الأوقات والتسحر والنظر إلى الأولاد وتقبيلهم والملاعبة مع الزوجة وغير ذلك مع اشتمالها على كمال اللذة بين واجب ومستحب وقد رتّب عليها في الشريعة ثواب عظيم، وكذلك في ترك أكل العذرة وترك أكل الشبعان ونحوهما ليس مشقة أصلاً بل الطبع متنفر عن ذلك غاية التنفر ومع ذلك ففي تركهما ثواب. وما ذكر من ان المقتضي لاستحقاق الثواب هو المشقة غير تام إذ المقتضي للاستحقاق إطاعة الأوامر والنواهي الناشئة عن مصالح شخصية أو نوعية أو نحوهما. (مسألة) (ولا يشترط) في استحقاق الثواب (رفع الندم على فعل الطاعة) فإنه لو فعل الطاعة بشرائطها ثم ندم بعد ذلك على فعله لم يوجب هذا الندم حبط ثوابه لعدم دليل على ذلك. (و) كذا (لا) يشترط في استحقاق الثواب (انتفاء النفع العاجل) فإنه (إذا فعل) الواجب (للوجه) الذي أمره الله به كأن صام قربة إلى الله ثم ترتب عليه صحة بدنه لم يضرّ ذلك في استحقاقه الثواب لعدم دليل على اشتراط الثواب بعدم النفع الدنيوي. (مسألة) (ويجب اقتران الثواب بالتعظيم و) اقتران (العقاب بالإهانة للعلم الضروري باستحقاقهما مع فعل موجبهما) فإنا نعلم بالبداهة ان الآتي بالمأمور به يستحق التعظيم والآتي بالمنهي عنه يستحق الإهانة وقد أيدّ ذلك الشرع، ولذا سبق منا أنّا فرّقنا بين الثواب والعوض كما أنه فرق بين العقاب وبين الأثر المترتب على الفعل طبعاً، كإيجاب أكل الحار الدماميل فإنه لا إهانة فيه. (مسألة) في دوام الثواب والعقاب والذي يقتضيه النظر انه سمعي، وذهب المصنف (ره) إلى كون ذلك عقلياً (و) استدل له بوجوه : (الأول) ـ إنه (يجب دوامهما لاشتماله) أي الدوام (على اللطفية) فإن العلم بدوام الثواب والعقاب يبعث العبد على فعل الطاعة ويبعده عن المعصية بالضرورة، واللطف واجب فدوام الثواب والعقاب واجب. وفيه ان وجوب اللطف في الجملة لا يلازم وجوب كل مرتبة منه ولذا كان أصل الثواب والعقاب لطفاً وهو لا يقتضي أن يكون ثواب عمل يسير بقدر ثواب عمل كثير وعقاب عمل يسير بقدر عقاب عمل كثير. (و) الثاني ـ إن الطاعة والمعصية لهما معلولان الثواب والعقاب والمدح والذم، فإذا كان أحد المعلولين دائماً كان الآخر كذلك لأن وجود أحد المعلولين كاشف عن وجود العلة وهي سبب لوجود المعلول الثاني، وفي المقام كذلك (لدوام المدح والذم) إذ لا وقت إلا ويحسن مدح المطيع وذم العاصي فاللازم دوام الثواب والعقاب. وفيه (أولاً) أنّا لا نسلم دوام المدح والذم فإن لكل فعل مقدار من المدح ومقــدار من الذم فإذا مدح وذم بذلك المقدار انقضى الاستحقاق. مثلاً : من أعطى ديناراً لزيد لا يستحق مدحاً إلى الأبد فلو مدح قدر دينار ذهب استحقاقه ومن ضربه لا يستحق الذم إلى الأبد بل لو ذم لذلك ذهب استحقاقه. و(ثانياً) إن الثواب والعقاب ليسا معلولين للطاعة والمعصية مثل علّية النار للإحراق وإلا لم يعقل نقضيهما مع بقاء المعلولين، وحينئذ فتكون النسبة بين الثواب والعقاب والطاعة والمعصية اعتبارية كما أن النسبة بينها وبين المدح والذم كذلك، فلا يستلزم بقاء أحد المعلولين بهذا المعنى بقاء المعلول الآخر بل يجوز امتداد أحدهما مع قصر الآخر كما هو الشأن في الثواب والعقاب والمدح والذم في الدنيا فإن من سرق ديناراً من زيد استحق الذم دائماً ـ فرضاً ـ لكنه لا يستحق العقاب دائماً وكذا في طرف الطاعة. (و) الثالث ـ ما أشار إليه بقوله : (لحصول نقيضهما لولاه) أي لولا الدوام والمراد انه لو كان الثواب منقطعاً حصل لصحابه السرور بانقطاعه ولو كان العقاب منقطعاً حصل لصاحبه السرور بانقطاعه وذلك ينافي الثواب والعقاب للزوم كونها خالصين عن الشوائب كما يأتي الآن، فمعنى العبارة انه يلزم بانقطاع الثواب الذي هو النفع حصول ضرر الألم الذي هو نقيضه بانقطاع العقاب الذي هو الضرر حصول نفع السرور الذي هو نقيضه. وفيه ان الدليل الآتي لا يدل على لزوم الخلوص عن هذا النحو من الشوائب. (مسألة) (ويجب خلوصهما) أي خلوص الثواب والعقاب عن الشوائب حتى لا تكون شائبة ألم مع الثواب وشائبة لذة مع العقاب (وإلا لكان الثواب أنقص حالاً من العوض والتفضل، على تقدير حصوله) أي حصول الخلوص (فيهما) أي في العوض والتفضل. وفيه مضافاً إلى أنه لا دليل على لزوم أرجحية الثواب من العوض والتفضل من هذه الجهة ان هذا لا يكفي لإثبات الدوام فيهما حتى تبتني عليه المسألة السابقة فإن من يعلم أنه عمل عملاً لا يستحق الا مقداراً من الثواب لا يتألم لتمام ثوابه. هذا في الثواب وأما العقاب فاستدل له بقوله : (وهو أدخل في باب الزجر) بمعنى أن من يعلم ان عقابه لا تشوبه لذة يكون أقرب إلى الطاعة وأبعد من المعصية فيكون لطفاً، وقد سبق وجوب اللطف. لكن فيه ما عرفت من أن اللطف في الجملة واجب لا كل مراتبه. نعم يمكن أن يستدل لخلوص الثواب والعقاب بالأدلة السمعية الكثيرة الدالة على أن النار حزن لا فرح فيها وان الجنة فرح لا حزن فيها ونحو ذلك. إن المصنف (ره) لما ذكر خلوص الثواب والعقاب عن الشوائب أراد دفع بعض الإشكالات على ذلك : (الأول) ـ إن الثواب لا يخلص عن الشوائب لأن درجات أهل الجنة متفاوتة فمن كان أدنى مرتبة يكون مغتماً لمشاهدة غيره أعلى درجة منه. (و) الجواب ان (كل ذي مرتبة في الجنة لا يطلب الأزيد من مرتبته) فلا يكون مغتماً بمشاهدة من هو أعظم درجة منه، ويكون مثل أهل الجنة في اختلاف المراتب مثل أهل الدنيا حيث لا يكون السوقي مغتماً لعدم كونه ملكاً، ويجوز أن تكون المراتب فــي الجنة بمنزلة طعم الطعام الحسن في الأفواه المختلفة فالغني الذي اعتاد أكله لا يلتذ منه بقدر ما يلتذ منه الفقير المسكين. (الثاني) ـ إن أهل الجنة يجب عليهم الشكر لنعم الله تعالى وذلك مشقة فلا يكون الثواب خالياً عن الألم. (و) الجواب انه (يبلغ سرورهم في الشكر إلى حد انتفاء المشقة) فيكون الشكر عندهم بمنزلة تكلم الحبيب مع حبيبه حتى أن ترك التكلم مشقة. هذا كله على تقدير وجوب الشكر عليهم. (الثالث) ـ إن النفس ميّالة إلى القبائح فتركهم لها يوجب الألم وهو خلاف خلوص الشهوات. (و) الجواب أن (غنائهم بالثواب ينفي مشقة ترك القبائح) لو سلم انهم هناك يميلون إلى القبائح ميلاً ما. (الرابع) ـ إن أهل النار يتركون القبائح فيلزم ثوابهم على ذلك وهو خلاف خلوص العقاب. (و) الجواب ان (أهل النار ملجأون إلى ترك القبيح) والملجأ إلى الترك لا ثواب له كما أن الملجأ على الفعل لا عقاب له. (مسألة) (ويجوز توقف الثواب على شرط) حتى أنه لو لم يحصل ذلك الشرط لم يثب العامل (وإلا) فلو كان مجرد الشيء الحسن موجباً للثواب بلا أي شرط (لا يثب العارف بالله تعالى خاصة) بدون اعتراف بالنبوة أصلاً أو نبوة نبينا (ص) وذلك باطل بالضرورة، وقد خالف في ذلك بعض زاعمين ان الثواب مرتب على الشيء الحسن مطلقاً، وكلامهم عارٍ عن الدلــيل ولو استدل لهم بالمطلقات كقوله (ص) في أول البعثة : (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) أو (من قال لا إله إلا الله كان له من الأجر كذا) قلنا : لابد من تقييد ذلك بالمقيدات كقوله تعالى : (أوفوا بعهدي أوف بعهدكم) وغير ذلك (وهو مشروط بالموافاة) بمعنى ان الثواب مشروط بوفاء العبد بإيمانه إلى حال موته، فلو آمن وعمل صالحاً ثم أشرك لم يثب على إيمانه وعمله (لقوله تعالى : (لئن أشركت ليحبطن عملك) وقوله تعالى : (ومن يرتدد منكم عن دينه) فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) وهل أن ذلك من جهة عدم الثواب من أول الأمر لما يعلم الله تعالى من سوء عاقبته والثواب مشروط بعدم سوء العاقبة أم من جهة ان الشرك يمحق الثواب من حين الشرك؟ الأقوى الثاني لظهور الإحباط في ذلك خلافاً للمصنف (ره) لما يأتي في المسألة التالية: (مسألة) الإحباط هو محق السيئة والكفر الأعمال الحسنة والإيمان المتقدم، بمعنى أنه لو آمن العبد أُثيب ثم إذا كفر ذهب ثوابه وكذلك لو عمل صالحاً أُثيب ثم إذا صــدر منه عصيان ذهب ثوابه، والتكفير هو محق الإيمان والعمل الصالح الكفر المتقدم والأعمال السيئة. (و) قد اختلفوا في الإحباط بهذا الــمعنى فالمصنف (ره) على أن (الإحباط باطل) واستدل لذلك بدليلين عقلي وسمعي : فالأول ـ ما أشار إليه بقوله : (لاستلزامه الظلم) لأنه يستلزم أن يكون من أساء وأطاع وكانت إساءته أكثر بمنزلة من لم يحسن ويكون من كان إحسانه أكثر بمنزلة من لم يسيء وإن تساوياً يكون بمنزلة من لم يحسن ولم يسيء وليس كذلك عند العقلاء والثاني ـ ما أشار إليه بقوله : (ولقوله تعالى : (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره) ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) والايفاء بوعده ووعيده واجب ولا يكون الإيفاء إذا قلنا بالإحباط، لكن الأقوى في النظر وفاقاً لغير واحد من المحققين وجود الإحباط بهذا المعنى لصراحة الآيات والأخبار في ذلك كصراحتها في التكفير. (والدليلان لا يخفى ما فيهما : (أما الأول) فلبداهة أن العقلاء لا ينسبون إلى الظلم المولى الذي قال لعبده بأنك إن فعلت كذا كان لك مقدار كذا من الأجر لكن إن فعلت القبيح الكذائي بعده أحبطت عملك ولم أعطك من أجرك شيئاً فبقاء ثوابك مشروط بعدم ذلك العمل القبيح، كما أنهم لا ينسبون إلى الظلم من قال في عكسه بأنك أيها العبد إن فعلت القبيح كان عليك المقدار الكذائي من العقاب لكن إذا أتيت بالحسن الكذائي بعده كفرت عنك سيئتك (وأما الثاني) فإن هذه الآية بدليل آيات الإحباط والتكفير مقيدة إن لم نقل بالتقيد لأنها في مقام أصل جزاء الأعمال لا سائر الخصوصيات هذا مضافاً إلى أنها مخالفة للشرط الذي يذكره المصنف (ره) أيضاً فكلانا نحتاج عن الجواب عنها. بقي في المقام شيء وهو أن أبا هاشم قال بالموازنة، بمعنى انه توزن الأعمال القبيحة والحسنة فإن زادت الأولى على الأخرى أسقط عن الأولى بمقدار الأخرى وبقي للأولى بقية يعاقب بها وإن زادت الأخرى بمقدار الأولى وبقي للأخرى بقية يثاب بها وإن تساويتا كان كمن لم يفعل شيئاً. (و) رده المصنف (ره) بقوله : (لعدم الأولوية إذا كان الآخر ضعفاً) فلو فرض ان الثواب إثنان والعقاب واحد لم يكن سقوط الثواب الثاني بإزاء العقاب أولى من سقوط الثواب الأول بإزائه لأنه ترجيح من غير مرجح، فيبقى ان يسقط الثواب مطلقاً وهو خلاف مذهبه أو يبقى مطلقاً وهو المطلوب فيعاقب قدر عقاب واحد ويثاب قدر ثوابين. (وحصول المتناقضين مع التساوي) فلو فرض ان الثواب بقدر العقاب فإن تقدم إسقاط أحدهما للآخر لم يسقط الباقي بالمعدوم لاستحالة صيرورة المعدوم والمغلوب غالباً ومؤثراً وإن تقارنا لزم وجودهما وعدمهما معاً لأن وجود كل منهما ينفي وجود الآخر فيلزم وجودهما حال عدمهما، وذلك جمع بين النقيضين. هذا شرح العبارة ونقول : ولو فرض زيادة أحدهما لا بمقدار الضعف لزم الترجيح بلا مرجح أيضاً، إذ لو فرض ان الثواب أربعة والعقاب ستة لم تكن هذه الأربعة من الستة أولى بالسقوط من الأربعة الأخرى من الستة مثلاً : لو فرضنا الستة (أ ب ج د هـ و) لم يكن سقوط (أبجد) أولى من سقوط (جد هو) أو (أب هـ و) أو سائر التراكيب الممكنة. والأقوى في النظر صحة مذهب أبي هاشم وان في بعض الأعمال يقع الإحباط والتكفير وفي بعضها تقع الموازنة لدلالة السمع على كليهما، وما ذكره المصنف (ره) في رد مذهبه منظور فيه إذ لا يحتاج الترجيح في هذه المقامات إلى الأولوية، ولذا من طلب من زيد ديناراً وطلب زيد منه دينارين سقط دينار بالموازنة وبقي عليه دينار واحد، وقد مثلوا لذلك بطريقي الهارب ورغيفي الجائع، كما انه لا يحتاج التساقط في المتساويين إلى شيء إذ ليس هناك وجود أصلي بل ان الله تعالى يعطي كذا لمن فعل كذا من الثواب ولا مانع من عدم إعطائه تعالى ذلك الثواب إذا فعل بقدره من القبيح الموجب للعقاب فيكون كما لو طلب زيد من عمرو ديناراً وعمرو من زيد ديناراً فإنهما يتساقطان. (مسألة) في خلود العذاب وانقطاعه (والكافر) إن كان معانداً فهو (مخلد) بضرورة دين الإسلام، وخلاف بعض الحكماء كخلافهم في سائر الضروريات لا يستحق اعتناءاً والأخبار والآيات بذلك متواتر بلا فوق التواتر، وإن لم يكن معانداً بأن كان قاصراً فالأقوى انه يمتحن كما هو مقتضى قواعد العدل، ويؤيد ذلك جملة من النصوص، والقول بأن كل كافر معاند مصادم للضرورة (وعذاب صاحب الكبيرة ينقطع) للسمع الدال على ذلك لا لما ذكره المصنف (ره) بقوله : (لاستحقاقه الثواب بإيمانه) إذ لا دليل عقلي على ذلك فمن الجائز عقلاً اشتراط الثواب على الإيمان بعدم الكبيرة إما إحباطاً ـ كما اخترنا جواز الإحباط في الجملة ـ وإما اشتراطاً ـ كما اختاره المصنف (ره) ـ (و) لا لما ذكره بقوله : (لقبحه عند العقلاء) إذ لا دخل للعقل في هذا مضافاً إلى أن العقلاء يجوزون أن يكون الإيمان وجميع أعمال الخير مشروطاً ثوابها بعدم الكبيرة. وما ذكره العلامة (ره) من أنه يلزم أن يكون المؤمن الذي عصى مرة واحدة كالمشرك مدة عمره وذلك محال لقبحه عند العقلاء محل تأمل إذ الاشتراك في الخلود لا يلازم الاشتراك في كيفية العذاب، فمن الجائز عقلاً أن يكونا مخلدين مع كون نسبة عذاب هذا إلى عذاب ذاك كنسبة معصيتهما. والحاصل إنّا وإن كنا نوافق المصنف (ره) على المدعي لكنه لا بدليله بل بالأخبار والأحاديث. إستدل من قال بدوام عذاب العاصي بأمرين (الأول) الآيات الدالة على خلود العاصي كقوله تعالى : (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها) وقوله تعالى : (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاءه جهنم خالداً فيها) . (و) الجواب ان (السمعيات متأولة) بالآيات والأخبار الكثيرة الدالة على عدم خلود الكافر ونحوه وان أهل الكبائر يخرجون من النار أو يعفى عنهم ابتداءاً بالشفاعة، فما دل على خلودهم لابد وان يتأول بأن ذلك إذا كانوا كفاراً أو ان المراد بالخلود اللبث الطويل لاستعماله مجازاً فيه. (الثاني) ـ العقل لما تقدم من أن الثواب والعقاب يجب دوامهما. (و) الجواب أن (دوام العقاب مختص بالكافر) ونحوه، والدليل العقلي السابق قد عرفت ما فيه. |