|
۞ سورة المائدة ۞ مدنية وهي مئة وعشرون آية |
|
* شروط النصر (وإذ قال موسى لقومه: يا قوم! اذكروا نعمة الله عليكم: إذ جعل فيكم أنبياء، وجعلكم ملوكاً، وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين * يا قوم! ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين*. قالوا: يا موسى! إن فيها قوماً جبارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون*. قال رجلان – من الذي يخافون، أنعم الله عليهما – : ادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون. وعلى الله فتوكلوا، إن كنتم مؤمنين. قالوا: يا موسى ! إنا لن ندخلها – أبداً – ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك، فقاتلا، إنا – ها هنا – قاعدون *. قال: رب! إني لا أملك إلا نفسي وأخي، فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين*.. قال: فإنها محرمة عليهم أربعين سنة، يتيهون في الأرض. فلا تأس على القوم الفاسقين*). [ سورة المائدة: 20ـ26]. الناس على قسمين: 1ـ القسم الأول: من يتمتعون بسلامة التفكير، فيفكرون جيداً، ويقيمون الأمور تقيماً دقيقاً، ويقدرون النتائج تقديراً صحيحاً، فيطمعون في إيجابيات ويخافون سلبيات، فينطلقون – في تصرفاتهم – بدافع الطمع أو الخوف، ليس في موقفهم من الله – تعالى – فحسب، كما قال: ( ... وادعوه خوفاً وطمعاً)(1)، وإنما في جميع مواقفهم من سائر الأشخاص والأشياء، فتطبعهم نازعتا: الطمع والخوف. وهذا القسم، هو القسم السليم. 2ـ القسم الثاني: من لا يتمتعون بسلامة التفكير، فلا يطمعون ولا يخافون – أي: لا تحركهم مقاييس الطمع والخوف – ، كالمجانين والمعتوهين، أو يندفعون بدافع الطمع فقط، فلا يخافون، أي: لا يبالون. وهذا القسم، هو القسم المنحرف. فمادة الخوف في الفرد، تدل على سلامته في التفكير. وعدمها، يدل على عدم سلامته في التفكير. ولذلك: ظهر هذان الرجلان – في الآية – بطابع الخوف، بدون ذكر مصدر له. فهما: (... من الذي يخافون ..)،ولم يتبع بقوله: (من الله، أو من الناس، أو من النتائج الوخيمة ..) مثلاً، لأن المقصود بيان صفة الرجلين، وهي: أنهما من الذي ينطلقون – في تصرفاتهم – من موقع الخوف، وليس المقصود بيان ما ينبغي الخوف منه. ومما يلفت الانتباه في الآية: أن الذين خافوا من اقتحام مدينة الجبارين ما داموا فيها، لم يعتبروا ( .. من الذي يخافون ..)، بينما الرجلان اللذان لم يخافا من اقتحامها، وشجعا الآخرين على اقتحامها، اعتبرا (.. من الذي يخافون ..). ولعل السبب: الخوف قسمان: خوف كاذب وخوف صادق. والخوف الكاذب ليس خوفاً، والخوف الصادق هو الخوف. والذين رفضوا اقتحام مدينة الجبارين، كان خوفهم كاذباً. واللذان شجعا على اقتحامها، كان خوفهم صادقاً. فالآية: لم تعتبر أولئك (... من الذي يخافون ..)، لأن، خوفهم كان خطأ. واعتبرت هذين (.. من الذين يخافون ..)، لصحة خوفهم. وإذا أردنا فرز الخوف الكاذب والخوف الصادق، نقول: إن تحقيق أي هدف يحتاج إلى التضحية بشيء من الطاقة، التي تتمثل في الوقت والجهد، وربما يضاف إليهما المال أو النفس. كما أن لكل هدف يتحقق، سلبيات وإيجابيات: فإذا كانت إيجابيات هدف أرجح – في الميزان – من سلبياته، ومن التضحية التي يكلفها، كان هذا الهدف حسناً يلزم تحقيقه، وتحمل سلبياته وتضحيته. وإذا كانت إيجابيات هدف أخف – في الميزان – من سلبياته، ومن التضحية التي يكلفها، كان هذا الهدف شيئاً يلزم إهماله، والخوف من سلبياته وتضحيته. وفتح مدينة محصّنة، هدف يكلف تحقيقه كثيراً من الجهد والوقت والمال والأنفس: غير أن هذا الهدف، إذا كان استجابة لشهوة حاكم في المزيد من التسلط، كان هدفاً سيئاً يلزم إهماله، والخوف من سلبياته و تضحياته. وإذا كان لإنقاذ مصير أمة من طغيان الظالمين، كان هدفاً حسناً يلزم تحقيقه، وتحمل سلبياته وتضحياته. بل يلزم الخوف من إهمال مثل هذا الهدف، لأن إنقاذ مصير أمة من عبث الظالمين، وإن كانت له سلبيات وتضحيات، إلا أنها أقل بكثير من السلبيات والتضحيات التي تترتب على إبقاء الظالمين على دفة الحكم: فالشجعان – الذين يتمتعون بمقاييس سليمة – هم الذين يخافون من سلبيات الإبقاء على الظالمين، ويتحملون سلبيات القضاء عليهم. والجبناء – الذي يعانون من ارتباك المقاييس – هم الذين يخافون من سلبيات القضاء على الظالمين، ويتحملون سلبيات الإبقاء عليهم. ونتيجة: الشجاع يضحي أقل، وهو مرفوع الرأس، والجبان يضحي أكثر، وهو مطأطأ الرأس. وفي موضوع الآية، كان على بني إسرائيل أن يدخلوا (.. الأرض المقدسة ..) لإنقاذ مصيرهم، فاقتحامها كان لصالحهم مهما كانت التضحيات. ولكنهم جبنوا عن التضحية ببعضهم في ساحة القتال، وفضلوا عليها المصير القلق. فخوفهم من القتال كان كاذباً، وخوف الرجلين من استمرار القلق كان صادقاً. ( .. أنعم الله عليهما .. ) بنعمة سلامة التفكير: فالذي وهبه الله العقل، أنعم عليه بكل شيء. والذي لم يهبه العقل، لم ينعم عليه بشيء وإن وهبه كل شيء. (ادخلوا عليهم): العمالقة، (الباب): باب (الأرض المقدسة)، واقتحموها. (فإذا دخلتموه فإنكم غالبون). فأولاً: ـ الحكم العمالقي منخور من داخله، والعمالقة قد بطروا وتميّعوا، فلا يستطيعون المقاومة والصمود. ثانياً: ـ والشعب العمالقي ناقم ومتذمر من الاستبداد، فهو – بدوره – مضطهد يبحث عن من ينقذه. ثالثاً: ـ وأنتم ـ كجيش منظم وثائر، له رصيد هائل من الظلامات ـ إذا دخلتم مدينة أعدائكم، فإنكم ستقطعونهم من جيوشهم المنتشرة خارج (الأرض المقدسة)، ولا تجدون أمامكم إلا مجموعة مترهلة من الحرس الداخلي، الذي لم يتهيأ لمقاومة جيش ثائر. رابعاً: وهم سينهارون لمجرد سماع أخباركم، لمعرفتهم بجرائمهم الكثيرة، ولتصورهم بأنكم طالما خرجتم من تحت الأرض لغزوهم، فقد أصبحتم أقوى منهم. خامساً: ـ حقيقة: أن لكل تحول أحكامه، وأن لكل مرحلة معطياتها. فالإنسان في وضع لا يستطيع استيعاب وضع آخر: فالفقير لا يستطيع استيعاب وضعه ـ هو بالذات ـ إذا أصبح غنياً. والمحكوم لا يقدر أن يتصور ذاته، إذا غدا حاكماً. فكل فرد عرف ملابسات واقعه، فإذا تحول عنه إلى واقع آخر، فوجئ بملابسات جديدة لم تكن تخطر له على بال. وأي جيش ـ قبل أن يخوض معركة ـ ربما يعاني من سلبيات كثيرة تترك مكانها لإيجابيات أكثر، بمجرد خوضه المعركة. كما أن الفرد ـ إذا تورط في أزمة ـ تتضح أمامه سبل وأساليب، لم يكن من الممكن أن يتصورها قبل تجربته للأزمة. وهكذا .. كان بنو إسرائيل قبل دخول (الأرض المقدسة). فهم كانوا يأخذون بنظر الاعتبار ضعفهم السابق، وقوة الفراعنة الأسطورية، التي كانوا يتهيبونها وهم تحت نير الاستعباد، فما كانوا يدركون أن جميع المقاييس تتغير مع أول سهم يتحرك من كبد قوس. ولكن الرجلين الواعيين كانا يقولان لهم: (إذا كنتم تريدون الانتصار المادي الدنيوي، فعليكم أن تقتحموا (الأرض المقدسة). وإذا كنتم تزهدون في الانتصار المادي الدنيوي، لأن مطامحكم في السماء، فعليكم ـ أيضاً ـ أن تقتحموا (الأرض المقدسة) مهما كانت النتائج، لأن الله أمركم به). ( وعلى الله فتوكلوا، إن كنتم مؤمنين *). ـ منطق الجيش الإسرائيلي، ليس منطق جيش على الإطلاق. فالجيش ينفّذ الأوامر فور تلقيها من قائده، مهما تدهورت أوضاعه ومعنوياته، وكيفما كان قائده. فكيف بجيش خرج من (مصر) إلى (الأرض المقدسة)، مجاهداً بين يدي رسول من أعاظم رسل الله، حيث الشهادة أحب من النصر ؟! وهذا المنطق يصور بوضوح، النفسية الإسرائيلية المترجرجة، حتى في المجال العسكري، وحتى أمام أعداء (العمالقة)، حيث يفترض أن تنقض عليهم، مهما كانت النتائج. ـ ولو أهملنا كل الاعتبارات في تقييم طبيعة هذا المنطق، فيطمئن إلى أنه سيدافع عنه، ويوفر له وسائل أمنه واستقراره، ويتحمل عنه عناء الجهد والنصب، سواء عمل أم لم يعمل. ولم يكن هذا وضع الجيش الإسرائيلي مع موسى بن عمران، فليس لنبي أن يقاتل مع جيش من الملائكة في جبهات الطغاة، ويوفر للناس جو الهدوء، فهو معلم يدرب الناس على الحياة، وليس أماً حالمة تربي على الكسل والاسترخاء. على أن موسى بن عمران بالذات، كان رجل الضبط والربط، الذي بعثه الله لتدريب بني إسرائيل ـ ومن ورائهم الإنسانية جمعاء ـ على مكارم الأخلاق، والصفات الفاضلة، وقد اختبروه حازماً صارماً، فلم يكونوا يتوقعون منه التجاوب مع دلالهم. وبالفعل: ما جابهوه بهذا التخاذل الأرعن، إلا وصدعهم بأقسى من الموت: (قال: فإنها محرمة عليهم أربعين سنة، يتيهون في الأرض. فلا تأس على القوم الفاسقين*)(2). وأربعون سنة، عمر جيل. فأكلت الصحراء ذلك الجيل، ولم يدخل (الأرض المقدسة) إلا خلفه. 2ـ الجبان الخانع، الذي يفضل الذل على التضحية. وهو وضع بني إسرائيل طوال التاريخ، وفي كل مكان. فهم يتخشعون ولا يترفعون، ويحقدون ولا يثأرون. وهم للقوي أذل من التراب، وعلى الضعيف أشرس من الذئاب. - ومن الطبيعي في مثل هذه الحالة، أن ينشق الجيش، فيندفع قسم منه مع قائده، أو تظهر فيه – على الأقل – مجموعة فدائية تأسو القائد المطعون من الخلف. ولكن لم ينقسم الجيش الإسرائيلي على نفسه، ولم تظهر فيه حركة فدائية. وإنما ظهر فيه رجلان فقط، كان لهما منطق إيجابي، ولكن رجلين لا يشكلان أية نسبة مئوية، ولا يشكلان أية قاعدة قوية يمكن الدفاع أو المناورة بها. - منطق هذين الرجلين، يتلخص في الأخذ بزمام المبادرة. فالمبادرة – دائماً – تضع الطرف الآخر أمام الأمر الواقع، وتسلب منه فرصة التفكير والتدبير، وتلجئه إلى الانفعال والارتجال. وتجارب التاريخ تتظافر على أن الناجح هو الذي يأخذ بزمام المبادرة، فالفعال الحقيقي هو الذي يقوم بالفعل، والمنفعل هو الذي يقوم برد الفعل. ألم يقل الإمام علي (ع): (اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله، ما غزي قوم ـ قط ـ في عقر دارهم، إلا ذلوا(3).)؟! * المتقون: أصحاب الزلفى (إنما يتقبل الله من المتقين*). كما تختلف الأشياء، وكما تختلف الأفراد، هكذا .. تختلف النظم وتختلف الخطوط . واختلافها، لا يعني تباينها في كل شيء، وإنما يعني تباينها في خطوطها العامة. وقد تلتقي مع بعضها في كثير من النقاط، ولكن اختلاف خطوطها العامة يكفي لاعتبارها مختلفة عن بعضها: فالباب يختلف عن القلم، وإن كانا من مادة واحدة . والإنسان يختلف عن الفرس، رغم أنهما من لحم ودم، وتصاميمهما متشابهة. والنظام الجمهوري يختلف عن النظام الملكي، مع أنهما سلطة حاكمة مسلحة هرمية الشكل. والكفر يختلف عن الإيمان، مع العلم بأنهما قد يتفقان في كثير من الإنسانيات، والأخلاقيات، والاجتماعيات، وغيرها.... فكما لا يوجد شيئان متفقان من جميع الجهات في العالم، كذلك: لا يوجد شيئان مختلفان من جميع الجهات في العالم، وإنما يعتبر الاتفاق والاختلاف بالخط العام: فإذا اتحد شيئان في الخط العام، كانا متفقين، ولا يعبأ باختلافهما في الخطوط الفرعية، لأن هذا الخلاف لا يعبر عن فراق جوهر. وإذا تفرق شيئان في الخط العام، كانا مختلفين، ولا ينظر إلى لقائهما في الخطوط الفرعية، لأن هذا اللقاء لا يعبر عن وفاق جوهر. فإنسان وإنسان، يعتبران متفقين، لأن تصميمهما العام واحد، على أنهما مختلفان في المزاج، والأسلوب، والملامح ... والنظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي، يعتبران مختلفين، على أنهما متفقان في الملكية، والإنتاج، والتطوير، والبيع والشراء .... فالخلاف غير الموجه لا يدل على فراق، كما أن اللقاء غير الموجه لا يدل على وفاق. فالخطان المختلفان قد يلتقيان لا عن قصد، وقد يفترقان لا عن قصد. وإنما يصدف اللقاء كما يصدف الفراق، شأن كل الخطوط المتقاطعة. وكل كتلة بشرية، تطبق هذه الفكرة في ولائها وعدائها – سواء تكتلت في إطار: دين، أم حزب، أم مصلحة ..... – فتمنح ولاءها لمن يشاركها في خطها العام وإن ارتكب أخطاء، وتحجب ولائها عمن لا يشاركها في خطها العام وإن شاركها في بعض المواقف. ومشاركته الجانبية لها، محمودة كمكسب جانبي، ولا تقبل حركة عضوية. والله – تعالى – لا يرفض عمل الخير من أي إنسان، إذا استكمل شرائط الخير، فيعتبره مسقطاً لبعض الواجب ومخففاً لشيء من العقاب. ولكنه لا يتقبل العمل إلا من المنسجمين مع خط الله الذي رسمه للإنسان، وهم المتقون الملتزمون: فمن سرق ليتصدق، لا يقبل الله صدقته، لأنه – بانفلاته – يحاول الالتزام. ومن تزني لتطعم المسكين، تستقبل الورود بالنار، وتبني الناشئة من الأعاصير. ومن يدعو إلى الله وهو متلوث بالسيئات، ينام على الشفرات. وكما لا يمكن ذلك في منطق التكوين، لا يمكن في منطق التشريع. وعلى كل فرد، أن يحدد انتماءه وهويته، فبدون انتماء وهوية، لا يعدو مذبذباً، لا يرتكز على قاعدة يمكنه الانطلاق منها. وكل قائد لا بد أن يعرف: من معه؟ ومن عليه ؟ حتى يعرف على أي أساس يتعامل مع الناس، ويتمكن من الاعتماد على مواليه لضرب معاديه. والله يعرف كل شيء من كل أحد، ولكن يريد أن يعرف خلفاءه في الأرض – كقادة – هذا الشيء. فغير المتقين إذا عملوا الواجبات، سقط عنهم بعض العقاب، ولكنه لا يبلغ درجة القبول والزلفى. * الفرد = الجمع القيمة الإنسانية – في الحسابات العليا – واحدة لا تتجزأ، وإن كان يجسدها ويمثلها كل إنسان تجسيداً كاملاً وتمثيلاً كاملاً: فالاعتداء على أي إنسان، اعتداء على القيمة الإنسانية العامة التي تضم الناس جميعاً. وقتل أي إنسان، قتل للقيمة الإنسانية المشاعة في ا لناس جميعاً. كما أن احترام أي إنسان، احترام للقيمة الإنسانية المنتشرة في الناس جميعاً. وإحياء أي إنسان – بإنقاذه من الهلاك – إحياء للقيمة الإنسانية الموزعة في الناس جميعاً. كما أن الأسرة – في الحسابات الدنيا – واحدة لا تتجزأ فالاعتداء على أي فرد منها، يعتبر اعتداء عليها جمعاء. واحترام أي فرد منها، يعتبر احتراماً لها جمعاء. وكما أن التجمعات المهنية أو النضالية – في الحسابات المدنية – تجعل المجموعة المشدودة برباط مهنة أو حركة، واحدة لا تتجزأ، في تعامل الجهات الأخر معها، حتى تتحرك – بكاملها – للدفاع عن أي فرد منها، تماماً .. كما يتحرك الجسد – كله – انتصاراً لأي عضو منه. فقتل النفس الإنسانية الواحدة، بمثابة قتل جميع الأنفس الإنسانية. وإحياؤها، بمثابة إحياء جميع الأنفس الإنسانية: 1ـ ويبقى مكان التشبيه: فقتل النفس الواحدة، ليس قتلاً حقيقياً لجميع الأنفس. وإحياؤها، ليس إحياءً حقيقياً لجميع الأنفس. ولذلك: تكررت كلمة (كأنما) في الآية. 2ـ إن النفس الإنسانية الواحدة تمثل الإنسانية، طالما تتحرك خلال المقاييس ذاتها. فإذا شذت عن نطاق الإنسانية، لا تبقى ممثلة للإنسانية، فيحل أو يجب قتلها، لأنها فقدت إنسانيتها، ففقدت احترام الإنسان. والإنسان لا يفقد إنسانيته، إلا بأحد أمرين: 1ـ الاعتداء القاتل على غيره، فإذا قتل من لا يحل قتله، فقد إنسانيته. 2ـ الاعتداء المهين على الآخرين، وإن لم يؤد إلى القتل كاقتحام البيوت لسلب الأموال أو اغتصاب الأعراض، أو شهر السلاح في وجوه الآخرين لإرعابهم. فـ (من قتل نفساً) محترمة، (بغر نفس) أي: بدون أن تكون قد قتلت نفساً محترمة. (أو) قتل نفساً محترمة بغير (فساد في الأرض)، (فـ) هذا الشخص القاتل (كأنما قتل الناس جميعاً)، لقتله من يمثل الإنسانية جمعاء. (ومن أحياها) بإنقاذها من هلاك، (فكأنما أحيا الناس جميعاً). - الرمز، هو الإشارة إلى شيء. وكما تتم الإشارة بكلمة هذا وذاك، أو بإيماءة إصبع وغمزة عين، كذلك: تتم الإشارة باعتبار شيء معين إشارة إلى شيء آخر، فيلخص الشيء الأول جميع مفاهيم ودلالات الشيء الثاني، ويكون رمزه: فمقام (الجندي المجهول) يعبر عن الجندية، ابتداء من الجندي البسيط وانتهاء بالقائد الأعلى، حتى أن تكريمه تكريم لكل المنخرطين في السلك العسكري، وتوهينه توهين لهم جميعاً. وقطعة قماش ملونة، تعتبر (علماً) لدولة، يحمل كل اعتباراتها، حتى أن رفعه يدل على شموخها، وتنكيسه يدل على حزنها. - واختيار الرمز، يتم – عادة – لأحد سببين: 1ـ أن المرموز إليه، واسع يصعب التعامل معه. كالدولة التي تطلق على مجموعة مؤسسات واسعة منتشرة، تسيطر على شعب معين. فيرمز إليها بقلم، لتسهيل التعامل معها، والتعبير عنها. 2ـ أن المرموز إليه، بعيد المنال ، لا يمكن ـ أو لا يسهل ـ التعامل معه: مثل الله تعالى، الذي هو متعال، لا يمكن التمثل المحسوس تجاهه لإبداء موقف إيجابي أو سلبي منه، فيرمز إليه بالكعبة، حتى يمكن إبداء المواقف منه من خلال رمزه. ومثل رئيس الدولة، الذي يتحجب عن جمهور شعبه، فلا يسهل لأي فرد إبراز العواطف – سلبية أو إيجابية – تجاهه، فيرمز إليه بتمثاله، حتى يسهل إبراز العواطف تجاهه. - والرمز قد يكون غير واقعي، يتواضع عليه من لهم صلاحية تعيين الرموز: كمقام الجندي المجهول، والقلم، والكعبة، والتمثال، وأمثالها ... وربما يكون واقعياً: كالأب الذي يرمز إلى عائلته، وكالعضو الذي يرمز إلى الجسد. وفي الاعتبار الطبيعي للسماء: أن البشر – جميعاً – كيان واحد، التقى فيه السماء بالأرض، لتمكين الأرض من العروج إلى السماء. وهو – في جميع نماذجه – خلق الله المفضل، والمرشح لمعرفة الله وعبادته، والأقدر – من سائر المخلوقات – على التعامل مع الله، فهو – بطبيعة تركيبته، وبهدف إيجاده – سيد الكائنات، وأسمى ثمرات الوجود. ولا يطرد من هذا المقام المقدس، إلا إذا تحول – هو - إلى الخط المعاكس، فأعلن نفسه عنصراً مدمراً يتمرد على الله، ويناقض البشر في بقية نماذجه. وهذا التحول، يحدث الانشقاق في البشر، لفرزه إلى جبهتين: 1ـ جبهة إيجابية، منسجمة مع ذاتها، ومتفاعلة مع الكون والحياة من حولها. وهي جبهة المؤمنين بالله. 2ـ جبهة سلبية، مناقضة لذاتها، ومنافقة مع الكون والحياة من حولها، وهي جبهة الملحدين في الله. ولكن: قبل أن يحدث هذا الانشقاق في البشر، أو قبل أن ينظر إلى البشر من خلال هذا الانشقاق، يبقى البشر – في جميع نماذجه – بشراً مؤهلاً لسيادة الكائنات. ويعتبر كل نموذج منه بالقياس إلى كله، بمثابة العضو الواحد بالقياس إلى الجسد الكامل. وإذا اختلفت الطاقات، في نماذج البشر، فلا يعني أن النموذج الذي تكون طاقاته قليلة، ليس بالقياس إلى البشر ككل، بمثابة العضو بالقياس إلى الجسد. وإنما يدل على اختلاف مواضع النماذج من الكل، حسب اختلاف طاقاتها، كاختلاف مواضع الأعضاء من الجسد، حسب اختلاف أهميتها. ويبقى النموذج الواحد من الكل – مهما انخفض مستواه – ، بمثابة العضو من الجسد الكامل – مهما انخفضت أهميته – . والنموذج الواحد من البشر كله، رمزه الواقع، لأن الناس لم يتواضعوا على اعتبار الواحد رمز الكل. فالنموذج الواحد، يحمل في جوهره حصة من البشر، بلا حاجة إلى اعتبار. فالتعامل مع النموذج الواحد – سلباً أو إيجاباً – يعني التعامل مع البشر كله، ذات التعامل. كما أن التعامل مع العضو الواحد – سلباً أو إيجاباً – يعني التعامل مع الجسد الكامل، ذات التعامل. فالقتل – الذي هو أعلى درجات السلب – إذا وجه إلى نموذج واحد، يساوي توجيهه إلى البشر كله. والإحياء – الذي هو أعلى درجات الإيجاب- إذا وجه إلى نموذج واحد، يساوي توجيهه إلى البشر كله. * ابتغاء الوسيلة إلى الله ( يا أيها الذين آمنوا! اتقوا الله، وابتغوا إليه الوسيلة، وجاهدوا في سبيله، لعلكم تفلحون*). 1ـ التوسل ليس شركاً، وليس مباحاً، بل واجباً أمرنا به. فالشرك هو الاعتقاد باستقلال غير الله بالتصرف في المختصات بالله، واتخاذ وسيلة لم يأذن الله بها: (ويعبدون ـ من دون الله ـ ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ويقولون: هؤلاء .. شفعاؤنا عند الله. قل: أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ؟! سبحانه وتعالى عما يشركون*)(4). (ويعبدون من دون الله: ما لم ينزل به سلطاناً، وما لسي لهم به علم. وما للظالمين من نصير *)(5). أما اتخاذ وسيلة أذن الله بها، في غير المختصات الإلهية: فضروري في التسلسل الكوني، وواجب في الشريعة بدليل هذه الآية الكريمة. والمختصات الإلهية،هي التي لم يمنح الله صلاحيتها لأحد من خلقه: كالإيجاد من العدم. وأما الإيجاد من غير العدم، وهو إعطاء الصورة بتركيب مواد موجودة أو تفتيت مركب؛ فهو خلق، ولكنه خلق جديد، أي:تجديد في الخلق، وليس ابتداء للخلق،أي: ليس خلقاً من عدم:فالنحات الذي يعمل تمثالاً، خالق.والرسام الذي يرسم صورة،خالق.والمهندس الذي يعمل بيتاً، خالق. والذي يتكلم بكلمة،خالق لكلمة مسموعة. والذي يكتب كلمة، خالق لكلمة مرسومة.والذي يتحرك أيما تحرك، خالق لتلك الحركة. وكل من يركب الأشياء أو يفككها، خالق... ولم ينزع الله صفة(الخالق) عن غيره، وإنما اعتبرهم خالقين،وأعلن أنه أحسنهم،لأنه يخلق من عدم فيما يبتدئ،ويتقن ما يخلق فيما يركب: (فتبارك الله أحسن الخالقين*)(6). فالخلق من العدم، من المختصات الإلهية،وادعاؤ ه لغيره شرك. وكالمغفرة، فإنها من المختصات الإلهية، لقوله تعالى: (ومن يغفر الذنوب إلا الله؟!....)(7). أما:معرفة الغيب،وشفاء المريض،وإحياء الميت، وإيجاد المخلوق الحي، وما شابه هذه الأمور... فليس من المختصات الإلهية، وإنما هي من الأمور التي منح الله صلاحيتها لغيره من أوليائه،كـ(عيسى بن مريم) الذي منحه الله هذه الصلاحيات، وسجله في القرآن بقوله: (ورسولاً إلى بني إسرائيل:أني قد جئتكم بآية من ربكم:أني أخلق ـ لكم ـ من الطين كهيئة الطير، فأنفخ فيه، فيكون طيراً بإذن الله. وأبرئ:الأكمه،والأبرص.وأحيي الموتى بإذن الله.وأنبئكم بما تأكلون، وما تدخرون في بيوتكم. إن في ذلك لآية لكم، إن كمتم مؤمنين*)(8). و(.. إذن الله..) إشارة إلى أنه لم يكن مستقلاً بالتصرف، وإنما كان يتصرف بمقتضى الصلاحية الممنوحة له من قبل الله، ولكنه يبقى هو المتصرف، كالوزير الذي يتحرك بإرادته المستقلة ولكن من خلال صلاحياته. ونعني بمنح صلاحية شيء، إعطاء القدرة على ذلك الشيء: فالذي يتكلم أو يتحرك، إنما يفعل ذلك بالصلاحية التي منحها الله له، أي: بالقدرة التي أعطاها له، ولولا تلك القدرة لم يستطع كلاماً ولا تحركاً، فكل عمل يعمله إنسان أو غيره، إنما يعمله بإذن الله، أي: بإقدار الله إياه، ولولا إذن الله كان عاجزاً عنه: أ ـ من هنا ... يبدو أن عيسى بن مريم، عندما كان يخلق الطير أو يحيي الموتى، إنما كان يعمله هو، ولم يكن يسأل الله أن يعمله. فهو يقول: (أني أخلق ... وأحيي الموتى)، ولا يقول: (أسأل الله أن يخلق ويحيي). فدوره دور القادر، الذي يتصرف بإرادة مستقلة، حسب رويّته الخاصة. ب ـ تركيزه على ( .... إذن الله ...) لا يعني أنه كان يستأذن الله في أي تصرف يؤديه، وينتظر الإذن. فخلق الطير، وإحياء الأموات .. بالنسبة إليه كالتكلم والمشي ... بالنسبة إلينا، لا يحتاج إلى استئذان لكل شيء، وكصرف الأعمال بالنسبة إلى الوزير. ولكننا لا نقول بإذن الله قبل كل عمل نعمله، والوزير لا يقول بإذن رئيس الدولة قبل كل عمل يصرفه، لأن المقاييس في مجالاتنا وفي مجالات الدولة أصبحت معروفة بالقدر الكافي. بينما المقاييس بالنسبة إلى الله وأوليائه لم تكن معروفة بالقدر الكافي، فما كان أحد من الأولياء يعمل (معجزة) إلا ويتقدم إليه بعض الجهال ليقولوا له: (أنت الله) فكان لا بد من التأكيد على أنه (عبد لله) يعمل بالقدرات التي وهبها الله إياه، ولولاها لكان عاجزاً. ورغم ذلك، قالوا له ما لا ينبغي إلا لله وما لم يدعه لنفسه، فيكف إذا لم يكن يركز على (إذن الله) في معجزاته؟! ج ـ من هذا النوع، ما كان الأولياء يعملونه قبل معجزاتهم. فمثلاً: كان النبي والأئمة (ع) يتوضؤون ويصلون ركعتين أو ركعات، أو يسبحون ويهللون، قبل أداء المعجزة. لا لأن صدور المعجزة منهم كان متوقفاً على الوضوء والصلاة، فالمعجزات بالنسبة إليهم من الأعمال الاعتيادية، تماماً ... كالتكلم والمشي بالنسبة إليهم أو بالنسبة إلينا ، ولكنهم كانوا يفعلون ذلك تأكيداً لعبوديتهم، من أجل صيانة عقائد الناس، حتى لا يغالوا فيهم. وإذا كان (عيسى بن مريم) يجهر بمثل هذه الصلاحيات، وليس إلا أحد (أولي العزم)،فلا مجال للاستنكار أو الاستغراب، إذا رويت ـ أو طلبنا ـ تصرفات مماثلة، ممن هو في مستوى عيسى ابن مريم من أولي العزم أو ممن هو أعظم من عيسى ابن مريم كالنبي محمد (ص). 2ـ إننا نتوسل بأمثالنا من الناس العاديين، في حوائجنا اليومية، فنقول: (أعني على كذا...)، وقال الإمام أمير المؤمنين (ع): (ولكن: أعينوني بورع، واجتهاد، وعفة، وسداد(9))، وفي القرآن: (تعاونوا على البر والتقوى)(10)، (أعينوني بقوة)(11) ... ، ولا يعد ذلك شركاً، رغم قولنا الدائم ـ بوحي من الله ـ.: (إياك نستعين)(12). ونعيّن الولي للميت والقاصر، ولغير الميت والقاصر فيما يتعلق بالموقوفات والمصالح العامة، ودعا إبراهيم: (فهب لي ـ من لدنك ـ ولياً)(13)، وفي القرآن: (فليملل وليّه بالعدل)(14). (ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً)(15). (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)(16)... ولا نعتبره شركاً أو كفراً، مع أن القرآن يقول: (الله ولي الذين آمنوا)(17). (قل: أغير الله اتخذ ولياً ؟!)(18)... ونعبر عن أمثالنا بالمولى، والقرآن يقول: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون)(19). (وإني خفت الموالي من ورائي)(20). (فإن لم تعلموا آباءهم، فإخوانكم في الدين ومواليكم)(21)... مع أن القرآن يخصص التعبير بـ (المولى) عن الله، فيقول: (ذلك: بأن الله مولى الذين آمنوا، وأن الكافرين لا مولى لهم*)(22). ويقول أحدنا: (أنا وكيل عن فلان...)، والقرآن يقول: (وجعلناه هدى لبني إسرائيل، أن لا تتخذوا ـ من دوني ـ وكيلاً*)(23). (رب المشرق والمغرب، لا إله إلا هو، فاتخذه وكيلاً*)(24)... ونعين (الوالي) على البلاد والعباد، والقرآن يقول: (وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له، وما لهم ـ من دونه ـ من والٍ*)(25). وأمثال ذلك كثير في القرآن والحديث. فإذا لم يكن ذلك ـ كله ـ كفراً وشركاً، فكيف يكون التوسل بمثل النبي (ص) ـ الذي هو أقوى وأفضل من جميع خلق الله ـ شركاً أو كفراً؟! 3ـ ما هي الوسيلة؟ أو ليست الأداة المناسبة التي يتوصل بها الإنسان إلى هدفه؟!: فالسلاح التي يقتل بها خصمه، وسيلة للقتل. والخندق الذي يحتمي به من خصمه، وسيلة للنجاة . والقلم الذي يكتب به، وسيلة للكتابة. و(المتر) الذي يمسح به المساحة، وسيلة للمسح. ووزنة (الغرام) التي يزن بها، وسيلة للوزن .. فكل ما يتوصّل به إلى شيء، وسيلة إليه. وإذا جرى هذا القياس في كل شيء: فالصلاة التي يتقرب بها إلى الله، وسيلة إليه. وكل العبادات التي يتزلف بها لديه، وسيلة إليه. والنبي – أو الوصي – الذي يرشد إليه، وسيلة إليه. وتعظيم أولياء الله، وسيلة إليه... 4ـ الله واجب مطلق، والإنسان ممكن بكل ما يعني الممكن من الحاجة والقصور، والفاصل بين الواجب والممكن فاصل كبير، فلا يمكن تفاعل الممكن بالواجب لانعدام السنخية بينهما. والنبي – مثلاً أعلى – وسيلة، له جانبان: تسديد إلهي به يتلقى الفيض، وجانب بشري به يفرغ الفيض – على ما هو ثابت في الفلسفة – . فالتوسل ليس كفراً أو شركاً، وإنما هو: ضروري في التسلسل الكوني، وواجب في الشريعة. فلذلك، أمر القرآن بالبحث عن الوسيلة: (وابتغوا إليه الوسيلة). ـ 2 ـ الإنسان خلق ضعيف بين مخلوقات الكون، لا يملك المجابهة ولا الصمود: فهبة هواء، أو صدمة صخرة، أو مسة وباء، أو نبضة كهرباء، أو أية احتكاكة مع أية طاقة أو مادة .. تسحقه وتمسحه من هندسة الكون، كما قال الإمام أمير المؤمنين (ع): (تقتله الشرقة، وتنتنه العرقة، وتؤذيه البقة)(26). وحتى لو لم يتعرض الإنسان، فإنه يحتاج إلى مقومات كثيرة حتى يبقى، يحتاج إلى: الطعام، والشراب، والكساء، والسكن، والمجتمع، والنظام ... ثم: لا يعيش إلا قليلاً. إن حبة رمل، تعيش ملايين السنين وربما ملياراتها، وتنمو على حساب القوى والمواد الفاعلة في الكون، فتجابه وتنتصر وتبقى، ولا تحتاج إلى: غذاء، ولا كساء، ولا مجتمع... وحتى الحيوان، الذي تشبه تركيبته الجسمية تركيبة الإنسان، أقوى من الإنسان، فهو يعيش – فترته الحياتية – في غنى عن: الكساء، والسكن، والمجتمع والنظام ... وهو – في حد ذاته – أكثر صموداً من الإنسان. فهذا الإنسان الضعيف، لا يملك البقاء في هذا الكون المفعم بالتيارات والتناقضات الساحقة، إذا أراد المجابهة أو الصمود. ولكنه ربما يملك قسطاً من البقاء، إذا اعترف على نفسه بالضعف، ورفع الراية البيضاء، أي: تمسك بالانهزام. ولكنه رتب القوى أمام القوى، والمواد أمام المواد، وعاش في الصفوف الخلفية متستراً بها: مثلاً: إنه لا يستطيع مجابهة طوارئ الجو ولا الصمود أمامها، ولكنه إذا أتى ببعض المواد، ورتبها غرفة أو بيتاً، واحتمى بها من طوارئ الجو، فإنه يملك أن يعيش. لأن تلك المواد تملك الصمود أمام طوارئ الجو، وهو لا يملك. مثلاً: إنه لا يملك مجابهة رصاصة صغيرة ولا الصمود أمامها، ولكنه إ ذا أتى بحفنة رمل، وستر بها، فإنه يملك أن يعيش. لأن حفنة الرمل تملك الصمود أمام رصاصة، وهو لا يملك. فعلى الإنسان، أن يترك المجابهة والصمود للقوى والمواد المتكافئة. أما هو: فليس كفؤاً يجابه أو يقاوم، كل ما يملك أن يتستر ببعض تلك القوى والمواد. تلك .. في مجال الصمود. وأما المجابهة واختراق إرادة الفعاليات الكونية، فإنها أصعب. فلا بد من التستر أكثر: مثلاً: إذا أردت مجابهة المسافات، بحراً أو براً، فعليك أن تتوسل بقوة البخار أو الكهرباء، وإذا أردت مجابهة الجاذبية، فعليك أن تضيف إلى قوة البخار والكهرباء، جهازاً مناسباً بالغ التعقيد، وإذا أدرت أن تخترق مجموعة من القوى والفعاليات – كالانتقال بين الكواكب – فعليك أن تتوسل بمجموعة من القوى والفعاليات أشد، بينها الذرة – مثلاً – . وهكذا .. تتطور الأمور وتتعقد، كلما تطورت المجابهة وتعقدت: مثلاً: إذا أردت الانتقال من عالم إلى عالم – بنجاح – ، فإنك لن تستطيع ذلك بطاقاتك الروحية والجسدية أبداً، فإن الذي لا يستطيع اختراق المسافات والقوى إلا إذا توسل بقوى ومواد مناسبة، وإن الذي لم يستطع – هو ، مع كل البشر من أمثاله – الانتقال من مجرة إلى مجرة، ولا من منظومة شمسية إلى منظومة شمسية مجاورة، كيف يستطيع اختراق جدران العوالم بقواه المجردة؟! إلا إذا توسل بقوى أشد. س: ـ إن الله معنا، وهو يعيننا؟. ج: ـ أو ليس الله معنا في عالمنا هذا ؟! فلماذا لا يعيننا في عالمنا هذا، الضيق المحدود، على ما نريد أو نحتاج؟! ولماذا نتوسل بقوى ومواد مادية، في تمرير شؤوننا البسيطة؟! س: ـ إن الله هو الذي جعل لكل شيء سبباً في العالم؟ ج: ـ وكما جعل لكل شيء سبباً في هذا العالم، وأمرنا بالتعامل مع الكون من خلال تلك الأسباب، كذلك: جعل لكل شيء سبباً في جميع العوالم، وأمرنا بالتعامل مع جميع العوالم من خلال تلك الأسباب. ثم: إن الله معك ولا شك، فهو الذي خلقك وأحاط بك، ولكن: هل أنت مع الله؟ س: ـ وكيف؟ ج: ـ إنك في عالمك هذا، لا تستطيع التعامل مع مظاهره إلا من خلال التوسل بأسباب، رغم أنه عالمك ومتجانس معك. ولا تستطيع الاتصال بكثير من عالمك، بالوسائل المتاحة لديك. ولا تستطيع إجراء أي اتصال بالعوالم، المتجاورة مع عالمك أو المتداخلة في عالمك، رغم أنها ـ كلها ـ ممكنات وأنت من الممكنات، والمفروض أن تساعدك وحدة النوعية على التفاعل معها، فكيف تستطيع التعامل مع الله، وهو الواجب وأنت الممكن، ولا يوجد أي جامع مشترك بينك وبينه، ولا أي تشابه نوعي؟! س: ـ إذن: لا نستطيع التعامل مع الله؟ ج: ـ أبداً ... إلا عبر القنوات التي عيّنها – هو – للتعامل معه. س: ـ وما هي تلك القنوات؟ ج: ـ الرسل والأئمة (ع)، والعبادات. س: ـ فإذا قلت: (يا الله!) أو لا يجيبني؟! ج: ـ إذا لم تدعه عبر القناة التي عيّنها لك، فلن يجيبك. س: ـ ولكني كثيراً ما أدعوه، فيجيبني؟ ج: -. أولاً: أنت ربما تكون مسلماً، فتناديه عبر القناة المعينة لك. ثانياً: إذا أردت التأكد من أنه يجيبك بالفعل، أو أنت تظن ذلك، فاسأله: أن يأخذك في نزهة – خمس دقائق – إلى المريخ، أو اسأله: أن يثبت الماء تحت قدميك، مسافة كيلو متر. وكيف يمكنك الاتصال بالله – مباشرة – والله لم يوح إليك كما أوحى إلى النحل؟! وإنما أرسل إليك الرسل، ثم قال لك: (يا أيها الذين آمنوا! اتقوا الله، وابتغوا إليه الوسيلة). وأعلن: أنه لا يتقبلك إذا حاولت الاتصال به، إلا عبر القنوات التي عينها لك: (.... ولو أنهم – إذ ظلموا أنفسهم – جاؤوك: فاستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله: تواباً، رحيماً*)(27). وهذه الحقيقة، مغروسة في وجدان الناس، فلا يحاولون شيئاً إلا ويبحثون عن سببه ووسيلته. كل هذا ... من جهة. ومن جهة أخرى: يستغرب أصحاب الأذهان المادية، أن يستطيع (الأولياء) التصرف في الكون، فيتساءلون: (كيف يشق النبي وهو على الأرض، (كرة القمر) وهي في الفضاء البعيد؟! وكيف يصلح أمور فلان .. أو فلانة .. وهو ميت في قبره؟! وكيف؟! وكيف؟!...). ولنا أن نتساءل، في المقابل: 1ـ لماذا لا تستغربون عندما يقول العلم: (حينما يحدث انفجار قوي في كرة الشمس في اتجاه الأرض، تنبعث من موضع الانفجار قوة مغناطيسية هائلة نحو الأرض، وحينما تصل تلك القوة إلى الأرض، تحاول اجتذاب قشرة الأرض إلى الأعلى، فيحدث الزلزال)؟! ولكنكم تستغربون إذا قال الدين: (عن قوة روحية هائلة توجهت إلى كرة القمر، فشقتها نصفين. ثم انسحبت تلك القوة، فالتقى الشقان بفعل الجاذبية). 2ـ ولماذا لا تستغربون إذا قال العلم: (أن النسبية العامة هي التي تحفظ كل الأجرام والمنظومات في الفضاء، بأبعاد متناسبة)؟!. وتستغربون إذا قال الدين: (إن الإمام علي (ع) هو ميزان الأعمال). 3ـ ولماذا لا تستغربون من العلم إذا قال: (أن رجلاً رابضاً في قبو تحت الأرض، إذا كبس على زر، انطلق صاروخ من شرق الدنيا، وأصاب هدفاً محدداً في غرب الدنيا، وأحدث دماراً مخيفاً)؟! وتستغربون إذا قال الدين: (إن النبي (ص) من مرقده الشريف – أصاب فلاناً .. فأهلكه، أو نظر برحمة إلى فلانة.. فأنقذها من محنتها). وإذا أردنا تفسير هذه الحقيقة، نستطيع القول: 1ـ أن القوى الفاعلة في الكون ثلاثة أنواع: مادية وشبه مادية وروحية. فكما توجد الذرة، والكهرباء، والبخار والمغناطيس، والنسبية، والقوى العضلية .. كذلك: توجد قوى شبه مادية كالملائكة، والجن، والشياطين .. وهكذا .. توجد قوى روحية: فمثلاً: قد يوجد شخص - من أصل رفيع أو وضيع لا فرق – ليس أكثر شعبه ثقافة، ولا أكثره طموحاً، ولا أكثره شهرة ... ثم يصبح رئيساً، وإلى جانبه الملايين من أصحاب الثقافة، والطموح، والشهرة .. ينحنون أمامه، لمجرد أنه يمتاز بقوة روحية تسيطر على كل من يقابله. ومثلاً: يوجد أنبياء وأولياء، قد لا يمارسون السلطة، ولا يحاولون السيطرة، ولكن الناس يخضعون لهم، ويضحون في سبيل تنفيذ توجيهاتهم. ومثلاً: يوجد (مرتاضون) لا يقدمون إلى الناس شيئاً يذكر، أو لا يقدمون إليهم شيئاً على الإطلاق، ولكن الناس يقدمون إليهم – تلقائياً – من الاحترام والتكريم ما لا يقدر بثمن. وهؤلاء الأشخاص – بغض النظر عن كونهم سلبيين أو إيجابيين – ينطلقون من موقع الروح، ووجودهم يؤكد وجود قوى روحية فاعلة في الحياة. 2ـ أن الكون منظم، دقيق النظام: فلا توجد حبة رمل، ولا وردة فل،، ولا عصفورة، ولا نجمة ... إلا وفق معادلات بالغة الدقة، فلا يضيع شيء في الكون، ولا يوجد ولا يفنى ولا يتغير، إلا وفق تلك المعادلات. والأرواح الخيّرة، التي لم تسقط في تجارب ملايين السنين عبر عوالم عديدة، تنمو – في الجانب الإيجابي – بشكل غير محدود. كما أن الأرواح التي لم تنجح في تجارب ملايين السنين عبر عوالم عديدة، تنمو – في الجانب السلبي – بشكل غير محدود. والله – سبحانه – يضع كل شيء في موضعه الصحيح، فيمنح الأرواح الخيّرة صلاحيات إيجابية تتناسب مع أحجامها، كما منح جبرائيل وميكائيل وإسرافيل... صلاحيات إيجابية تتناسب معها. ويمنح الأرواح الشريرة صلاحيات سلبية تتناسب مع أحجامها، كما منح الشياطين صلاحيات سلبية متناسبة معها. وهذه .. من سنن الله في الخلق: فكما أعطى لكل من الكواكب والنجوم، وحتى لآحاد الحيوان والنبات والجماد، طاقات متجاوبة مع ذاتياتها . هكذا .. أعطى لكل من الأرواح، الخيّرة والشريرة، قدرات متجاوبة مع ذاتياتها. بل هذه .. من سنن الخلق أيضاً: فإذا كانت الحكومات العادلة أو شبه العادلة، تعطي كل واحد من موظفيها صلاحيات بقدره، فتخوّل شخصاً صلاحيات رئيس وزراء، وآخر صلاحيات مدير عام، وثالثاً صلاحيات حاجب، بينما تضع رابعاً في السجن، وتحكم على خامس بالإعدام ... فماذا يمنع أن يعطي الله كل إنسان، ما يستحق أو ما يليق به؟! وإذا صحّ ذلك .. وهو صحيح – فماذا يمنع الله أن يعطي لأفضل خلقه، صلاحيات واسعة يتصرف بها في الكون كله، - طبعاً – وفق المعادلات التي قررها الله في الكون؟! أو هل يستغرب – بعد ذلك – أن يشير النبي (ص): وهو على الأرض، إلى كرة القمر فتنشق ؟! أو يشير إلى شجرة، فتتحرك من موقعها تخرق الأرض؟! أو يبرئ المرضى ؟! أو يكلم الموتى؟!... وكل ما يصح في النبي الأعظم (ص)، يصح في الأئمة (ع) وسائر الأولياء، كل بقدره وحجمه. * المصلحة في خدمة الفكرة (وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم،واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك...) الفكرة توجه الإنسان وتقوم منه، ولكن للمصلحة فعاليتها. وإذا تصارعت الفكرة والمصلحة، فالأقوى منها يقرر مصير الإنسان الذي تصارعتا عليه: فمن كانت إرادته قوية، يشجع الفكرة على الانتصار. ومن كانت إرادته ضعيفة، تنتصر فيه المصلحة على الفكرة. ولذلك: يسعى القرآن لإلغاء الخصام بين الفكرة والمصلحة، ويعمل للتأليف بينهما، حتى تتعاون المصلحة والفكرة على توجيه الإنسان وتقويمه. وحيث أن الفكر الديني واقعي، لا يلقي بالإنسان – مكبلاً في البحر – ويقول له: (إياك .. إياك .. أن تبتل بالماء)، تتوارد الآيات العديدة لتسليط الفكرة الدينية على الحياة، حتى تكون المصالح منساقة مع الفكر الديني، وجارية في خطها العام . لأن منابع المصالح تتلخص في الحياة، فإذا ضبطت بالنظام الديني، لا توجد فيها مصلحة متناقضة مع الفكر الديني. * من أرشيف أمير المؤمنين هذه .. آيات أحكمت كما تحكم الجلاميد، ثم فصّلت كما تفصل الجبال: تحسبها متبعثرة متباعدة، وهي متماسكة متواصلة، تشد كرة الأرض، وتطمئنها أن تميد بأهلها,. فـ (يا أيها الذين آمنوا)، وتسربلوا بالإيمان فكراً وقولاً وعملاً! ليس هذا الإيمان كل ما هو مطلوب منكم، ولستم الفائرين الناجين لمجرد أنكم آمنتم بضمائركم وألسنتكم وجوارحكم. لأنكم – وكل المؤمنين السابقين واللاحقين – معرّضون لتجارب تنفض وتعتصر، لتتبلور الحقائق، وتنقشع الزيوف: فمن عركته التجارب فلم يتراجع، فهو المؤمن الحق، الذي يتعامل مع الحياة من مظلة المؤمنين. و(من يرتد منكم عن دينه)، لبارقة خوف أو بارقة أمل، فليطمئن إلى أنه لا يطبع أي أثر سلبي على ظاهرة الأمة، ولا يترك أي فراغ في الهيكلية الإيمانية، وإنما يستقيل من نفسه ليملأ موقعه مؤمن،لا يتراخى للآمال ولا يهتز للآلام. بل إن ارتداده إلى الخطوط الخلفية، يزوّد المؤمنين بزخم إضافي، يدفعهم إلى الخطوط الأمامية، لا ليملؤوا فراغه فحسب، وإنما ليغسلوا عاره، ويفكروا عن تواجد مثله بينهم: (فسوف يأتي ا لله بقوم) من نوع يخترق الخوف والطمع، فلا تثبطه مخاوف الدنيا ومغرياتها، عن الاستمرار في الخط الجهادي: (يحبهم) الله، لتجردهم له. (ويحبونه) الحب الكامل الصحيح، الذي يعلو على كل حب. وهؤلاء.. حيث يخلصون لله، لا يستنكفون عن: مسح كآبة مكروب، وهدهدة دمعة يتيم، ولا عن أي عمل إنساني في المجتمع الإسلامي ... حتى تراهم كـ: (أذلة على المؤمنين). ولنفس السبب، وبذات المقدار، يتصلبون خارج المجتمع الإسلامي، حتى تراهم أقوى: (أعزة على الكافرين): فـ (يجاهدون في سبيل الله) بلا هوادة. (ولا يخافون) في ذات الله (لومة لائم)، ولا عتاب عاتب، إنما ينفذون أوامر الله مهما كانت النتائج. وهذه المواصفات الفريدة، التي يحظى بها بعض المؤمنين، ليست مكتسبة بجهودهم بمقدار ما هي موهوبة من الله لهم بمقتضى استعدادهم لقبولها. (ذلك فضل الله يؤتيه) بلا مقابل، ولكنه لا يؤتيه من لا يتحملها ويرفضها، وإنما يؤتيه (من يشاء) هو – بمقتضى استعداده – هذا الفضل من الله. (و) كما أن الله آتى هذه المواصفات، لأولئك المؤمنين، هكذا .. يؤتي مثلها كل من توفر فيه الاستعداد، لأن (الله واسع) لا يضيق بأحد، ولكنه – في الوقت نفسه – (عليم*) بدرجات الاستعداد: فلا يضع شيئا في غير محله، ولا يؤتي أحداً أكثر من طاقته. وهذا النمط المتفوق من المؤمنين، هو الذي يتحمل الولاية على المؤمنين. لأنها ولاية أورثها الله رسوله، فلا يورثها – بعد رسوله – غير النمط الأفضل من المؤمنين: (إنما وليكم: الله) ولاية ذاتية، (ورسوله) بتخويل مباشر من الله، (والذين آمنوا). ولكن لا كل المؤمنين، وإنما النمط الأفضل. وإذا كان لا بد من علامة مشخصة تحصر الولاية في شخص معين بعد الرسول، فالعلامة: أنه لا يفوته شيء من الخير، وكمثال لذلك: أنه (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون*). ولعل التعبير بـ: (الذين) عن الواحد، لبيان النوعية المنحصرة في فرد. كالتعبير بـ:(الأمة) عن الواحد، في قوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة....)(28). وبعد تصنيف المؤمنين إلى نوعين: نوع عادي ونوع مفضل، وبعد حصر الولاية في الله ورسوله ومؤمن واحد من النوع المفضل، يأتي دور تصنيف المتظاهرين بالإيمان إلى حزب الله وحزب الشيطان. فالذين يتولون أصحاب الولاية، هم حزب الله:( ومن يتول: الله، ورسوله، والذين آمنوا) المذكورين أعلاه، وينحصرون – بمقتضى الآية السابقة – في فرد أعطى الزكاة وهو راكع، ( .. فـ ...) أولئك حزب الله، و(إن حزب الله هم الغالبون*). ولا داعي لبيان حزب الشيطان، فكل من عدا حزب الله يكون حزب الشيطان. ويلاحظ التسلسل في الآيات والتوالد بين الأفكار التي تتابعت فيها، بأسلوب عفوي يدع كل مقولة ثابتة، لا تبحث عن دليل. هذه الآيات، تعرض للقيادة البشرية العليا العامة، فتفيد: 1ـ القيادة العليا العامة على البشرية جمعاء، أولاً وبالذات، هي لله سبحانه وتعالى. لأنه خلقهم، ويرزقهم، ويحييهم ويميتهم ... فهو أولى بهم من غيرهم، وله أن يقودهم: فيأمرهم وينهاهم، كما تقتضي حكمته العليا. 2ـ القيادة تلك – ثانياً وبالعرض، وبتخويل من الله – للرسول، لأن الله – تعالى – ائتمنه على خلقه، فقال: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم...)(29) ثم وجهه بوحيه، لئلا يتخطى حكمته العليا. وتخصيص الخطاب بالمؤمنين، لم يكن لأن النبي ليس أولى بغير المؤمنين من أنفسهم، وإنما لأن المؤمنين هم الذين يلتزمون بنداء القرآن فعليهم أن يضعوا أنفسهم تحت تصرف النبي، فكأنما الآية تقول: (أيها المؤمنون! ضعوا أنفسكم تحت تصرف الرسول)، بدليل أن النبي كان يتصرف في غير المؤمنين، متى ما اقتضت مصلحة السماء. 3ـ القيادة تلك ـ ثالثاً وبالنيابة عن الرسول – لرجل من المؤمنين، يقيم الصلاة ويتصدق وهو راكع. فهذه الآية، جعلت علامة الشخص الذي يتولى قيادة البشر بعد الرسول،إعطاء خاتم واحد في حالة الركوع. فالتصدق بخاتم واحد حالة الركوع، أصبح العلامة الكبرى للقائد الأعلى للبشر جميعاً. وعلائم الأمور الكبيرة – عادة – تكون أشياء كبيرة، فكيف أصبح التصدق بخاتم واحد – مهما كان ثمنه فهو محدود – علامة لمثل هذا الأمر الواسع العظيم؟ والجواب يحتاج إلى تمهيد مقدمة، هي: أن الأشياء المادية – مهما كانت ضخمة هائلة – لا قيمة لها عند الله: فهذه الكرة الطائرة المشرقة، التي نسميها: (الشمس). وتلك الجزيرة المعلقة، التي نسميها: (القمر). والملايين من أمثالها، والحياة الكونية العامة؟ كلها لا قيمة لها عند الله، لأنها – جميعاً – وجدت بإرادة بسيطة من الله، والله يستطيع محوها وإنشاء أكوان ثانية بإرادة بسيطة ثانية. والذي يوجد بإرادة ويفنى بإرادة، لا قيمة لها عند صاحب الإرادة تلك، مهما كانت عظيمة وجليلة عندنا. فالعظم عندنا، ليس دليل العظم عند الله. لأن مقاييسنا تختلف عن المقاييس عند الله. كمثال: أن الدمية البسيطة موضع اهتمام كبير عند الطفل، يفرح إذا نالها ويبكي إذا انتزعت منه، بينما هي ليست موضع اهتمام أبيه. وإنما هو موضع اهتمام أبيه. بمقدار ما الدمية موضع اهتمامه، فيفرح إذا رزقه ويبكي إذا افتقده. والمواد الكونية محترمة وكريمة عند الإنسان، وليست محترمة وكريمة عند الله، وإنما الإنسان هو محترم وكريم عند الله، بفارق: أن الإنسان يحتاج إلى الكون وليس بإرادته، والله لا يحتاج إلى الإنسان وهو بإرادته. والإنسان ليس – بذاته – محترماً عند الله، وإنما هو – بمقدار اتجاهه إلى الله – محترم. وإذا جرد من الاتجاه إلى الله، لا يختلف عن سائر المواد الكونية، في عدم كونه محترماً عند الله. فجوهر احترام الإنسان عند الله، اتجاهه إلى الله، وإخلاصه لله. وهو يحدد – بكمه وكيفه – قيمة الإنسان، فقيمة الإنسان، بمقدار إخلاصه، وكيفية إخلاصه لله. إذن: فالألوف والملايين لا قيمة لها عند الله، والتصدق بالألوف والملايين – أيضاً – لا قيمة له عند الله، وتصدق الإنسان بكرة الأرض – تحول جوهرة – لا احترام له عند الله. وحتى لو أنفق الإنسان كل ما يملك، وأنفق حتى نفسه، فلا قيمة لهذا الإنفاق إلا بمقدار ما فيه من الإخلاص لله. وقصة: (شهيد الحمار) – كحلقة في مسلسل تاريخي – تحمل دلالة صارخة على واقع الأمر، وإن كان يعتبر – مسرحياً – من الشهداء في جبهة القتال ضد أعداء الله، لعدم إخلاصه لله في إنفاق نفسه. وإذا كان الإخلاص لله – كماً وكيفاً – هو القيمة الأساس عند الله، يحسب لها حسابها ولا ينظر في مظهرها: فإذا كان التصدق بخاتم بسيط مظهراً لإخلاص عظيم، كان هذا التصدق عظيماً إلى درجة عظيمة، يصبح بها علامة القائد الأعلى للبشر أجمع، ويسبب نزول آيات تقرأ آناء الليل وأطراف النهار مدى الدهر لتخليد ذكراه. وإذا كان التصدق بستين خاتماً(30) فارغاً عن الإخلاص لله، ومندفعاً بدافع حب السلطة والظهور، فإنه يصبح خسراناً يسبب نزول آيات: (فلا صدق ، ولا صلى* ولكن: كذب، وتولى* ثم: ذهب إلى أهله يتمطى. * أولى لك فأولى * ثم: أولى لك فأولى.*)(31). وإذا كان التصدق بثلاثة صيعان من الشعير، مظهراً لإخلاص أهل بيت، يصبح سبباً لنزول سورة: (الدهر)(32). وإذا كان التصدق بألوف الأطنان من البر، مظهراً للأنانية وحب الاستعلاء، يصبح خسراناً فادحاً لا يلافى. ففي الحقيقة: لم يكن التصدق بالخاتم رمز القائد الكوني الأعلى، وإنما رمزه ذلك الإخلاص العظيم الذي تقولب بقالب التصدق بخاتم بسيط. وذلك الإخلاص العظيم، إذا تشكل بأي مظهر، يغدو ذلك المظهر. وتشكل – في يوم من الأيام – بضربة سيف، فقال النبي الأكرم : (ضربة علي يوم الخندق، أفضل من عبادة الثقلين)(33)، وقال الإمام الصادق: (ونحن من الثقلين). لا لأن أحداً من البشر لم يضرب بسيف، وإنما لأن الإخلاص الذي تشكل بتلك الضربة يرجح على إخلاص الثقلين، بما فيهم الأئمة الأحد عشر (ع)، إن صح ذلك الحديث. فالقيمة – كلها – كانت لإخلاص الإمام، الذي جعل لكل فتكة سيف، ونبضة فكر، ومدة يد ...، قيمة لا تعادل. لأن إخلاص الإمام، لم يوجد نظيره عند غيره. ولذلك: عندما سئل أحد أصحابه، عن أهم شيء رآه في الإمام، وهو قد رأى الإمام: في ميادين القتال، وعلى منابر البلاغة، وفي رحاب المحاريب ....، قال: (وجدت الله عظيماً في صدره)(34). هذه ... هي جوهرة الإمام، وسر عظمته، وسر عظمة كل ما صدر منه. * الإنسان بين النزعات الخيرة والنزعات الشريرة (وقالت اليهود: يد الله مغلولة. غلت أيديهم، ولعنوا بما قالوا. بل: يداه مبسوطتان، ينفق كيف يشاء ... ) قبل الدخول في مجال فهم هذه الآية، لا بد أن نسجل ونوضح الحديث التالي: (( إن الله قبض بيمينه قبضة من الأرض، ورمى بها، وقال: (هذه .... للجنة)، ولا أبالي. وقبض بشماله قبضة من الأرض، ورمى بها، وقال: (هذه .... للنار)، ولا أبالي )). وفي بعض النصوص إضافة: (بعد أن خلطهما)(35). وقبل الدخول في مجال فهم هذا الحديث، لا بد أن نؤكد على حقيقة بسطناها في تفسير بعض آيات القرآن، وهي: كل كلمة قالب يتسع لمعناه، وقد وضعت اللغات لنقل المعاني من فكر إلى فكر، وواضعو اللغات صاغوا قوالب جاهزة لتداول المعاني التي يعايشها البشر في محيط حياتها. فلغة العرب، وكل لغات البشر، وضعت للتعبير عن الأشياء والحركات والمفاهيم التي يعيشها البشر، ويتعامل معها حياتياً. وبما أن البشر يتحرك من خلال الأشياء والحركات والمفاهيم المادية أو شبه المادية – كالعلم، والروح، والجاذبية، والنسبية .... – من معادلات الأمور المادية، كانت الحركة اللفظية – التي منها اللغات – دائرة في النطاق نفسه، فهي لغات مادية أو شبه مادية. فحينما تتصدى هذه اللغات للمحاولات الماورائية، وحتى للمحاولات المادية التي تكون خارج حياة البشر ومتناول فكره، تصبح هذه اللغات – كلها – عاجزة، لأنها لا تملك الكلمات التي تتطابق مع ما هو خارج عن محيط حياة البشر وفكره. فتضطر إلى نقل الكلمات المادية الضيقة من أبعادها المحدودة إلى المفاهيم المعنوية الواسعة، وعندما تحمل الكلمات أكثر من قدراتها تتحطم ولا تشير إلا إلى أنها حملت أكثر من قدراتها. بالإضافة إلى: أن الحركة اللفظية نوع من المادة، والمادة لا تصلح للتعبير، لأن السنخية ضرورية بين الظرف والمظروف. ولكن لا بد من توجيه الذهنية البشرية إلى ما هو خارج عن حياتها، ولا وسيلة لهذا التوجيه سوى الوحي واللفظ، وليس كل إنسان قادراً على احتكاكة الوحي واستيعابها، فلا بد من استخدام اللفظ كمجرد إشارة أو رمز، لا أكثر. وحتى القرآن حينما يمارس هذا التوجيه، ينزل إلى ما يمكن من الأداة، لأنه يحاول مخاطبة الناس بلغتهم. فيأتي التعبير عن الله بالنور، مع أن الله ليس نوراً، لأنه خالق النور، والخالق غير المخلوق. ولكن حيث لا توجد في اللغة العربية كلمة أفخم وأنبل من كلمة: (النور)، تستخدم هذه الكلمة، لمجرد أنها أفخم وأنبل كلمة في اللغة العربية، لا لأنها تتسع لله . وهذه اللابدية وضرورة التوجيه، يستطردان في كل الكلمات التي تستخدم للإشارة إلى أي شيء مما هو خارج عن محيط حياة البشر. هكذا ... فيمين الله وشماله، كلمتان دون المستوى حملتا أكثر من قدراتهما، فلا يمكن الاتكال على استيعابهما إذن: لا بد أن نبحث عن المعنى الذي تشير إليه كلمة اليمين، أو كلمة الشمال، بالنسبة إلى الله. ويمكن أن نقول: أن اليمين هي الأداة التنفيذية للأمور الشريفة لتظهير إرادة الإنسان، والشمال هي الأداة التنفيذية للأمور غير الشريفة لتظهير إرادة الإنسان . واليمين هي الأداة الأقوى من الشمال، التي هي الأداة غير الأقوى... إلى بقية مواصفات اليمين والشمال. فيمكن أن نأخذ من مفهوم اليد مواصفاتها مجردة من العظم واللحم، وأن نأخذ من الشمال مواصفاتها المجردة أيضاً، فننسبها إلى الله تعالى، فنقول: (يمين الله) ترمز إلى الأدوات التنفيذية للأمور الشريفة لتظهير إرادة الله في الوجود، و(شمال الله) ترمز إلى الأدوات التنفيذية للأمور غير الشريفة لتظهر إرادة الله في الوجود – ونعني بإرادة الله في الوجود، تكامل كل شيء عبر تجربة الحياة – . والأدوات التنفيذية للأمور الشريفة لتظهير إرادة الله في الوجود هي النزعات الخيرة، والأدوات التنفيذية للأمور غير الشريفة لتظهير إرادة الله في الوجود هي النزعات الشريرة. والقبضتان، اللتان قبضهما الله من الأرض بيمينه وشماله، هما أجساد المؤمنين والكافرين. والله خلط القبضتين ببعضهما فأولد المؤمن من الكافر وأولد الكافر من المؤمن، وأوقفهما – معاً – أمام توجيهات الأنبياء وآياته الكتابية والكونية، وهداهما معاً إلى النجدين، ولم يزيلهما صفين متقابلين. فالمعنى: أن الله – تعالى – قبض بالنزعات الخيرة قبضة من الأرض هي أجساد المؤمنين، وقال – كونياً –: (هذه ... إلى الجنة). فالأجساد التي أمسكت بها النزعات الخيرة، وسيرتها في الحياة على تجربة الحق، سترتفع بتصاعد التجربة، حتى تصل إلى أوجها وهو الجنة. ولا يبالي الله بارتفاعها إلى الجنة،لأنها لم تكن أعداءه حتى يكره دخولها الجنة. وقبض الله – تعالى - بالنزعات الشريرة قبضة من الأرض هي أجساد الكافرين، وقال – كونياً - : (هذه .. إلى النار). فالأجساد التي أمسكت بها النزعات الشريرة، وسيرتها في الحياة على تجربة الباطل، ستنحدر بتهابط التجربة، حتى تصل إلى حضيضها وهو النار. ولا يبالي الله بانحدارها إلى النار، لأنها لم تكن أوليائه حتى يكره دخولها النار. فالنزعات الخيرة هي التي دفعت إلى عمل الخير في هذه الحياة، ونتيجته الطبيعية هي الجنة، والنزعات الشريرة هي التي دفعت إلى عمل الشر في هذه الحياة، ونتيجته الطبيعية هي النار. فالله لم يكره المؤمن على الخير، ولا يدخله الجنة اعتباطاً. وهو لم يكره الكافر على الشر، ولا يدخله النار اعتباطاً. يبقى أن نعرف: لماذا اختار أجساداً معينة – هي القبضة بيمينه – وسلط عليها نزعات الخير، واختار أجساداً أخرى – هي القبضة بشماله – وسلط عليها نزعات الشر ؟؟ ويمكن أن نعرف السبب من بقية أعمال الله – تعالى – في الكون: فالله يجمع المتجانسات لا المتنافرات، ولا يلقح الأضداد ببعضها: فالعناصر الخيرة من الأرض، تنادت حتى تكاملت فالتحمت بروح خيرة، فكانت المؤمن. والعناصر الشريرة من الأرض، تنادت حتى تكاملت فالتحمت بروح شريرة، فكانت الكافر. وتنادي العناصر المتجانسة، شيء نجده في كل العمليات الكونية: أو ليست الذرات الصلبة، هي التي تتجاذب في الفضاء، حتى تتألف الكرات الملتهبة أو الباردة؟! أو ليست قطرات المياه، هي التي تتجاذب عبر الأتربة والصخور، حتى تتفجر الأنهار وتتموج البحار؟! أو ليس جسد الإنسان، يأخذ – من الأمواج والمواد الكونية – ما يقيمه، ويبعد ما لا يقيمه؟! إن نظرة أولية إلى التفاعلات الكونية، تدل على أن الله تعالى لا يلاحم إلا بين المتجانسات، ولا يباعد إلا بين المتنافرات. ولا يظلم المتجانسات بتفريقها، ولا يظلم المتنافرات بتجميعها. وليس في عمله الكوني، أي عبث أو اعتباط. فكما في أعماله الكونية من جميع الجهات، هكذا ... في الإنسان في جميع الجهات.. فليس الإنسان إلا جزءاً من الكون، وسنة الله واحدة في أعماله الإنشائية والاستنتاجية، سواء في الإنسان أو في غير الإنسان. غير أن الإنسان قد ينظر إلى أعمال الله في سائر الكون نظرة موضوعية فيقيم حكمة الله فيها، وينظر إلى عمل الله في الإنسان نظرة متميزة فلا يقيم حكمة الله فيه، ويحلو له أن يكون الله تعالى قد اخترق سنته الكونية العامة وفق مصلحته الشخصية. وحينما لا يجد تحيز الله لمصلحة البشر الشخصية، يتساءل ويناقش، ربما يجد مهرباً من واقعه السيئ إلى قناعة تهدهد غروره، أو يتهم الله في عدله، لعله بذلك يجد مهرباً من عذاب ضميره. ولكنه – مهما حاول أو عمل – يبقى جزءاً صغيراً ضعيفاً من الكون، خاضعاً لسنة الله القاهرة التي ليس لها تحويل ولا تبديل. وعندما يشعر البشر بالآلام تمزقه يشكو، ولكنه لا يريد أن يتكلف علاج نفسه، فيحاول الانتقام لآلامه بالانتقاص من الله، ولكن بلا جدوى، فمهما قال لا يزيد هو شيئاً ولا ينقص من الله شيئاً. فاليهود الذين قالوا: (يد الله مغلولة)، (غلت أيديهم) هم، فهم مغلولو الأيدي، لا يستطيعون التصرف في كياناتهم الشخصية، بتغيير أي شيء من أجسادهم أو بتبديل نزعاتهم الروحية. (بل) الله (يداه مبسوطتان)، تحركان كل شيء. وهو (ينفق) بالإيجاد والتنمية، (كيف) ما (يشاء). وقد شاء للكون نظاماً معيناً، فخضع الكون كله لهذا النظام، الذي لا يستطيع البشر – كله البشر – فيه تحريفاً أو تزييفاً. إذا كان (الله) اسماً للقوة الخالقة والمسيرة للكون، فما هي يمينه، وما هي شماله؟؟ ثم: ما هو المراد من الحفنة من الأرض التي قبضها بيمينه، وما هو المراد من الحفنة التي قبضها بشماله؟؟ - يمين الله، هي للقوى الخيرة. - شمال الله، هي للقوى الشريرة. - والحفنة التي قبضها بيمينه، المؤمنون. - والحفنة التي قبضها بشماله، غير المؤمنين. - والجنة، هي منتهى المسيرة الصحيحة. - والنار، هي منتهى المسيرة الخاطئة. والله لا يدخل الجنة أو النار كيفياً، كما لا ينجح ولا يسقط أحداً كيفياً في الدنيا. ولا يعطي الآخرة بدون عمل صحيح. كما لا يعطي الدنيا بدون عمل صحيح. واكتساب الآخرة أصعب من اكتساب الدنيا، لأن الآخرة أسمى من الدنيا، وبلوغ الأسمى أصعب. ولأن الدنيا تكتسب بالطريق الملتوية، لأنها بين يدي الناس فيمكن مغالبتهم عليها بكل ما ينطلي عليهم، فيما الآخرة بين يدي الله ولا ينطلي عليه شيء من مكر الناس وحيلهم. * عقدة اليهودي، وازدواجية المشرك (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا: اليهود، والذين أشركوا). التفاضل بين الناس يقوم – عادة – على كثير من الأسباب: كالنسب، والمال، والمنصب .... ولكنه يبقى بدون جذر فكري يركزه في الأذهان. فالمتفاضلون بهذه الأسباب، يتفاضلون بها، ويتفاخرون بها، ولكنهم يعلمون أن هذا النوع من التفاضل، تقليدي لا يقره الفكر المستقيم، لأن الفكر المستقيم لا يقر التفاضل إلا بالأفكار والأعمال. وبعبارة أدق: الفكر لا يعترف إلا بالفضل الفكري، الذي هو منطلق العمل الفاضل: (.... إن أكرمكم عند الله، أتقاكم ....)(36)، لأن التقوى فكر قبل أن ينعكس على عمل المتقي. ولكن (اليهود) ارتكبوا أكبر جريمة شاملة عندما ركزوا الفضل على (العرق)، وجعلوه في صميم دينهم. فباسم الله، وباسم الدين الذي هو موجه الفكر، أوجدوا التصنيف الظالم للبشر: فصنفوا أنفسهم بـ: (شعب الله المختار)، وقالوا: (نحن، أبناء الله وأحباؤه)(37). وصنفوا سائر البشر تصنيفاً آخر، وقالوا: (إنهم بذور حشرات) . وهكذا .. ربوا في أنفسهم (عقدة العظمة) التي عزلتهم في برج عاجي لا يمكن هدمه – لأنهم جعلوه من صميم دينهم – ، فاستعلوا على سائر الناس، وحاولوا استعبادهم. فرفضهم الآخرون، وابتدأ الصراع الذي دار – طوال تاريخ اليهود – بينهم وبين جميع البشر من سواهم، ذلك الصراع الحامي الذي ذهب الكثيرون – من اليهود وغيرهم – ضحاياه، والذي نجد ملحمة واحدة من ملاحمه – اليوم – على أرض فلسطين. ولقد أشعل اليهود هذا الصراع، وقام الآخرون برد الفعل الطبيعي الذي يبديه كل من اضطهد، ودفع اليهود ثمناً غالياً عليهم، ولكنهم هم الذين أوجدوا الفعل فكان عليهم أن يتحملوا ردود فعلهم. وحيث أوجد اليهود التفاضل العرقي، المرفوض لدى الفكر البشري الموزون، الذي عزلهم في تصور عظمتهم الموهومة، لم يجدوا مخرجاً من عزلتهم إلا بإشاعة التفاضل العرقي في بعض الأوساط، تمهيداً لإسباغ الشرعية على شذوذهم: فأوجدوا (النازية) في الألمان، باعتبارهم شعباً قادراً على فرض شرعية تصوراته على الذهنية العالمية. وأوجدوا (الفاشية) في البسطاء، بالاعتبار نفسه. وبما أن اليهود لم يتمكنوا من ممارسة تصورهم على سطح المجتمع البشري، توسلوا بالأساليب الملتوية للعمل في الظلام، حتى يوحوا إلى أنفسهم بأنهم (شعب الله المختار)، الذي يتصرف بمقدرات الآخرين: فأشعلوا الحروب والثورات، وأوجدوا المبادئ والأحزاب الهدامة ... ولو تتبعنا الأسباب لأكثر مشاكل العالم، لوجدنا مصدرها المنظمة اليهودية العالمية، التي يديرها (النورانيون) – حسب تعبيرهم – . ولذلك: يروي أن رسول الله أوصى بإخراج اليهود من (جزيرة العرب)(38)، حتى لا يكون لهم كيان يكون قاعدة معينة لإثارة المشاكل والفتن بين المسلمين. واليهود أعدى الناس للمسلمين، لأن الإسلام يضرب ركيزتهم الأساسية في كونهم (شعب الله المختار)، عندما يعطي التصور الصحيح والمفهوم عن معنى الألوهة كـ(واجب)، ويضع البشر في موضعه الصحيح من الله كـ(ممكن). ثم: يوقف البشر – جميعاً – أمام الله صفاً واحداً كأسنان المشط، ويؤسس قاعدة طبيعية للتفاضل هي التفاضل بالفكر: (...... إن أكرمكم عند الله، أتقاكم .....)(39). والمشرك: وهو الذي يؤمن بتعدد الإله، أو بتعدد الدافع في الوجود، مثل هذا الإنسان – حيث يؤمن بتعدد الدافع – لا يقدر أن يبقى متماسكاً في خط واحد، وإنما يتعدد خطه بتعدد الدافع الذي يؤمن به. فيعاني انقساماً على نفسه، ويعيش الازدواجية، ويتحطم في نفسه، ويحطم غيره، تماماً ... كالمتفجر الذي تحطم على بعضه. * الكعبة: العظيمة، والمعظمة (جعل الله (الكعبة = البيت الحرام) قياماً للناس. والشهر الحرام، والهدي،والقلائد). 1ـ كعب الشيء: مرتكزه الذي ينتصب عليه، والكعبة: هي الركيزة أو القاعدة التي يستقيم عليها شيء. فهل (الكعبة) قاعدة لشيء معين؟ يمكن أن نقول: لعل كلمة (الكعبة) أطلقت على (البيت الحرام) مجازاً، أي: أنها ليست بالفعل قاعدة لشيء، ولكن حيث أن مظهرها يشبه مظهر القاعدة، صحت تسميتها بالكعبة. ولكن هذا الاحتمال لا يخلو من التسرع في تفسير كلمات السماء، فالأفضل ما ورد من: أن الكعبة قاعدة لـ (البيت المعمور) الكائن في السماء، وهو مطاف الملائكة. 2ـ البيت: هو المسكن الذي يستعمله الناس لأغراض معيشية، وتكون حرمته في استخدامه من قبل شخص محترم يخلع حرمته على بيته كما يخلعها على سائر أشيائه. وأما البيت الذي لا يستعمل لأغراض سكنية، فلا حرمة له، وإن كانت له قيمة مادية تعادل ثمنه. و(الكعبة) بيت، ولكنه بيت (حرام)، له حرمة ترفعه فوق الأغراض السكنية، فلا يجوز استعماله فيها. وإنما يجب تنزيهه، والطواف حوله، والتبرك به، والتوجه إليه في العبادات، وفي بعض المعاملات. فهو: (بيت حرام). وحرمته ليست منعكسة من حرمة الذين يستعملونه ولو لأغراض عبادية، وإنما له حرمة مستقلة عن البشر، فما هو مصدر حرمته؟ 1ـ لعل حرمته من رمزيته، كما يستشعر من قوله تعالى في خصوص بيت المقدس: ( ... وما جعلنا القبلة التي كنت عليها، إلا لنعلم: من يتبع الرسول، ممن ينقلب على عقبيه ...)(40). فبيت المقدس كان مجرد مقياس لإفراز الناس إلى قسمين: قسم يواصل مسيرة الحياة وراء الأنبياء. وقسم مرتجع يتقهقر إلى الجاهلية البدائية. وإذا كان (بيت المقدس) مجرد رمز لله، يقيس به حركة الناس إلى الأمام أو إلى الوراء، فلعل (البيت الحرام) كذلك، وحرمته – كلها – في رمزيته. 2ـ لعل حرمته ذاتية، تعتمد على فاعلية روحية مستقلة. وإلا فلماذا اختار هذه البقعة – بالذات – من الأرض، وجعلها رمزه، ومقياساً لحركة الناس ؟! وقد جاء في أذان إبراهيم الخليل (ع): (أيها الناس ! كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فأجيبوا ربكم(41)). فلماذا اتخذ هذا المكان دون سواه؟! وعندما خطط جبرائيل الكعبة والمسجد الحرام لآدم (ع)، خطّ برجله خطّاً في الأرض وقال: (يا آدم! هذه ... الكعبة)، ثم خط خطاً آخر وقال: (هذا .. المسجد الحرام(42)). فكأن الكعبة كانت قبل تخطيط جبرائيل لآدم، وكذلك المسجد الحرام، وإنما حددهما جبرائيل لآدم. فهل الرمزية سبقت آدم، أو أن شيئاً ذاتياً كان قبل آدم؟؟ يظهر من بعض الحديث، أن لاختيار الله لهذه البقعة – بالذات – رمزه، واتخاذها بيتاً له، لم يكن اعتباطاً – كبقية أفعال الله التي ترفض كل أنواع الاعتباط – وإن كنا لا نعرف أسباب ذلك الاختيار. ولكن في الحديث، إشارات تصلح عناصر لتجميع فكرة: فمثلاً: الكعبة هي نقطة البدء في تكوين الأرض، أو هي الجزيرة الأولى التي ظهرت من الأرض على سطح الماء. ومثلاً: عندما نزل آدم في الهند جيء به إلى هذا المكان، وأمر ببدء العبادة. فقبلت توبته، وسمح له بالبدء في مسيرة الحياة. ومثلاً: أحجار الكعبة غريبة عن تربة (الحجاز)، ولا توجد منها عينة واحدة في جبال (مكة)، وإن كان إبراهيم أتى بها من (جبل أبي قبيس)، ولكن لا توجد عينة واحدة منها في جبل أبي قبيس، فهل خلقها الله بهذه الكمية المحدودة في هذا الجبل واختارها إبراهيم لبناء الكعبة، أو أنها نزلت إلى هذا الجبل وأمر إبراهيم ببناء الكعبة منها؟؟ ومثلاً: (الحجر الأسود) حجر فريد، وقد تم تحليل عينة منه، فظهر أنه ليس من نوع أحجار الأرض، ودعا ذلك الخبراء إلى القول بأنه شهاب نزل من السماء. ثم: لماذا اختار إبراهيم الحجر الأسود وأحجار الكعبة، رغم أنها ليست جميلة المظاهر؟ من هذه العناصر وغيرها، مما نجدها في الأحاديث التي تتحدث عن الكعبة والمسجد الحرام و(الصفا) و(المروة) و(زمزم) و(المشاعر)، نعرف أن لهذه المناطق من الأرض، ولهذه الأحجار – بالذات – فاعليات روحية بالغة الأهمية. وقد أدرك الأنبياء السابقون هذه الفاعليات: فحجوا إلى الكعبة قبل إبراهيم وبعده، وأمضوا فترة شيخوختهم بجوارها، وأوصوا أن يدفنوا في فنائها – حتى مات العشرات منهم بين الصفا والمروة، ودفن سبعون منهم في (حجر إسماعيل) – ، وأمروا أتباعهم بالحج إليها رغم صعوبة السفر إلى مكة والعيش فيها. ويدرك هذه الفاعليات، كل المتخصصين بالقضايا الروحية، حتى من غير المسلمين. وإن كان الرأي العلمي السائد لا يدركها، لأنه منصرف إلى الفعاليات المادية، ولم يبلغ – بعد – مستوى التعامل مع الفعاليات الروحية. من كل ذلك نستخلص: أن لأحجار الكعبة ومشاعر الحج فاعليات روحية، ولذلك – ولغير ذلك – اختارها الله كعبة ومشاعر للمسلمين، وشدد على التعامل معها. وإن كان تعامل عامة المسلمين معها حتى الظهور، يبقى تعاملاً عفوياً ولا شعورياً، ولكنها من الأهمية بمكان الضرورات الأولية، التي لا يمكن أي ارتفاع معنوي بدونها، بحيث لا يمكن الاستغناء عنها، حتى ولو كان التعامل معها لا شعورياً. وفي الحديث: ((.. لما فرغ (إبراهيم) من بناء (البيت)،أمره الله أن يؤذن في الناس بـ (الحج)، فقال: (يا رب! ما يبلغ صوتي)، فقال الله: (إذن، عليك الأذان وعلي البلاغ). وارتفع على (المقام)- وهو يومئذ ملصق بالبيت – ، فارتفع به المقام حتى كان أطول من الجبال. فنادى – وأدخل إصبعه في أذنه، وأقبل بوجهه شرقاً وغرباً – يقول: (أيها الناس! كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق،فأجيبوا ربكم). فأجابوه – من تحت البحور السبعة، ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أطراف الأرض كلها، ومن أصلاب الرجال، ومن أرحام النساء – بالتلبية: (لبيك، اللهم!، لبيك). أو ترونهم يأتون يلبون؟ فمن حج من يؤمئذ إلى يوم القيامة، فهم ممن استجاب الله)(43). وهذا الحديث، يشعر بأن أهمية الكعبة بحيث لم يكتف الله بتعريض الناس لتجربة الكعبة عبر حكم زمني، وإنما أمر الله نبيه العظيم إبراهيم، أن يعرض كل من يأتي إلى هذه الأرض – حتى يوم القيامة – لتجربة الكعبة، قبل أن يأتوا إليها بآلاف السنين. كما أن الله عرضهم لتجربة (الميثاق) في (عالم الذر). 3ـ وإذا صح أن للكعبة فاعلية ذاتية مستقلة، ولها جاذبية تستقطب الأرواح وتوجهها إلى الأعلى، كما تستقطب الطائفين والمصلين وسائر المتعبدين، أو تبث إشعاعات روحية، تحرك ذبذبة العقل في اتجاه مصدره الأول وهو الله – سبحانه وتعالى –، أو بأي شكل آخر ... فقيموميتها للناس تكوينية أيضاً، وليست مجرد تشريعية رمزية. فكان من الطبيعي أن تتكاثف تلك القيمومية، وتنطلق منها الحركات الدينية الكبرى: أ ـ فآدم (ع)، قبلت توبته هناك، وبدأ حركة الحياة، وحركة الدين في الحياة، من هناك. ب ـ وإبراهيم (ع)، بدأ حركته التأسيسية الكبرى من الكعبة، عندما ذهب بإسماعيل وأمه، وأسكنهما في جوار الكعبة. ج ـ والرسول الأكرم (ص)، بدأ الإسلام من حجر إسماعيل، ووضع نقطة بدء الكمال بقوله العظيمة: (قولوا: (لا إله إلا الله)، تفلحوا). د ـ والإمام الحسين (ع)، بدأ ثورة (التصحيح) من مكة، متوجهاً إلى كربلاء المقدسة(44). هـ ـ والإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، يبدأ ثورة (الرجعة الكبرى) من الكعبة، ليلة ظهوره... * القدرة = المسؤولية ( يا أيها الذين آمنوا! عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم). الدعاء إلى الله، مفروض على كل إنسان بمساحة قدرته الفكرية: فمن يستطيع توجيه فرد واحد، تنحصر مسؤوليته في فرد ومن تمتد قدرته إلى أهل بيته، يكون مسؤولاً عنهم جميعاً. ( يا أيها الذين آمنوا! قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ... )(45). ومن تشمل قدرته قطاعاً واسعاً من الناس، تتسع مسؤوليته بسعة ذلك القطاع: (خذ العفو) وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين)(46). تكون قدرته عالمية، تكون مسؤوليته عالمية، (وما أرسلناك إلا كافة للناس .. )(47). فالتطابق بين القدرة والمسؤولية أمر واقعي، لا يصح تجاهله إلا بتجاهل النتيجة. فمن يريد أن يدعو إلى الله، وإلى أي هدف، لا بد أن يكون مؤمناً به ملتزماً – أولاً – حتى يكون جاداً في دعائه، وحتى يؤخذ دعاؤه مأخذ الجد: فالإناء ما لم يمتلئ، لا يطفح. والطاقة ما لم تكن متحركة، لا تحرك. والإنسان ما لم يكن متأثراً، لا يؤثر. وإذا لم يؤمن الإنسان بشيء، فدعاؤه إليه لا يزيده إلا ابتعاداً عنه. وإذا كان مؤمناً به ولم يكن ملتزماً به، فدعاؤه لا يزيد الناس إلا فراراً. وإذا كان مؤمناً به ملتزماً، ولم تتوفر لديه القدرة على التأثير – لقصور في النفس أو تقصير في الغير – ، وحاول التأثير، فلا بد أن يؤثر في الآخرين على حساب التزامه هو، فيتزحزح هو عن موقعه من أجل تثبيت الآخرين على مواقع مماثلة، فيستعين بوسائل غير مشروعة، ومعنى ذلك: أن يربح غيره على حسابه، وهذا .. ما لم يأذن به الله، وقد قال الإمام علي (ع): (وإني لعالم بما يصلحكم .. ولكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي)(48)، فالمهم إنقاذ الإنسان لنفسه قبل إنقاذ الإنسان لنفوس الآخرين. وفي مثل هذه الحالة، قال الله تعالى: (عليكم أنفسكم). لها الأولية والأولوية، إذ لا إيثار في الدين، وإنما الإيثار في الدنيا والاستئثار في الآخرة. فـ (لا يضركم من ضل) عن الصراط المستقيم (إذا اهتديتم) أنتم. فاهتموا بتركيز أنفسكم، وأعطوها الأولوية بجانب العمل لتركيز الآخرين. |
|
(1) - سورة الأعراف: رقم 7 الآية 56. (2) - سورة المائدة: رقم 5 الآية 26. (3) - نهج البلاغة (فيض الإسلام) ـ 94. (4) - سورة يونس: رقم 10 الآية 18. (5) - سورة الحج: رقم 22 الآية 71. (6) ـ سورة المؤمنون:رقم 23 الآية 14 . (7) ـ سورة آل عمران:رقم3 الآية 135. (8) ـ سورة آل عمران: رقم3 الآية 49. (9) - نهج البلاغة (فيض الإسلام) ـ 966. (10) - سورة المائدة: رقم 5 الآية 2. (11) - سورة الكهف: رقم 18 الآية 95. (12) - سورة فاتحة ا لكتاب: رقم 1 الآية 5. (13) - سورة مريم: رقم 19 الآية 5. (14) - سورة البقرة: رقم 2 الآية 282. (15) - سورة الإسراء: رقم 17 الآية 33. (16) - سورة التوبة: رقم 9 الآية 71. (17) - سورة البقرة: رقم 2 الآية 257. (18) - سورة الأنعام: رقم 6 الآية 14. (19) - سورة النساء: رقم 4 الآية 33. (20) - سورة مريم: رقم 19 الآية 5. (21) - سورة الأحزاب: رقم 33 الآية 5. (22) - سورة محمد: رقم 47 الآية 11. (23) - سورة الإسراء: رقم 17 الآية 2. (24) - سورة المزمل: رقم 73 الآية 9. (25) - سورة الرعد: رقم 13 الآية 11. (26) - غرر الحكم ودرر الكلم ـ ونهج البلاغة، قصار الحكم، رقم(419) ص 550ـ صبحي الصالح. (27) - سورة النساء: رقم 4 الآية 64. (28) - سورة النحل: رقم 16 الآية 120. (29) - سورة الأحزاب: رقم 33 الآية 6. (30) - أمالي الصدوق: ص 108. (31) - سورة القيامة : رقم 75 الآية 31ـ 35. (32) - تفسير مجمع البيان: سورة الدهر. (33) - بحار الأنوار: ج39 ـ باب 70ـ. (34) - بحار الأنوار ـ ج23 ـ ص 211 ـ حديث(20). (35) - الأصول من الكافي ـ ج2 ص 5 ـ باب (طينة المؤمن والكافر) حديث (7). (36) - سورة الحجرات: رقم 49 الآية 13. (37) - سورة المائدة: رقم 5 الآية 18. (38) - وسائل الشيعة ج11 كتاب الجهاد باب 52. (39) - سورة الحجرات رقم 49 الآية 13. (40) - سورة البقرة: رقم 2 الآية 143. (41) - تفسير نور الثقلين للعلامة الحويزي ـ ج3/488. (42) - مرآة العقول ج 17 ص 12 باب حج آدم ح 1و2. (43) - تفسير نور الثقلين، للعلامة الحويزي ـ ج3/488. (44) - لما عزم الإمام الحسين (ع) على الخروج إلى العراق، قام خطيباً فقال: ((الحمد لله، وما شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، و((صلى الله عليه وآله وسلم)). خط (الموت) على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق (يعقوب) إلى (يوسف)، وخير لي (مصرع) أنا لاقيه. كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين (النواويس) و(كربلاء)، فيملأن – مني –: أكراشاً جوفاً، وأجربة سغبا. لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضا الله رضانا (أهل البيت)، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين. لن تشذ عن (رسول الله) لحمته، وهي مجموعة له في (حظيرة القدس): تقرّ – بهم – عينه، وينجز لهم وعده. من كان فينا باذلاً مهجته، موطناً – على لقاء الله – نفسه، فليرحل معنا، فإني راحل مصبحاً إن شاء الله)). [ بحار الأنوار، للعلامة المجلسي ـ ج44 /366-367). (45) - سورة التحريم: رقم 66 الآية 6. (46) سورة الأعراف: رقم 7 الآية 199. (47) - سورة سبأ: رقم 34 الآية 28. (48) - نهج البلاغة الخطبة 69 في ذم أصحابه. |