الفهرس

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

(18)

۞ سورة الكهف ۞

مكية وهي مئة وعشر آيات

فكرة التوحيد... وفكرة الشرك...


((واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي: يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم: تريد زينة الحياة الدنيا. ولا تطع من: أغفلنا قلبه عن ذكرنا، واتبع هواه، وكان أمره فرطاً)).

[(سورة الكهف: الآية 28).


ذلك: أن (فكرة التوحيد) حيث توجه الإنسان ـ باستمرار – إلى (الإله الواحد)، تعزز فيه التجمع في اتجاه ذلك الإله الواحد. ومع تشرب الفرد هذه الفكرة، يمتلئ كيانه بفكرة الواحد. وهذا الارتكاز على الوحدانية المطلقة في الله – الذي هو المتجه للإنسان في كله – يؤدي به إلى التعبير عن الوحدانية في كل تصرفه: من قول... وعمل... – من يعي أو لا يعي – وهذا التوجه الوحداني الدائم في الإنسان، يؤدي به إلى نوع فريد من التناسق في كل تصرفه من قول... وعمل... فيكون متركزاً، يهدف شيئاً واحداً في كله، وينجح.

وتسرب فكرة التوحيد إلى تصرف الموحد، ظاهرة شملت حتى (الفن الإسلامي)، ففي الفن الإسلامي من نحت... ورسم... تلتقي الخطوط المتشعبة التي تبدأ من خط واحد غالباً.

بينما غير الموحد يكون منتشراً في تصرفه، لا تجمعه وحدة معينة، ولا يستأثر بنشاطه خط واحد، لأنه لم يتشرب فكرة التوحيد، حتى يعبر عنه في تصرفه.

وهذه ظاهرة بدت في (الفن غير الإسلامي) من الرسم... والنحت... فهو لا يلتقي بخط لا بدءاً... ولا انتهاءً.

وكما في الفن – باعتباره تعبيراً عن مرتكزات الفنان – كذلك في كل تصرفه، متبعثر... متمزق... كحبات العنب التي سلَّ منها (الشمراخ) المعبر عنها بـ: (الفرط).

((وكان أمره فرطاً)) لا يجمعه رباط، ولا يضمه إلى بعضه، لا المنطلق الواحد... ولا الهدف...

فمن تربَّى على (فكرة الشرك) لا يمكن أن يعبر بـ (التوحيد).

الباقيات الصالحات


((المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير – عند ربك – ثواباً، وخير أملاً)).

[(سورة الكهف: الآية 46).


الأعمال قسمان:

1- الأعمال الفانية، وهي: التي تنتهي في حينها. فأكلة أكلتها انتهت فور فراغك منها... ووطر نلته نفد في وقته... وغضبة عبرت عنها – بيد... أو بلسان... – انصرمت بتعبيرها...

2- الأعمال الباقية، وهي: التي لها أمد بعدها. فمؤسسة شيدتها، لا تنتهي فور الانتهاء من تشييدها... وعلماً سجلته، لا ينفد في وقته... وشخصاً بنيته، لا ينصرم ببنائه...

والأعمال الباقية – أيضاً – قسمان:

1- العمل الباقي الصالح. فالإسلام مؤسسة باقية صالحة... وكل عمل صالح جعلته تقليداً أو عرفاً...

قال رسول الله (ص): (إذا مات الإنسان، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)(1).

2- العمل الباقي الطالح. فالمبادئ الشيطانية مؤسسة باقية طالحة... وكل عمل سيء جعلته تقليداً أو عرفاً...

قال رسول الله (ص): (أيما داعٍ دعا إلى ضلالة، فاتبع، فإن عليه مثل أوزار من اتبعه، ولا ينقص من أوزارهم شيئاً. وأيما داع دعا إلى هدى، فاتبع، فإن له مثل أجور من اتبعه، ولا ينقص من أجورهم شيئاً)(2).

معطيات لقاء موسى بالخضر


((فوجدا عبداً من عبادنا، آتيناه رحمة من عندنا، وعلمناه من لدنَّا علما *

قال له موسى: هل أتبعك على أن تعلِّمن مما عُلِّمت رشدا؟ *

قال: إنك لن تستطيع معي صبراً * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً *

قال: ستجدني – إن شاء الله – صابراً، ولا أعصي لك أمراً *

قال: فإن اتَّبعتني، فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً *

فانطلقا...

حتى إذا ركبا في السفينة، خرقها.

قال: أخرقتها لتغرق أهلها؟! لقد جئت شيئاً إمراً! *

قال: ألم أقل: إنك لن تستطيع معي صبراً؟! *

قال: لا تؤاخذني بما نسيت، ولا ترهقني من أمري عسراً *

فانطلقا...

حتى إذا لقيا غلاماً، فقتله.

قال: أقتلت نفساً زكية بغير نفس؟! لقد جئت شيئاً نكرا *

قال: أ لم أقل: إنك لن تستطيع معي صبراً؟! *

قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، قد بلغت من لدني عذراً *

فانطلقا...

حتى إذا أتيا أهل قرية، استطعما أهلها. فأبوا أن يضيفوهما. فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقضَّ، فأقامه.

قال: لو شئت لاتخذت عليه أجراً *

قال: هذا... فراق بيني وبينك. سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً *

أما السفينة:

فكانت لمساكين يعملون في البحر، فأردتُ: أن أعيبها، وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً *

وأما الغلام:

فكان أبواه مؤمنين، فخشينا أن يرهقهما طغياناً... وكفرا * فأردنا: أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة... وأقرب رحماً *

وأما الجدار:

فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحاً، فأراد ربك: أن يبلغا أشدهما، ويستخرجا كنزهما، رحمة من ربك، وما فعلته عن أمري.

ذلك: تأويل ما لم تستطع عليه صبرا *))

[(سورة الكهف: الآيات 65 – 82)]


- 1 -


لهذه القصة القرآنية دلالات... ومعطيات... لا بد من التوقف عليها بعض الوقت:

1- موسى (ع) رسول من الخمسة الكبار المصطفين الذين عهد إليهم الله – تبارك وتعالى – عهوده، فوجد فيهم العزم الأكيد، والقدرة على احتمال الأعباء الباهظة، اللتين لم يجدهما في آدم (ع) حين عهد إليه، فقال:

((ولقد عهدنا إلى آدم – من قبل – فنسي، ولم نجد له عزماً))(3)، فأنزل الله عليهم رسالاته الكبرى. والخضر (ع) – وهو جورج – نبي لا ريب، ولكن لم يثبت أنه رسول، ولو ثبت أنه رسول فليس من (أولي العزم) حتماً. والمفروض في أولي العزم أن مستوياتهم أعلى من مستويات سواهم، وبذلك: استحقوا أعلى المناصب التشريعية، فكيف نجد موسى – في هذه القصة – يتمنى على الخضر أن يستصحبه في تحركاته، ويمنحه نوعاً من الرشد – الروحي... والفكري... – الذي لم يسبق له أن اكتسبه، ولم يسبق له أن وجد شخصاً ناله؟

ج – إن من يصل – من البشر – إلى مستوى (النبوة) الذي يمكنه من الاتصال المباشر بالله، فيكلمه الله، أو يوحي إليه وحيه؛ يوظفه الله وظيفة متناسبة مع درجته في ذلك المستوى:

((تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض: منهم من كلَّم الله، ورفع بعضهم درجات...))(4).

فقد لا يكون لمواهبه امتداد لاستيعاب غيره...

وقد يكون عادلاً، راسخ العدالة خارج المسؤولية، ولا يتحمل العدالة فوق مسرح المسؤولية، فيوظفه وظائف تشريعية تخصه، فيكون نبياً لنفسه في مجال التشريع...

وربما يوظفه بوظائف تكوينية لا تجعله على مسرح المسؤولية، وإنما يكون أشبه بالعلماء الكيمياويين والتكنولوجيين وغيرهم، الذين يحركون الحياة من مختبراتهم ومعاملهم، لا من تحت أقواس العدالة؛ فيكون نبياً واسع الصلاحية في مجال التكوين...

وقد يكون لمواهبه امتداد لاستيعاب غيره، فيحتمل ممارسة العدالة فوق مسرح المسؤولية، ولا تكون مواهبه متجاوبة مع العمل التكويني الدقيق المرهق، فيوظفه بوظائف تشريعية متطابقة – في حجمها – مع حجم مواهبه؛ فيكون نبياً واسع الصلاحية في مجال التشريع...

وقد لا يكون له أثر في مجال التكوين، فيكون نبياً أشبه بالمحامين أو الحكام أو النواب، الذين يحسنون التحرك تحت أقواس العدالة فقط.

ويمكن أن نصطلح فنسمي (الوظيفة التشريعية) بـ: (الولاية التشريعية)، وأن نسمي (الوظيفة التكوينية) بـ: (الولاية التكوينية).

وموسى كان نبياً واسع المواهب في المجال التشريعي، فوظفه الله بالولاية التشريعية العامة، وأنزل عليه إحدى أكبر رسالاته التي وسعت القطاع البشري مدى أجيال... ووسعت الدنيا مدى قرون... ولكن كانت مواهبه التكوينية محدودة جداً بالنسبة لخاتم الأنبياء – صلى الله عليه وعليهم أجمعين –.

والخضر كان نبياً واسع المواهب في المجال التكويني، فوظفه الله بالولاية التكوينية العامة مدى أجيال... وقرون... ولكن كانت مواهبه التشريعية محدودة جداً بالنسبة كذلك.

2- ما هي الولاية التكوينية؟

ج – الولاية التكوينية هي: أن يكون شخص – بمقتضى مواهبه – مساهماً في عملية خلق الأشياء، فيوليه الله الخلق بقدر مواهبه. كما قد تكون لشيء موهبة تساعده على المساهمة في خلق الأشياء، فيوليه الله الخلق بقدر مواهبه، كالشمس... والجاذبية... والأوكسجين... والتراب... والماء... والزمان... والذرات الكونية.


- 2 -


هذه الآيات تعرض لقاء موسى بالخضر.

التقى موسى الخضر.

وموسى رسول من (أولي العزم) الذين يرأسون المكتب التشريعي، كل في زمانه.

والتشريع: هندسة تنسيق بين تصرفات البشر حتى لا تتناقض فتربك الحياة. فيوضع لإدارة سطح المجتمع، ويراعي مستوى الوعي العام، لأنه يقنن الممارسات الاجتماعية، فلا بد أن يكون ملائماً للمناخ الفكري العام، حتى يهضم الجميع، ويستطيع الجميع تظهيره في حياتهم العملية.

وموسى – نفسه – كان من النوع المنسجم مع التشريع، للانسجام الكامل بين الرسول والرسالة. فكانت عقليته عقلية تشريعية. وكان موسى، وإن بلغ القمة في اختصاصه، إلا أنه لم يبلغ القمة ذاتها في الاختصاص الآخر.

والخضر نبي وإمام. والإمامة: ولاية من قبل الله – تعالى – لإدارة عمق الكون. والتكوين: هندسة لتنسيق الأسباب والمسببات حتى لا تتصادم فتفجر الحياة.

والأئمة يرأسون المكتب التنفيذي، كل في زمانه. ولا يراعى في التكوين شيء من مواصفات الرأي العام، إذ لا تأثير له في مجال التكوين، لأنه لا يطلب منه شيء في هذا المجال. وإنما يراعى انسجام الإمام مع الإمامة، فيكون في مستوى مهامه.

والخضر – نفسه – كان من النوع المنسجم مع التكوين، للانسجام الكامل بين الإمام والإمامة. فكانت عقليته عقلية تكوينية. وكان الخضر، وإن بلغ القمة في اختصاصه، إلا أنه لم يبلغ القمة ذاتها في الاختصاص الآخر.

فموسى لما التقى الخضر تمسك بالخضر، لأنه يعلم أن الخضر خير من يعبر عن الوجهة الأخرى، وهو يريد أن يتعمق فيها.

والخضر يعرف العقلية التشريعية التي لا تلتقي العقلية التكوينية، فاعتذر عن التجاوب مع موسى. ولكن إلحاح موسى على الخضر جعل الخضر يعرض موسى للتجربة، حتى يعلم – عملاً – أن بنيته الفكرية تشريعية وليست تكوينية.

وخاض الخضر ثلاث تجارب رمزية، لم تكن من صلب اختصاص الخضر – فيما أتصور – وإن كانت من نوعية اختصاصه. وإنما خاضها، ليضع موسى أمام واقعه كرسول، لا كإمام. فلم يستوعب موسى تلك التجارب، وإنما بادر إلى شجبها بمقتضى الأصول التشريعية.

وأخذ الخضر موقفه لإعادة موسى إلى مجال اختصاصه: ((... ذلك: تأويل ما لم تسطع عليه صبراً))، رغم أنها أوليات، فكيف إذا أراد الخضر أن يمارس مهامه الكبرى في رؤية موسى، إذن: لاتخذ موسى من الخضر موقفاً عنيفاً.


- 3 -


في هذه الآيات... وفي قصة الرفقة القيادية لموسى مع الخضر... توجيه إلى أحد العناصر القيادية الهامة، وهو:

(الانقياد للقائد). فأي مقود اعترف لقائد بالقيادة المطلقة، فعليه أن ينقاد له بدون تخظ لحدود اعترافه. فلو أراد المقود – بعد الاعتراف بالقائد – أن يتجاهله، فإنه يجعل القائد عاجزاً عن ممارسة مسؤوليته القيادية.

فتكريساً لقيادة القائد، يمنع المقود من تجاوز صلاحيات القائد، حتى إلى هذا الحد الذي يمنع النقاش أحياناً. لأن الظروف قد تكون دقيقة إلى درجة يؤدي فتح الحوار فيها إلى تفويت فرص لا يمكن ملافاتها، فيؤدي فتح الحوار فيها – من جانب المقود – إلى شل القائد، ويؤدي تقبل القائد للحوار إلى خيانة قضيته.

ولا شك: أن في غلق باب الحوار نوعاً من إخناع المقود، وسلب بعض صلاحياته الإنسانية كمخلوق زوده الله بالعقل ليحركه في تفهم مصالحه، وبالتالي: يؤدي هذا النوع من الانقياد القيادي إلى إشعار المقود بأنه أشبه بالآلة المسيرة منه إلى الإنسان المخير.

كما لا شك: أن في فتح باب الحوار المطلق – بين المقود والقائد – نوعاً من إخناع القائد، وسلب بعض صلاحياته القيادية كقائد منح صلاحيات معينة لأداء مسؤوليات بقدرها، وبالتالي: يؤدي هذا النوع من فتح الحوار المطلق إلى إشعار القائد بأنه أشبه بالقائد الأسمى منه إلى القائد الواقعي، لانخفاض مستوى صلاحياته عن مستوى مسؤولياته.

وإلى جانبهما لا شك:

أن تخفيض صلاحيات المقود لصالح قضيته أولى من تخفيض صلاحيات القائد لصالح المقود وعلى حساب قضيتهما. فالأولوية تعطى للهدف، حيث يجنّد له الأفراد، ويتأهبون للتضحية من أجله.

وتخفيض معنويات المقود قد تضر به – لا بالعمل – حيث يضطر أن يعمل كأداة لا كإنسان، بينما تخفيض معنويات القائد تضر بالعمل أكثر مما تضر به، حيث يشل عن العمل.

وكلما تردد الأمر بين خيارين لا ثالث لهما، ترجح كفة القائد، لأن مداها أوسع، فالعمل متوقف عليه أكثر مما هو متوقف على المقود. والإرادة الواعية التي يمارسها القائد – حين العمل – خير من الشك الباحث عن الوعي الذي يمارسه المقود.


- 4 -


ومن الطبيعي: أن الانقياد القيادي الذي يلزم به المقود، يطلق ويجدد بإطلاق وتحديد سلطة القائد. ومن هذا الواقع، تتصنف القيادات إلى أربعة أقسام:

1- القيادة المطلقة: كقيادة الأنبياء والأئمة – عليهم الصلاة والسلام – التي هي في واقعها تعبير عن الله الذي له السلطة الطبيعية المطلقة، فيجب أن يكون الانقياد لها مطلقاً:

((وما كان لمؤمن ولا لمؤمنة – إذا قضى الله ورسوله أمراً – أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً))(5).

2- القيادة المحدودة: كقيادة الأب التي هي – في مجالها – أمر طبيعي، لأن له سلطة طبيعية، فيجب أن يكون الانقياد لها محدوداً بحدودها:

((وقضى ربك: ألا تعبدوا إلا إياه، وبالوالدين إحساناً، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما – أو كلاهما – فلا تقل لهما: أف، ولا تنهرهما، وقل لهما قولاً كريماً * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل: رب! ارحمهما كما ربياني صغيراً))(6).

((ووصينا الإنسان بوالديه حسناً، وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون))(7).

3ـ القيادة التنفيذية: كالقيادة العسكرية التي بدورها تدين بالطاعة للقيادة التشريعية، ويلزم أن يكون الانقياد لها، لأنها ليست مسؤولة عن الجانب الفكري للقضايا التي تعمل لتنفيذها، وإنما هي واسطة التنفيذ بين السلطة التشريعية ـ إن صح التعبير والمنفذين.

4ـ القيادة الإقناعية: كالقيادات الديموقراطية التي ليست لها سلطة طبيعية، وإنما لها سلطة بالنيابة عن المنفذين أنفسهم، فيلزم أن يكون الانقياد لها ما دام المنفذون مقتنعين بها، وإذا انهارت قناعتهم بها سقط الانقياد لها أوتوماتيكياً.

وانقياد المقود للقيادات الثلاث الأول، وللقيادة الرابعة ما دامت القناعة قائمة؛ أمر بدونه تسقط القيادة عن الحركة، ويصبح القائد – مهما كان بارعاً – فاشلاً لا يقدر على شيء، فيأكل الحزن قلبه دون أن ينتج شيئاً مذكوراً.

ولذلك: كان تذمر الإمام أمير المؤمنين (ع) عاصفاً حينما مني بجيش غير منقاد، إلى درجة أنه يوقف القتال – في اللحظات الحاسمة – لإبداء رأيه، فيقول – في إحدى صواعقه الغاضبة –:

(...إلا... وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً... وسراً وإعلاناً... وقلت لكم: (اغزوهم قبل أن يغزوكم فـ - والله – ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلُّوا). فتواكلتم، وتخاذلتم، حتى: شُنَّت عليكم الغارات، وملكت عليكم الأوطان...).

(... فقبحاً – لكم – وترحاً، حين صرتم غرضاً يرمى، يغار عليكم ولا تغيرون، وتُغزَون ولا تَغزُون، ويعصى الله وترضون. فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر، قلتم: هذه حمارة القيظ، أمهلنا يسبخ عنا الحر. وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء، قلتم: هذه صبارة القر، أمهلنا ينسلخ عنا البرد... كل هذا... فراراً من الحر والقر. فإذا كنتم من الحر والقر تفرون، فأنتم – والله – من السيف أفر).

(يا أشباه الرجال – ولا رجال –! حلوم الأطفال! وعقول ربات الحجال! لوددت: أني لم أركم، ولم أعرفكم معرفة – والله – جرت ندماً، وأعقبت سدماً. قاتلكم الله... لقد ملأتم قلبي قيحاً، وشحنتم صدري غيظاً، وجرَّعتموني نغب التهمام أنفاساً، وأفسدتم عليَّ رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: (إن ابن أبي طالب، رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب). لله أبوهم! وهل أحد – منهم – أشد لها مراساً، وأقدم فيها مقاماً، مني؟! لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها... أنا – ذا – قد ذرفت على الستين، ولكن: لا رأي لمن لا يطاع...)(8).


- 5 -


س: هل هذا الاختلاف الذي أدَّى إلى الفراق، دليل على تناقض الأنبياء فيما بينهم كسائر الناس؟ أو على تناقض الرسالات السماوية فيما بينها كسائر العقائد؟

ج:

1- الاختلاف لا يعني التناقض بالضرورة، فهل تعرف إنسانين يتفقان في كل شيء؟

وهل تتفق أنت... وأبوك... وإخوتك... في كل شيء؟

وهل تتفق أصابع يديك على بصماتها؟

أنا أختلف معك... ومع كل فرد من الناس... على أشياء كثيرة.

ولكن علينا: أن نفرق بين الاختلاف مع شخص وبين الاختلاف عليه، أي: بين التعدد والتصادم.

إن الناس، كما يختلفون في أجسامهم، كذلك يختلفون في آرائهم... وفي استيعابهم للأشياء... ومن هنا: يختلف تقييمهم... وموقفهم... وهذه ظاهرة تدل على تعددية الناس، وعظمة الله في تنويع خلقه. وهي ظاهرة صحية ما لم تؤدِّ إلى التناقض.

ولعل من مظاهر قصور الناس في إعطاء الأشياء أحجامها المناسبة، إسراءهم الاختلاف مع شخص على شيء، إلى الاختلاف على ذلك الشخص، فيتناقضون. بينما الأنبياء يضعون الأمور في نصابها، فيختلفون، ولا يتناقضون.

2- إن اختلاف رسالات السماء فيما بينها، دليل تعددية الرسالات، وليس دليل تناقضها.

فإذا تعددت الوظائف في الدولة... وتعددت الاختصاصات في الجامعات... وتعددت المهن في السوق... فهل هذه التعددية تعني التناقض؟!

لقد كانت رسالة موسى تشريعية، فيما كانت رسالة الخضر تنفيذية. فكان من الطبيعي أن يختلفا، وأن لا يتحمل أحدهما رسالة الآخر، وأن يفاجأ بتصرفاته، دون أن يؤدي ذلك إلى تناقضهما، أو يعني تناقض رسالتيهما.

ولذلك: إن الخضر عندما أعلن الفراق بينه وبين موسى، لم يعلله بوجود تناقض بينهما، وإنما برره بعدم استطاعة كل منهما – بمقتضى إمكاناته... واستعداداته النفسية... – تحمل رسالة الآخر.

((قال)) الخضر لموسى ((هذا)) الاعتراض الثالث على أعمالي التنفيذية، دليل ثالث على تمحُّض إمكاناتك في الأعمال التشريعية، وهو ((فراق بيني وبينك)) في النوعية.

وهذه الأدلة الثلاثة تكفيك لإقناعك بعذري الذي أعلنته لك منذ أولى لحظات لقائنا: ((إنك لن تستطيع معي صبراً)).


- 6 -


وفي القصة عظتان تربويتان:

1- الإنسان جزء من الكون، ومهما توسع يبقى جزءاً من الكون، فلا يستطيع أن يستوعب الكون بشكل من الأشكال.

وكل شيء في الكون معلوم، يمكن أن يتعلق به العلم. فبمقدار ما يكون الإنسان من الكون، يكون علمه من العلم: كما أنه محاط بالهواء وليس محيطاً بالهواء، فيستطيع أن يتنفس من الهواء بمقدار رئته ولا يستطيع أن يتنفس الهواء كله بشكل من الأشكال.

فلذلك: إذا عرف الإنسان الكون... وعرف نسبته من الكون... يعرف نسبة علمه من العلم، وإذا جهل الإنسان الكون... وجهل نسبته من الكون... يجهل نسبة علمه من العلم: فيتصور أن علمه كثير، ويجرفه الغرور إلى حيث يطبق عليه الجهل، فلا يحلم بالعلم.

كما أن الإنسان، إذا كان عارفاً بالثروات الموجودة في الكون، لا يستخفه الغرور مهما أوتي من المال... وأما إذا كان جاهلاً بالثروات المكتنزة في الكون، فربما يظن أنه ملك كل شيء إذا وجد في كفه حفنة من المال...

فمهما ازداد الإنسان علماً ازداد معرفة بمدى جهله، أو بمدى ما يجهله.

فالعلم ككرة من النور في فضاء من الظلام: كلما كبرت هذه توسع سطحها، وكلما توسع سطحها لمست أكبر مساحة من الظلام، فأحست بكثرة الظلام حولها... وكلما صغرت تقلص سطحها، فلمست أقل مساحة من الظلام، فأحست بقلة الظلام حولها.

فهذا... موسى، رغم أنه أحد الخمسة الكبار من الأنبياء، لم يظفر بالخضر، إلا وتمسك به، مع اعتذار الخضر. لأن موسى من أعلم الناس بمدى جهله، فيحاول تقليصه بالمقدار الممكن.

2- إن المسؤوليات توزَّع على الناس بقدر مواهبهم: فكلما رجحت المواهب تعاظمت المسؤوليات، وكلما خفت المواهب تضاءلت المسؤوليات. وهكذا... تتعالى، أو تتواضع، الدرجات في سلم الاجتماع.

3- ثم: النوعية تراعى بين الموهبة والمسؤولية، لضرورة الانسجام بينهما.

4- فلموسى مسؤولية بقدر... ونوعية... موهبته، وللخضر مسؤولية بقدر... ونوعية... موهبته. وكل في مجاله قمة، ولكنهما لا يلتقيان، لا لأنهما متناقضان، بل لأنهما متوازيان في الحركة كما في الواقع.

كلمات الله


قل:

((لو كان البحر مداداً لكلمات ربي، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، ولو جئنا بمثله مدداً)).

[(سورة الكهف: الآية 109).


1- كلمات الله – تبارك وتعالى – كثيرة، لأنها مولدات الأشياء، أو المادة الأساسية التي تتطور إلى سائر الأشياء، فما من شيء إلا وقد تطور من كلمة من كلمات الله.

والموجودات كثيرة، وكل منها متطور من كلمة، فكلمات الله بعدد كل وحدة وجودية.

نعم: إن لله كلمات قائمات بذواتها، لا تتطور إلى أشياء أخرى، لأنها ليست من نوع الخامات التي تقبل التطور في سلَّم الكمال، لأنها كاملات في بدئها. ولعل إليها يشير التعبير الدعائي: (... وبشأن الكلمة التامة...)(9).

إذن: فكلمات الله أكثر من ذرات الموجودات، ومنها ذرات مياه الدنيا. فإذا كتبت بها كلمات الله، فإنها لا تحصيها. لأن كل ذرة ماء تكتب بها كلمة، هي – ذاتها – كلمة من كلمات الله، أو متطورة من كلمة من كلمات الله. فهي قد تحصي الكلمات المتطورة إلى الماء، ولكنها لا تحصي الكلمات المتطورة إلى سائر الأشياء، كما لا تحصي الكلمات التامات التي قد تكون أكثر عدداً من الكلمات المتطورة.

ثم: إننا قد نستطيع تصوراً آخر، وهو: إن كل ذرة – في أصلها – كلمة، وتحتاج – في تطورها – إلى كلمة أخرى، ويحتاج استمرار كل لحظة إلى كلمة ثالثة. فكل ذرة تعبر عن كلمات كثيرة، فكيف يمكن إحصاؤها – كلها – بمياه البحار مهما تضاعفت البحار؟! لأن البحار المضاعفة – بدورها – كلمات متطورة.

2- وقد تكون كلمات الله أجناساً... وأنواعاً... وأصنافاً... مختلفة، ويتطور كل منها – حسب المناسبات – إلى متشابهاتها، طبقاً للسنة التي قررها الله للتطور.

3- الكلمة زبدة الخيال، والخيال لا يكلف عناء حتى يهيج ويرغو، ثم ينتشر حتى يلف كل شيء.

والواقع حصيلة نمو العناصر الكونية، وتفاعلها، المنظمين المحدودين، اللذين لا يتجاوزان طورهما مهما اشتد الإلحاح.

وفي مثل هذه الحالة، يتوقع أن تكون الكلمة أكبر من الواقع. ولكن الواقع أكبر من الكلمة، فلماذا؟

أ لأنَّ الكلمة زبدة خيال الإنسان، والإنسان... وخياله... جزيء صغير من الواقع الكبير:

((لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون)) (10). فالخيال يلهث وراء الواقع، ولا يطاله؟

أم لأن الكلمة من صنع الإنسان، وهو لا يبدع شيئاً، وإنما ينعكس عليه بعض الواقع، فيطوره بما يملك من أدوات، والكلمة أفضل أدواته؛ بينما الواقع من صنع الله المطلق الذي لا يحده شيء؟

ومهما يكن السبب، فالكلمة تبقى قاصرة، تعكس صفة من صفات المسمى، بلا توازن ولا شمول. فكلمة (السماء) مشتقة من السمو الذي يعني مجرد العلو، والعلو صفة ظاهرية للسماء لا أكثر، ولا تطابق بين السماء كواقع كبير واسع وبين العالي مجرد العالي... و (الحيوان) من الحياة... و (الإنسان) من الأنس... و (الدابة) من الدبيب... و (الطوفان) من الطواف... و (السيل) من السيلان... والفارق بين هذه الكلمات ومسمياتها، صارخ.

ومهما كانت دلالات الكلمات... وظلالها... وإيحاءاتها... فكلها انعكاسات المسميات عليها.

وأما الكلمة التي لا فجوات فيها... ولا فراغات... وتبقى أوزن من الواقع... وأشمل... فهي الكلمة غير الملفوظة، إنها كلمة الله. فهي أغنى من الواقع، لأنها الواقع الأساسي الذي ينشأ منه كل واقع.

(1) نهج الفصاحة / 46.

(2) نهج الفصاحة / 206.

(3) سورة طه: الآية 115.

(4) سورة البقرة: الآية 253.

(5) سورة الأحزاب: الآية 36.

(6) سورة بني إسرائيل: الآيتان 23 – 24.

(7) سورة العنكبوت: الآية 8.

(8) نهج البلاغة: الخطبة 27.

(9) مفاتح الجنان، للمحدث القمي – 72.

(10) سورة المؤمن: الآية 57.