«يا علي: أنت محك هذه الأمة»(1)
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
4
السياسة الرشيدة لأمير المؤمنين
(عليه السلام)
|
كان علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه الصلاة
والسلام) هو المثل الآخر الصحيح الذي عكس سياسة الإسلام بكل دقة وروعة
واستيعاب، بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
ويدل على ذلك المئات من آيات القرآن الحكيم التي
نزلت، أو أولت، أو فسرت بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) في تفضيله
وأولويته.
وكذلك آلاف الأحاديث النبوية الشريفة التي ملأت كتب
التفسير والحديث والتاريخ، ومنها ما يلي:
قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
«علي مع الحق والحق مع علي»(2).
«علي مع القرآن والقرآن مع علي»(3).
«يا عمار بن ياسر: إن رأيت علياً قد سلك وادياً، وسلك
الناس وادياً آخر، فاسلك مع علي»(4).
«أنا مدينة العلم وعلي بابها»(5).
«أنا دار الحكمة وعلي بابها»(6).
«علي مني بمنزلة رأسي من بدني»(7).
إلى ما هنالك من أمثالها الكثير.. والكثير.. والكثير…
لذلك:كانت سياسة أمير المؤمنين (عليه السلام) العملية
خير درس للقادة وللمسلمين في تطبيق حياتهم العملية السياسية عليها، كما
كان ذلك بالنسبة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو النبي
وعلي(عليه السلام) الوصي(8)، وهو الصنو وعلي الصنو الآخر(9)، وهو العضد
وعلي الذراع(10) ـ كما وصف (عليه السلام) هو بذلك ـ .
وفي هذا المجال المختصر، وبعد ما ذكرنا نماذج من
سياسة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في مختلف أدوار حياته الحافلة،
نذكر نماذج أخرى من سياسة أمير المؤمنين (عليه السلام) في شتى أحوال
تاريخه العظيم ليكون شفعاً لتلك، ومنهاجاً حياً فضيلاً للجميع.
ودليل صدق على حكمة الإسلام وعدله وإنسانيته في
الحكومة والسيطرة والسيادة، لينتبه المغفلون.. وليلقم الظالمون حجراً
فيسكتون.
وليكون كوة نفتح بها الطريق للباحثين ليكتبوا عن
مختلف أدوار حكومة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بمختلف الأقلام،
وفي شتى المستويات لكي يُسد هذا الفراغ الهائل في المجتمع الإسلامي
الذي يحن بكل شوق إلى معرفة هذه السيرة الوضاءة من خلال تحليلات ثابتة
وصحيحة ورصينة..
خصوصاً في الآونة الأخيرة التي بدأ المسلمون في كل
العالم يشعرون بعمق خطوط الاستعمار في البلاد الإسلامية، ويبحثون عن
استقلال فكري في الحكم مبني على أسس الإسلام الصحيحة وتطبيقها على واقع
الأمة الإسلامية المعاصرة.
وسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتاريخ
أمير المؤمنين (عليه السلام) خير درس وأسوة لوضع لبنات الحكم الإسلامي
المعاصر على أسسهما.
وهذا الأمر بحاجة إلى آلاف الكتب المختلفة في هذا
المجال.
ومن أسهل وأعمق الطرق إلى ذلك: التلاحم والتواصل
الفكري المعمق بين الحوزة العلمية، والجامعة، لوضع صيغة صالحة وغنية
بالصحة وإمكان التطبيق العملي في العصر الحاضر، للحكومة الإسلامية
الإلهية الحقة، والله الموفق.
سياسة الحياة الشخصية
(القائد) كل شيء منه درس للشعب، ومنهاج للأجيال،
ولذلك كان القائد متحملاً لما يمارسه الشعب نتيجة تعلمه منه، إن خيراً
فخير، وإن شراً فشر.
والحياة الشخصية للقائد أدق مدرسة للأجيال المتمسكة
بذلك القائد، ولهذا كان من سياسة أمير المؤمنين (عليه السلام) بناء
حياته الشخصية على الإيمان والزهد. وإليك نماذج من ذلك:
لا… للدنيا وما فيها
ما كان أهون عند علي بن أبي طالب (عليه السلام) من
الدنيا وما فيها.
فالمال، والحكم، والسلطة، والفرش، واللباس، والقصور،
والأكل، والشرب.. كلها عند علي (عليه السلام) لا شيء، إلا بمقدار
الحاجة الضرورية. ولعل أعمق مثال للدنيا في منظار أمير المؤمنين (عليه
السلام) ما أفصح عنه في كلمته الخالدة:
«والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق(11) خنزير
في يد مجذوم»(12).
يا لها من كلمة عظيمة.
عراق خنزير، في يد مجذوم.
الخنزير لا يرغب فيه، فكيف بعراقه.
والمجذوم لا يرغب فيما بيده ولو كانت الدنيا برمتها،
لأن الدنيا برمتها لاتساوي عدوى الجذام الأكيد.
فكيف بعراق من خنزير وفي يد مجذوم.
من يرغب في مثل ذلك..
الإمام علي (عليه السلام) يعتبر الدنيا أهون من ذلك.
لم يضع لبنة على لبنة
اخرج العلامة المجلسي (رضي الله عنه) في (بحار
الأنوار) عن (الكافي) رواية عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) أنه
قال:
«ولقد ولي علي (عليه السلام) خمس سنين فما وضع آجرة
على آجرة، ولا لبنة على لبنة، ولا أقطع قطيعة، ولا أورث بيضاء، ولا
حمراء»(13).
ما وضع آجرة على آجرة، يعني: ما بنى بيتاً من آجر
مطبوخ.
ولا لبنة على لبنة، يعني: ما بنى بيتاً من اللبن غير
المطبوخة.
ولا أقطع قطيعة، يعني: لم يخص أرضاً وقطعة بنفسه.
ولا أورث بيضاء ولا حمراء، يعني: ما ترك إرثاً
لورثته، لا فضة ولا ذهباً.
إلا إهاب كبش
أخرج بحار الأنوار، عن المناقب، عن (مسند أحمد بن
حنبل)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه كان يقول:
«ما كان لنا إلا إهاب(14) كبش أبيت مع فاطمة بالليل،
ونعلف عليها الناضح بالنهار»(15).
يقتدي به المؤمنون
وأخرج أيضاً:
إنه رئي على علي (عليه السلام) إزار غليظ اشتراه
بخمسة دراهم، ورئي عليه إزار مرقوع، فقيل لـه في ذلك، فقال (عليه
السلام):
«يقتدي به المؤمنون
ويخشع لـه القلب
وتذل به النفس
ويقصد به المبالغ
أشبه بشعار الصالحين
وأجدر أن يقتدي به المسلم»(16).
تربية للنفس وتربية للمجتمع وقدوة وأسوة
وتوحيد المظهر والمخبر «أشبه بشعار الصالحين».
كلها تتجسد في إزار غليظ يلبسه أمير المؤمنين علي بن
أبي طالب (عليه السلام).
هذا هو العمق المعنوي، والبعد الروحي، ونكران الذات،
والتفاني في الله، كلها مجتمعة في شخصية القائد الإسلامي.
خرق كمه
وأخرج أيضاً:«إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) نظر
إلى فقير انخرق كم ثوبه، فخرق كم قميصه وألقاه إليه»(17).
لم يغير ثيابه
أربع سنوات أو أكثر قضاها أمير المؤمنين (عليه
السلام) بين الكوفة والبصرة، وهو الرئيس الأعلى للبلاد الإسلامية
الواسعة الأطراف.
خلال هذه المدة الطويلة لم يشتر من مال المسلمين
ثياباً لنفسه، ولم يأخذ من أموال البصرة والكوفة شيئاً لذلك.
بل ظل على ثياب المدينة كل هذه المدة الطويلة، إلا
إذا اشترى من عطائه الخاص كأضعف مستضعف من مسلم آخر في طول البلاد
الإسلامية وعرضها.
فاقرأ النصوص التالية:
أخرج في البحار، عن المناقب، عن الأصبغ بن نباتة قال:
توجه علي(عليه السلام) إلى أهل البصرة وقال: «يا أهل البصرة ما تنقمون
مني، إن هذا لمن غزل أهلي
ـ وأشار إلى قميصه ـ »(18).
وقال: قال (عليه السلام): «دخلت بلادكم بأشمالي هذه،
ورحلتي وراحلتي ها هي، فإن أنا خرجت من بلادكم بغير ما دخلت فإنني من
الخائنين»(19).
وأخرج في البحار، عن (كشف الغمة)(20): قال هارون بن
عنترة حدثني أبي قال: دخلت على علي بن أبي طالب (عليه السلام)
بالخورنق(21) وهو يرعد تحت سمل(22) قطيفة، فقلت: يا أمير المؤمنين إن
الله تعالى جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال ما يعم وأنت تصنع بنفسك ما
تصنع. فقال (عليه السلام): «والله ما أرزأكم من أموالكم شيئاً وإن هذا
لقطيفتي التي خرجت بها من منزلي من المدينة ما عندي غيرها»(23).
هل في هذه البلاد، وفيها مثل هذه السياسة الشخصية
للقائد الأعلى، يصل الحيف بأحد؟
هل يعرى أحد في ظل مثل هذا النظام؟
هل يجوع أحد هكذا؟
إنه الإسلام العظيم.
طعام أمير المؤمنين (عليه السلام)
في الوقت الذي عمت الخيرات بلاد المسلمين وبفضل
الإسلام، فكان المسلمون وغير المسلمين يرفلون في نعيم من الطيبات.
وكانت الكوفة ـ عاصمة أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ
لا تجد بها إلا المنعم من الناس.
في مثل هذا الظرف تجد سيد الكوفة، وسيد البلاد
الإسلامية، وزعيم الإسلام: أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يأكل حتى ما
يأكله أدنى الناس.
فانظر إلى النصوص التالية:
أخرج المجلسي (رضي الله عنه) عن (فضائل أحمد): قال
علي (عليه السلام): «ما أصبح بالكوفة أحد إلا ناعماً، إن أدناهم منزلة
ليأكل البر، ويجلس في الظل، ويشرب من ماء الفرات»(24).
وقال الإمام الباقر (عليه السلام) في حديث: «كان علي
بن أبي طالب ليطعم الناس خبز البر واللحم، وينصرف إلى منزله ويأكل خبز
الشعير، والزيت والخل»(25).
وعن سويد بن غفلة قال:
«دخلت على علي بن أبي طالب (عليه السلام) العصر،
فوجدته جالساً بين يديه صحفة فيها لبن حاذر أجد ريحه من شدة حموضته،
وفي يده رغيف أرى قشار الشعير في وجهه، وهو يكسره بيده أحياناً، فإذا
غلبه كسره بركبته وطرحه فيه.
فقال (عليه السلام): ادن فأصب من طعامنا هذا.
إلى أن قال: فقلت لجاريته وهي قائمة بقريب منه: ويحك
يا فضة ألا تتقين الله في هذا الشيخ؟
ألا تنخلون لـه طعاماً.
إلى قوله: قال علي (عليه السلام) لي: ما قلت لها؟
قال: فأخبرته.
فقال (عليه السلام): بأبي وأمي من لم ينخل لـه طعام،
ولم يشبع من خبز البر ثلاثة أيام حتى قبضه الله »(26). يعني بذلك رسول
الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
لا يأكل اللحم في السنة إلا مرة
كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)
لايأكل اللحم في السنة إلا مرة واحدة، في يوم عيد الأضحى وذلك لأن هذا
اليوم هو اليوم الذي يأكل فيه كل المسلمين اللحم، من وفور لحم
الأضاحي..
فلكي يواسي إمام الأمة أضعف الأمة، يأكل اللحم في ذلك
اليوم فحسب.
هذا في أيام خلافته الظاهرية التي كانت مسؤولية الأمة
برمتها عليه.
وقد نقل العلامة المجلسي (قدس سره) في (البحار)، عن
القطب الراوندي في (الخرائج) قوله(عليه السلام):
«واعلم أن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه(27)..
يسد فورة جوعه بقرصيه(28)..
لا يطعم الفلذة(29) في حوله إلا في سنة أضحيته»(30).
الإمام علي أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) لا يهمه
أهل المدينة فحسب الذين يجدون غالباً اللحم يأكلونه، ولا ينظر إلى أهل
الكوفة فقط التي تتوفر فيها اللحوم من كل الأنواع، من الغنم، والبقر،
والإبل، والدجاج، والطيور، والأسماك.
وإنما يهمه أيضاً أقاصي بلاد الإسلام، وأهل الأرياف
البعيدة، والفقراء الذين يسكنون الأخبية، فكلهم لا يجد اللحم كل يوم
ليقتات به.
وما دام علي (عليه السلام) إمامهم جميعاً.
فكما عليهم أن يقتدوا به في أفعاله، يحتم على نفسه أن
يقتر على نفسه في مطعمه وملبسه ـ بل ومسكنه ـ كأضعف رعيته.
عظيم جداً هذا الإنسان.
وعظيمة جداً هذه السيرة.
وعظيم جداً جداً… الإسلام الذي يربي هكذا قائد.
صوت القلي في بيته
من أغرب وأعجب ما حفظه التاريخ عن السيرة الشخصية
لأمير المؤمنين (عليه السلام) أنه سمع ذات مرة صوت القلي في بيته فأنكر
ذلك، لأنه لم يكن قلي لحم في بيت علي(عليه السلام) أيام خلافته.
أخرج الشيخ الجليل المفيد (رضوان الله عليه) بسنده عن
ابن دأب ـ في حديث مطول ـ : «وسمع ـ يعني: أمير المؤمنين (عليه السلام)
ـ مقلي في بيته فنهض وهو يقول: في ذمة علي ابن أبي طالب مقلي الكراكر؟
(31).
قال: ففزع عياله وقالوا: يا أمير المؤمنين إنها
امرأتك فلانة نحرت جزور في حيها فأخذ لها نصيب فأهدى أهلها إليها.
قال (عليه السلام): فكلوا هنيئاً مريئاً.
وإنما خاف (عليه السلام) أن يكون ذلك هدية من بعض
الرعية، وقبول الهدية لوالي المسلمين خيانة للمسلمين»(32).
يعرف من هذا الحديث: إن وجود اللحم في بيت أمير
المؤمنين (عليه السلام) أيام خلافته كان شيئاً يدعو إلى العجب
والغرابة.
ورقابة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) للتصرفات
الشخصية في بيته كانت دقيقة وحذرة، بحيث يعتبر (عليه السلام) قلي كراكر
مرة واحدة في تاريخه أمراً يكون علي(عليه السلام) هو المسؤول عنها إذ
يقول: «في ذمة علي بن أبي طالب مقلي الكراكر».
ثم يفزع عياله لذلك: لما يعرفون من علي (عليه السلام)
من الحزم والصرامة في الحق، ولكي يخبروه (عليه السلام) بأنهم لم
يخالفوا إرادته ولا أخفوا في بيته عنه ما لايرضاه.
ومع هذا كله: فلا يمانع صلة الرحم بين زوجته
وأقربائها، بل يشجع ذلك ويدعو لهم.. ويخصهم بدعائه، لأن علياً لا يأكل
من ذلك في وقت ليس كل المسلمين يجدون مثله..
هل رأى التاريخ ـ بعد النبي (صلى الله عليه وآله
وسلم) ـ عظيماً كهذا؟ فليعرفوه لنا!
لا.. لاحتكار أموال الأمة
كان علي أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يحتكر أموال
المسلمين، اقتداءً برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل يعمد إلى
توزيعها فور وصولها إليه.
وهكذا يجب أن يكون القائد الإسلامي.
انظر النص التالي:
روى ابن شهر آشوب (رضي الله عنه) في كتاب (مناقب آل
أبي طالب) عن سالم الجحدري قال: «شهدت علي بن أبي طالب (عليه السلام)
أتي بمال عند المساء، فقال: اقتسموا هذا المال. فقالوا: قد أمسينا يا
أمير المؤمنين فأخره إلى غد.
فقال لهم: تقبلون لي أن أعيش إلى غد؟
قالوا: ماذا بأيدينا؟
فقال: لا تؤخروه حتى تقسموه.
فأتى بشمع فقسموا ذلك المال من تحت ليلتهم»(33).
أي قائد في عالم اليوم يفعل مثل ذلك؟
لا أحد تجد هكذا.
إذن نعلم بحق كيف استطاع أمير المؤمنين علي (عليه
السلام) بسيرته الوضاءة أن يحكم التاريخ حتى اليوم وغدى بكل عظمة
وإجلال نبراساً يقتدى به.
وربما ينبري سؤال: لماذا التقسيم في المساء ولا
يستفيد المسلمون منه إلا في الغد؟
قد يجاب لأسباب:
الأول: زوال المسؤولية عن القائد المؤمن الذي يرى
المسؤولية أعظم ما يثقل كاهله.
الثاني: اطمئنان بعض المحتاجين من المؤمنين إلى هذا
المال فيقرروا مصير غدهم المالي به.
الثالث: التعجيل في الخير مطلقاً الذي وردت به الآيات
والروايات.
مثل قوله تعالى: ((وسارعوا إلى مغفرة من ربكم))(34).
وقوله سبحانه: ((ويسارعون في الخيرات وأولئك من
الصالحين))(35).
وقوله عز من قائل: ((إنهم كانوا يسارعون في
الخيرات))(36).
وقوله تعالى: ((أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها
سابقون))(37).
وقد ورد في الحديث الشريف: «فتعجل الخير ما
استطعت»(38).
لا يأخذ لنفسه
وجاء في سيرة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أنه
كان يقسم الأموال، ولا يأخذ لنفسه منها شيئاً في حين أنه كان بحاجة
إليها.
أخرج ابن شهر آشوب (رضي الله عنه) في (المناقب): أنه
(عليه السلام) كان يأتي عليه وقت لايكون عنده قيمة ثلاثة دراهم يشتري
بها إزاراً، وما يحتاج إليه، ثم يقسم كل ما في بيت المال على الناس ثم
يصلي فيه ويقول: «الحمد لله الذي أخرجني منه كما دخلته»(39).
البساطة في الحياة
البساطة في الحياة الشخصية مما عرف بها أمير المؤمنين
(عليه الصلاة والسلام) فكان لايعبأ بالتجملات إطلاقاً، ولا يصرف ثواني
من وقته في سبيلها.
وهكذا ينبغي أن يكون القائد الإسلامي لكي يصرف أوقاته
كلها في أمور المسلمين والمستضعفين.
أورد المجلسي(رضي الله عنه) في (البحار) عن
(المناقب)، عن أبي الجيش البلخي قال: «إن علي بن أبي طالب (عليه
السلام) اجتاز بسوق الكوفة فتعلق به كرسي فتخرق قميصه، فأخذه بيده، ثم
جاء إلى الخياطين فقال: خيطوا لي ذا بارك الله فيكم»(40).
وعن الأشعث العبدي قال: «رأيت علياً (عليه السلام)
اغتسل في الفرات يوم جمعة، ثم ابتاع قميصاً كرابيس بثلاثة دراهم، فصلى
بالناس الجمعة وما خيط جربانه بعد»(41).
وعن الزمخشري قال: «إن علياً (عليه السلام) اشترى
قميصاً فقطع ما فضل عن أصابعه ثم قال للرجل: حصه، أي خط كفافه»(42).
«وجاء علي (عليه السلام) إلى الحلاق، فأراد أن يأخذ
من شاربه، وكان (عليه السلام) مشتغلاً بذكر الله تعالى تتحرك شفتاه،
فقال لـه الحلاق: يا أمير المؤمنين كف عن الذكر لحظة حتى يعتدل الشارب،
فقال علي (عليه السلام): الأمر أسهل من ذلك ولم يترك الذكر لحظة..».
نعم في الحديث الشريف: «إن الله جميل يحب
الجمال»(43).
لكن الجمال ليس للمادة فقط بل للروح والمعنويات جمال
أيضاً، وجمالهما أجمل من جمال الماديات.
والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يعرف تماماً
نسبة الجمال بعضه إلى بعض ويختار الجمال الأهم على الجمال المهم..
فذكر الله لحظة جمال أهم.
وتجميل الشارب جمال مهم.
نسبة الإرث إلى الدين
معظم الناس عندما يموتون تكون تركتهم أكثر من ديونهم،
فتقضى الديون، وما يفضل يكون إرثاً للورثة يوزع عليهم.
أما أمير المؤمنين (عليه السلام) فكان بالعكس تماماً،
إنه قُتل وديونه أضعاف تركته.
ديونه كانت أكثر من مائة ضعف بالنسبة لتركته.
كانت تركته سبعمائة درهم فضلت عن عطائه أراد أن يبتاع
بها لأهله خادماً.
وكانت ديونه ثمانمائة ألف درهم(44).
وقد مر بيان ذلك عند ذكر سياسة النبي (صلى الله عليه
وآله وسلم).
يبيع سيفه للإزار
أخرج ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة) عن مجمع عن
أبي رجاء، قال: أخرج علي (عليه السلام) سيفاً إلى السوق فقال: من يشتري
مني هذا، فوالذي نفس علي بيده لو كان عندي ثمن إزار ما بعته.
فقلت له: أنا أبيعك إزاراً، وأنسئك ثمنه إلى عطائك.
فدفعت إليه إزارا إلى عطائه. فلما قبض عطاءه دفع إلي
ثمن الإزار(45).
ويقسم هداياه على المسلمين
وكان من عادة أمير المؤمنين علي(عليه السلام) التي
عرفت فأثرت عنه أنه لم يكن ليحتكر الهدايا الشخصية التي تهدى إليه،
لنفسه فقط، بل كان يوزعها على المسلمين أحياناً، أو يشركهم مع نفسه
فيها.
لنقرأ جميعاً النصوص التالية:
أخرج العلامة المجلسي (رضي الله عنه) في البحار عن
(المناقب):
قال حكيم بن أوس: أتى إلى أمير المؤمنين (عليه
السلام) بأحمال فاكهة فأمر ببيعها، وأن يطرح ثمنها في بيت المال(46).
وقال أيضاً: كان علي (عليه السلام) يبعث إلينا بزقاق
العسل فيقسم فينا، ثم يأمر أن يلعقوه(47).
وعن عاصم بن ميثم قال: إنه أهدى إلى علي (عليه
السلام) سلال خبيص لـه خاصة، فدعا بسفرة، فنثره عليها ثم جلسوا حلقتين
يأكلون(48).
وعن أبي حريز قال: إن المجوس أهدوا إلى علي (عليه
السلام) يوم النيروز جامات من فضة فيها سكر، فقسم (عليه السلام) السكر
بين أصحابه وحسبها من جزيتهم(49).
قال: وبعث دهقان إلى علي (عليه السلام) بثوب منسوج
بالذهب، فابتاعه منه عمرو بن حريث بأربعة آلاف درهم إلى العطاء(50).
عظيم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)،
وعظيم… وعظيم جداً.
يُهدى إليه ثوب منسوج بخيوط الذهب، يساوى أربعة آلاف
درهم، فيبيعه ليجعل ثمنه في بيت المال.
ثم يشتري ثوباً غليظاً بثلاثة دراهم ويلبسه ويشكر
الله.
أين يوجد لـه مثيل؟
إنها مدرسة الإسلام، وتربية رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم) وسياسة السماء.
يستقي ويحتطب
وكان أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كأقل الفقراء
مالاً، يستقي الماء من البئر بنفسه، ويحتطب بيديه الكريمتين، ليكون
أسوة حسنة لعامة المسلمين عبر التاريخ الطويل، وقدوة عملاقة لزعماء
المسلمين.. وكذلك كان يقوم بسائر شؤونه الشخصية بنفسه.
فقد نقل الشيخ الكليني (رضوان الله عليه) وغيره، في
(الكافي) وغيره، بسندهم عن زيد بن الحسن عن الإمام الصادق (عليه
السلام) قال:
«كان علي (عليه السلام) أشبه الناس طعمة وسيرة برسول
الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
كان يأكل الخبز والزيت ويطعم الناس الخبز واللحم.
وكان (عليه السلام) يستقي ويحتطب»(51).
وكان يرقع مدرعته بنفسه.
وكان يخيط ثوبه بنفسه.
وكان يخصف نعله بنفسه(52).
وبكلمة مختصرة: كان (عليه السلام) لا يلقي كَلّه على
أحد، وكان يزاول شؤونه الشخصية بنفسه، فلا يترفع عن الناس في شيء، بل
يعيش دون معيشة أغلب الناس، وهو الذي رفعه الله تعالى على سائر
الأولياء والأئمة والأنبياء (عليهم السلام) ما عدا رسول الإسلام (صلى
الله عليهما وآلهما) الذي قال عنه: «أنا عبد من عبيد محمد (صلى الله
عليه وآله وسلم)»(53). وهكذا كانت السيرة الخالدة العملاقة لأمير
المؤمنين (عليه السلام) تنتج النتائج التالية:
1: جعلت علياً (عليه السلام) في رأس قائمة العظماء
بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
2: حطمت طواغيت البشرية في الماضي، والحاضر،
والمستقبل.
3: علمت طريق الإنسانية والعظمة للقادة، وللشعوب.
وهكذا تربي السياسة الإسلامية مثل علي بن أبي طالب
(عليه السلام).
وقد ذكر هو (عليه السلام) فلسفة هذا الزهد فقال: «إن
الله جعلني إماماً لخلقه، ففرض عليّ التقدير في نفسي، ومطعمي ومشربي
وملبسي كضعفاء الناس، كي يقتدي الفقير بفقري، ولا يطغي الغني
غناه»(54).
لا.. للهدية
الهدية التي تهدى لأصحاب الحكم كثيراً ما يراد بها
استمالة قلب الحاكم لكي يبطل بها الحق، أو يحق الباطل.
ولذا كان التأكيد شديداً في الأحاديث الشريفة على
تحاشي الحكام والقضاة ومن بيدهم الحول والطول، والحل والعقد، من قبول
الهدايا. قطعاً لهذه الجذور التي تدع المجتمع غير آمن من الظلم والحيف
والإجحاف.
أخرج العلامة المجلسي (رضي الله عنه) في (البحار) عن
أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في قول الله عزوجل: ((أكالون
للسحت))(55):
قال (عليه السلام): «هو الرجل يقضي لأخيه الحاجة ثم
يقبل هديته»(56).
وأخرج أيضاً عن جابر بن عبد الله قال:
«هدية الأمراء غلول»(57).
وأخرج الشيخ الأنصاري (رضي الله عنه) في (المكاسب) عن
أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «وإن أخذ ـ يعني الوالي ـ هدية كان
غلولا»(58).
وما ورد: «إن هدايا العمال غلول»(59).
وفي حديث آخر: «هدايا العمل سحت»(60).
والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان سيداً في كل
الفضائل، لذلك كان لايقبل الهدايا الشخصية لنفسه، كي لا يطمع فيه أحد،
ولا يأمل أحد في إمكان استمالته (عليه السلام)..
وهو (عليه السلام) يذكر واقعة واحدة أهدى فيها إليه
شخص هدية فردها (عليه السلام)، وهو يصيغ الموقف في هذه الصيغة
الفولاذية التالية:
قال (عليه السلام) في بعض خطبه ـ بعد ما ذكر قصة عقيل
ورده (عليه السلام) لـه ـ :«وأعجب من ذلك(61) طارق طرقنا بملفوفةٍ(62)
في وعائها، ومعجونة شنئتها(63) كأنما عجنت بريق حية أو قيئها.
فقلت: أصلة، أم زكاة، أم صدقة(64)؟ فذلك محرم علينا
أهل البيت.
فقال: لا ذا، ولا ذاك، ولكنها هدية.
فقلت: هبلتك الهبول(65).
أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟
أمختبط أنت(66)؟
أم ذو جنة(67)؟
أم تهجر؟(68).
والله.. لو أعطيت الأقاليم السبعة ـ بما تحت أفلاكها
ـ على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة(69) ما فعلته.
وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة
تقضمها»(70).
هكذا يعامل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه
السلام) نفسه حتى لا يخافه مظلوم، ولا يطمع فيه ظالم.
وما دام الحق هو هكذا.
و«علي مع الحق، والحق مع علي يدور معه حيثما
دار»(71).
فلا غرو إذاً في مثل هذه الأساليب الشجاعة في تاريخ
أمير المؤمنين(عليه السلام).
فعلى الحكام، والقضاة، والرؤساء أن يطبقوا سيرة أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في حياتهم الشخصية أولاً، لكي
يأمن المجتمع من الظلم والحيف، ثم يطبقوا سيرته (عليه السلام) في
السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية وما إليها.
سياسة معاملة الأقرباء
لم يكن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)
كحكام الدنيا يجعلون الأولوية في الرغبات لأقربائهم، فإذا فضل منها شيء
جعلوها في سائر الناس.
بل كان (عليه السلام) ـ فيما يتعلق بعامة المسلمين ـ
لا يفرق أقرباءه عن غيرهم، وإنما كان ليساوي بينهم وبين غيرهم في مختلف
المجالات.
وهذه هي السياسة الإسلامية الرشيدة التي طبقها أمير
المؤمنين (عليه السلام) على نفسه وعلى أقربائه قبل أن يطبقها على سائر
الناس، ويطالبهم بالعمل عليها.
فمن أراد سياسة الإسلام فليتعلم من علي بن أبي طالب
تلميذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وربيب القرآن، وحجة الله
على الخلق أجمعين.
وفيما يلي نذكر نماذج من كيفية معاملته مع أقربائه في
الأمور العامة.
مع أخيه عقيل
روى الشيخان الجليلان الكليني (رضي الله عنه) في
الكتاب الشريف (الكافي)، والمفيد (رضي الله عنه) في (الاختصاص)
بأسانيدهما الصحيحة عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال:
«لما ولي علي (عليه السلام) صعد المنبر فحمد الله
وأثنى عليه ثم قال:
إني والله لا أرزؤكم من فيئكم درهماً ما قام لي عذق
بيثرب فليصدقكم أنفسكم، أفتروني مانعاً نفسي ومعطيكم.
قال: فقام إليه عقيل فقال له:
والله.. لتجعلني وأسود بالمدينة سواء!!
فقال (عليه السلام): اجلس، أما كان هاهنا أحد يتكلم
غيرك؟ وما فضلك عليه إلا بسابقة أو بتقوى»(72).
ليس لأخ أمير المؤمنين، أخ سيد الأوصياء، أخ الرئيس
الأعلى للمسلمين فضل على غيره في العطاء والمال.
إنما الفضل عند الله بسابقة في الإسلام، وبتقوى من
الله.
ومع عقيل أيضاً
أخرج ابن شهر آشوب في (المناقب) عن (جمل أنساب
الأشراف) قال:
«قدم عقيل على علي (عليه السلام) فقال للحسن (عليه
السلام): اكس عمك، فكساه قميصاً من قميصه، ورداءً من أرديته.
فلما حضر العشاء فإذا هو خبز وملح.
فقال عقيل: ليس إلا ما أرى؟
فقال(عليه السلام): أوليس هذا من نعمة الله فله الحمد
كثيراً؟
فقال عقيل: أعطني ما أقضي به ديني، وعجل سراحي حتى
أرحل عنك.
قال (عليه السلام): فكم دينك يا أبا يزيد؟
قال: مائة ألف درهم.
قال (عليه السلام): والله ما هي عندي ولا أملكها،
ولكن اصبر حتى يخرج عطائي فأواسيكه، ولولا أنه لابد للعيال من شيء
لأعطيتك كله.
فقال عقيل: بيت المال في يدك وأنت تسوفني إلى عطائك؟
وكم عطاؤك، وما عسى يكون، ولو أعطيتنيه كله؟
فقال (عليه السلام): ما أنا وأنت فيه إلا بمنزلة رجل
من المسلمين.
ـ وكانا يتكلمان فوق قصر الإمارة مشرفين على صناديق
أهل السوق ـ
فقال لـه علي (عليه السلام): أن أبيت يا أبا يزيد ما
أقول فانزل إلى بعض هذه الصناديق فاكسر أقفاله وخذ ما فيه.
فقال: وما في هذه الصناديق؟. قال: فيها أموال التجار.
قال: أتأمرني أن أكسر صناديق قوم قد توكلوا على الله
وجعلوا فيها أموالهم؟
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أتأمرني أن أفتح
بيت مال المسلمين فأعطيك أموالهم وقد توكلوا على الله وأقفلوا عليها.
ثم قال لـه علي (عليه السلام) في صيغة استثارة إيمانه وخلقه: وإن شئت
أخذت سيفك وأخذت سيفي وخرجنا جميعاً إلى الحيرة فإن بها تجاراً مياسير،
فدخلنا على بعضهم وأخذنا ماله.
فقال عقيل: أو سارق جئت؟
قال: تسرق من واحد خير من أن تسرق من المسلمين
جميعاً»(73).
هذه هي خلاصة السياسة الإسلامية مع الأقرباء في منطق
أمير المؤمنين(عليه السلام).
إنه (عليه السلام) يعتبر إعطاء شيء زائد لأخي خليفة
الله في الأرض سرقة من المسلمين جميعاً.
وكذلك مع أخيه عقيل
وجاء في الخطبة(224) من (نهج البلاغة) ما يلي:
«والله لقد رأيت عقيلاً وقد أملق(74) حتى استماحني من
بركم
صاعا(75) ورأيت صبيانه شعث الشعور(76) غبر
الألوان(77) من فقرهم، كأنما سودت وجوههم بالعظلم(78).
عاودني مؤكداً، وكرر عليّ القول مردداً.
فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني، وأتبع
قياده(79) مفارقاً طريقتي.
فأحميت لـه حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها.
فضج ضجيج ذي دنف(80) من ألمها، وكاد أن يحترق من
ميسمها(81).
فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل.(82)
أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرني إلى نار
سجرها جبارها لغضبه؟
أتئن من الأذى، ولا أئن من لظى؟»(83).
في هذه الجمل غرائب.. وغرائب يذكرها الإمام علي (عليه
الصلاة والسلام) فيما لو أردنا أن نقيسها بما يمارسه الحكام، والقضاة،
والموظفون..
وللملاحظة نذكر ما يلي:
«استماحني من بركم» فالطعام للأمة، وليس لأمير
المؤمنين، وإن كان رئيساً أعلى وإماماً من الله تعالى على الناس
أجمعين.
«أبيعه ديني» في منطق أمير المؤمنين (عليه السلام)
إعطاء صاع واحد ـ أي: ثلاثة كيلوات ـ من حنطة المسلمين إلى أخيه عقيل
الفقير.. الفقير.. الذي أغبر لون أولاده من الجوع، هذا بيع الدين..
«فأحميت لـه حديدة» عقيل كان آنذاك مكفوفاً لا يبصر،
فأحمى لـه الإمام حديدة، وقرب الحديدة من جسمه، ولم يلصقها به، فقط لكي
يتصور عقيل أن الحرارة مصير المخالف للحق، فيعذر أخاه أمير
المؤمنين(عليه السلام) في منعه صاعاً من البر زيادة على عطائه وحقه.
«ثكلتك الثواكل» إن هذا الأمر البسيط عند كثير من
الناس عظيم عند علي بن أبي طالب (عليه السلام) حتى ليستحق أن يقول
لأخيه في مثل ذلك: «ثكلتك الثواكل».
ذلك: لأن الحق عظيم، وان كان صغيراً وقليلا.
«ولا أئن من لظى» في فلسفة أمير المؤمنين (عليه
السلام) يعتبر خيانة صاع واحد من أموال المسلمين مستوجباً لنار جهنم..
فليفتح الرؤساء، والحكام، والوزراء، والموظفون
أبصارهم، لكي يحسنوا معرفة موقفهم، ومسؤوليتهم..
ومع أخته
أخرج الشيخ الجليل المفيد (رضي الله عنه) في
(الاختصاص) حديثاً مطولاً جاء فيه: «ثم ترك ـ يعني أمير المؤمنين (عليه
السلام) ـ التفضيل لنفسه وولده على أحد من أهل الإسلام.
دخلت عليه أخته أم هاني بنت أبي طالب فدفع إليها
عشرين درهماً.
فسألت أم هاني مولاتها العجمية فقالت: كم دفع إليك
أمير المؤمنين؟
فقالت: عشرين درهماً.
فانصرفت مسخطة.
فقال لها علي (عليه السلام): انصرفي ـ رحمك الله ـ ما
وجدنا في كتاب الله فضلاً لإسماعيل على إسحاق(84).
أخت أمير المؤمنين، بنت أبي طالب، بنت عم النبي (صلى
الله عليه وآله وسلم) هاشمية قرشية عربية أصيلة يجب أن لا تفضل في
العطاء على مولاة أعجمية.
هذه سياسة الإسلام العادلة التي مثلها أمير المؤمنين
(عليه السلام) لكي يكون الميزان الصحيح عبر كل الأجيال والعصور، يوزن
به القادة في كل زمان ومكان.
ومع ابنته
روى المؤرخون: «إنه بعث إلى أمير المؤمنين (عليه
السلام) من البصرة من غوص البحر بتحفة لا يدرى ما قيمته، فقالت لـه
ابنته أم كلثوم: يا أمير المؤمنين أتجمل به ويكون في عنقي؟
فقال علي (عليه السلام) لخازن بيت المال أبي رافع: يا
أبا رافع أدخله إلى بيت المال.
ثم قال لابنته: ليس إلى ذلك سبيل حتى لا تبقى امرأة
من المسلمين إلا ولها مثل مالك»(85).
بنت أمير المؤمنين (عليه السلام) ينبغي لها أن لا
تلبس ما لا تلبسه جميع النساء المسلمات. وهل لهذه النادرة نظير في
قاموس السياسة والسياسيين؟
وهل نساء القادة يكون مستوى معيشتهن وملابسهن كأضعف
نساء الشعوب؟
تلك هي سياسة الإسلام التي ندعو العالم إليها، لينعم
الجميع في ظل الكرامة الإنسانية التي جعلها الله للإنسان، وخلق الإنسان
لها.
ومع زوجته
وأخرج (المناقب) عن أم عثمان ـ أم ولد أمير المؤمنين
(عليه السلام) ـ .
قالت: «جئت علياً (عليه السلام) وبين يديه قرنفل
مكتوب في الرحبة، فقلت: يا أمير المؤمنين هب لابنتي من هذا القرنفل
قلادة.
فقال (عليه السلام): هاك ذا، ونفذ بيده إليّ درهماً.
ثم قال (عليه السلام): فإنما هذا للمسلمين أولاً،
فاصبري حتى يأتينا حظنا منه فنهب لابنتك قلادة»(86).
ومع صهره
عبد الله بن جعفر الطيار، ابن أخيه، وصهره على ابنة
عقيلة الهاشميين زينب الكبرى (عليها السلام). وكان رجلاً صالحاً
مؤمناً، من سادات بني هاشم، كريماً يطعم الناس، وله سفرة مفتوحة صيفاً
وشتاءً، وليلاً ونهاراً.
ضاقت عليه الدنيا ذات مرة، فجاء إلى عمه أمير
المؤمنين (عليه السلام) وقال: يا أمير المؤمنين لو أمرت لي بمعونة أو
نفقة فوالله مالي نفقة إلا أن أبيع دابتي. فقال (عليه السلام) لـه:لا
والله ما أجد لك شيئاً إلا أن تأمر عمك أن يسرق فيعطيك(87).
هذه هي سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) مع أقربائه!
تطبيق دقيق لسياسة الإسلام في كل المستويات.
سياسة علي (عليه السلام) مع موظفيه
رقابة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) للموظفين
كانت في رأس سياسته الإدارية لهم. إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) لا
يريد الموظفين لكي يسبحوا باسمه ـ شأن كثير من الحكام والساسة ـ وإنما
يريدهم يسبحون باسم الله تعالى، يريدهم على طريق الله دقيقاً وكاملاً
ودائماً، لذلك: فكما تم نصبهم على يده، كذلك يرى نفسه مسؤولاً عن
تصرفاتهم.
فكان ينصحهم، ثم يوجههم، ثم يعاتبهم على تصرفات غير
لائقة، ثم إن لم يفد ذلك كله كان يعمد إلى عزلهم، وعقوبتهم إن استحقوا
العقوبة.
فالحصانة الدبلوماسية، والحصانة الإدارية، وحصانة
الوظيفة، ونحو هذه المصطلحات لا مفهوم لها عند علي بن أبي طالب (عليه
السلام) إذا خرج الدبلوماسي عن الحق، وجار الإداري، وعمد الموظف إلى ما
لا يليق به من إجحاف، أو ظلم، أو عدم اهتمام بالأمة..
فالأصل في اختيار الموظف وإبقاء الموظف هو واحد في
منطق أمير المؤمنين (عليه السلام) لايختلف أحدهما عن الآخر:
(الله: والأمة) هذا هو الأصل الأصيل في اختيار
الموظف، وهذا هو الأصل الأصيل في الإبقاء على الموظف.
وقد حفظ التاريخ في هذا المجال: أن بعض المقربين إلى
أمير المؤمنين(عليه السلام) فعل ما استوجب به العقوبة، ففر عن علي
(عليه السلام)، فأخذوه إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال
للإمام:«والله إن المقام معك لذل، وإن تركك لكفر»(88). يريد بذلك: أنك
لا تفرق بين أصدقائك وغيرهم ولا تسامحهم بما لاتسامح
به غيرهم.
عزل الوالي فوراً
ذكر في التاريخ: إن امرأة من بني همدان اسمها (سودة
بنت عمارة) شكت إليه والياً فعزله الإمام (عليه السلام) والتفصيل كما
يلي:
أخرج الإربلي في (كشف الغمة) عن كتاب (ابن طلحة) عن
سودة بنت عمارة الهمدانية ـ في حديث دخولها على معاوية ـ قالت: «والله
لقد جئته ـ تعني أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ في رجل كان قد ولاّه
صدقاتنا فجار علينا.
فصادفته قائماً يصلي، فلما رآني انفتل من صلاته ثم
أقبل علي بلطف ورفق ورحمة وتعطف وقال:
ألك حاجة؟
قلت: نعم، فأخبرته الخبر.
فبكى (عليه السلام) ثم قال: ـ رافعاً طرفه إلى السماء
ـ: «اللهم أنت الشاهد عليّ وعليهم، وأني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا بترك
حقك».
ثم أخرج (عليه السلام) قطعة جلد فكتب فيها:
«بسم الله الرحمن الرحيم ((قد جاءتكم بينة من ربكم
فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض
بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين))(89).
فإذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتى
يقدم عليك من يقبضه. والسلام».
قالت: ثم دفع الرقعة إلي، فوالله ما ختمها بطين، ولا
خذمها، فجئت بالرقعة إلى صاحبه، فانصرف عنا معزولاً»(90).
وللبحث الفقهي والحكم الشرعي في هذه المسألة مجال آخر
واسع غير مثل هذا الكتاب الذي وضع لبيان النقاط في اختصار، والإلمام
السريع بسيرة أمير المؤمنين علي(عليه السلام) السياسية، لكي نستلهم
منها ومن سيرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دروس السياسة الصحيحة في
تاريخنا المعاصر.
التعليم العملي للوالي
أخرج الإربلي أيضاً عن أمير المؤمنين علي (عليه
السلام) قال:
«وكان (عليه السلام) قد ولى على عكبرا(91) رجلاً من
ثقيف، قال: قال لي علي (عليه السلام): إذا صليت الظهر غداً فعد إليّ،
فعدت إليه في الوقت المعين…
فوجدته جالساً وعنده قرح وكوز ماء، فدعا بوعاء مشدود
مختوم.
فقلت في نفسي: قد أمنني حتى يخرج إليّ جوهراً.
فكسر الختم وحله فإذا فيه سويق. فأخرج منه، فصبه في
القدح، وصب عليه ماءً، فشرب وسقاني، فلم أصبر.
فقلت له: يا أمير المؤمنين أتصنع هذا في العراق
وطعامه كما ترى في كثرته.
فقال: أما والله ما أختم عليه بخلاً به، ولكني أبتاع
قدر ما يكفيني فأخاف أن ينقص، فيوضع فيه من غيره، وأنا أكره أن أدخل
بطني إلا طيباً.
فلذلك احترز عليه كما ترى.
ثم قال (عليه السلام): فإياك وتناول ما لا تعلم
حله»(92).
العزل لرفع الصوت
أخرج النوري(رضي الله عنه) في (مستدرك الوسائل) عن
كتاب (غوالي اللئالي) قال: «روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) ولى
أبا الأسود الدؤلي القضاء ثم عزله.
فقال أبو الأسود له: لم عزلتني وما خنت ولا جنيت؟
فقال (عليه السلام): «إني رأيت كلامك يعلو كلام
خصمك»(93).
المتخاصمان إنسانان محترمان في منطق الإسلام، وليس
للقاضي أن يهينهما بأية إهانة، ورفع الصوت نوع إهانة، وليس ذلك من أدب
الإسلام في القضاء..
(إذن) ينبغي أن يعزل القاضي الذي يمارس ذلك، وإن كان
مثل أبي الأسود الدؤلي في علمه وفضله، وخلقه وقربه من أمير المؤمنين
(عليه السلام) فإن الحق لا مداهنة فيه في منطق علي بن أبي طالب (عليه
السلام).
وقد كتب المحدث القمي(رضي الله عنه) عن أبي الأسود
الدؤلي ما يلي:
«أبو الأسود الدؤلي، أحد الفضلاء الفصحاء من الطبقة
الأولى من شعراء الإسلام، وشيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان من
سادات التابعين وأعيانهم.
وهو بصري يعد من الفرسان والعقلاء»(94).
وهو واضع علم النحو بإشارة من أمير المؤمنين (عليه
السلام).
أرفع إليّ حسابك
بالرغم من أن سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) في
حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد وفاته (صلى الله عليه
وآله وسلم) في حياة من تقدمه كانت خير معرف لـه (عليه السلام) في
مستقبل حياته،وكان الولاة والموظفون الذي يبثهم هنا وهناك يعرفون أسلوب
أمير المؤمنين(عليه السلام) جيداً..
لكن مع ذلك كله لم يكن ليفوت علياً (عليه السلام)
مراقبة أحوال ولاته وعماله ومحاسبتهم لكي لا يظلم بعضهم الناس..
كتب (عليه السلام) إلى بعض ولاته وقد بلغه عنه بعض
سوء التصرف:
«أما بعد فقد بلغني عنك أمر إن كنت قد فعلته فقد
أسخطت ربك
وعصيت إمامك.
وأخزيت أمانتك.
بلغني: أنك جردت الأرض، فأخذت ما تحت قدميك، وأكلت ما
تحت يديك. فارفع إليّ حسابك.
واعلم: أن حساب الله أعظم من حساب الناس
والسلام»(95).
الناس في منطق الإسلام أحرار، لا يطالب أحد منهم
بحساب، ولايقال لأحد منهم: (من أين لك هذا) قضاءً لحكم الله تعالى
العام الشامل:
«ضع أمر أخيك على أحسنه»(96).
الذي يصطلح عليه الفقهاء بـ(أصالة الصحة) طبعاً إلا
في بعض حالات استثنائية من باب (المهم والأهم) المستفادين من نفس
الشريعة الإسلامية:
أما الوالي، والحاكم، والعامل والموظف الكبير، فيقال
لـه: «من أين لك هذا»؟.
ويحاسب في أمواله، وما عنده.
ويهدد بحساب الله الذي هو أعظم.. وأشد.
إرساءً للعدل، وأماناً للأمة عن الظلم والحيف.
لئن خنت
كتب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى بعض عماله ـ وهو
زياد بن أبيه، وهو خليفة عامله عبد الله بن عباس على البصرة ـ كتاباً
كما يلي:
«وإني أقسم بالله صادقاً لئن بلغني أنك خنت من فيء
المسلمين شيئاً صغيراً أو كبيراً...
لأشدن عليك شدة تدعك قليل الوفر، ثقيل الظهر، ضئيل
الأمر والسلام»(97).
(العامل) يعني الموظف الذي يختاره الإمام (عليه
السلام) لسياسة البلدان وإدارتها لابد وأن يتوفر فيه شرطان:
العلم، والعدالة.
فيجب أن يكون عالماً بأحكام الإسلام، والحلال
والحرام، وكيفية الوساطة في الأمور بين الله تعالى وبين خلقه.
ويجب أن يكون عادلاً، مؤمناً، خيراً، لا فاسقاً،
ظالماً، مجحفاً.
والعامل الذي اجتمع فيه العلم والعدالة لماذا كل هذا
التهديد الشديد معه؟
إنه صرامة الحق، وحدّته التي هي أشد من حد السيف..
فخيانة أموال المسلمين خيانة للمسلمين، وخيانة لأمير
المؤمنين، وخيانة لله تعالى.
ومن مارس مثل هذه الخيانات المجتمعة يستحق مثل هذا
التقريع.
هكذا يؤدب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) عمال
البلاد في سياسة الإسلام، وهكذا ينبغي أن يكون تأديب الإمام للولاة،
والعمال، والموظفين، لكي يأمن المسلمون من الخيانة والحيف.
وقد قال الإمام علي (عليه السلام) في كلام آخر له:
«وإن أعظم الخيانة خيانة الأمة
وأفظع الغش غش الأئمة»(98).
مسؤولية البقاع والبهائم
وجاء في بعض خطبه (عليه السلام) التي خطبها في أوائل
خلافته ما يلي:
«اتقوا الله في عباده وبلاده،
فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم»(99).
(المسؤولية) في منطق أمير المؤمنين (عليه السلام) لا
تخص الإسلام والإيمان فقط، ولا المسلمين والمؤمنين فحسب، ولا الرجال
والنساء فقط، ولا البشر فقط، وإنما هي تعم ما خلق الله تعالى مما يمكن
للبشر الاستفادة منه في خير أو شر، بحق أو باطل، في هداية أو ضلالة،
وما إليها..
حتى الأرض، والتراب والبلاد، والبر والبحر.. الناس
مسؤولون عنها بشتى أنوع المسؤولية: سكناها، زراعتها، تركها، إسرافها،
ونحو ذلك. وحتى البهائم والحيوانات.. الإنسان مسؤول أمام الله تعالى
عنها: ظلمها والرحمة بها، الاستفادة منها في خير أو شر، تبذيرها
وإسرافها.. وغير ذلك.
(هذه) هي حدود المسؤولية في سياسة علي بن أبي طالب
(عليه السلام) فليعتبر بذلك الأمة والقادة.
وليصححوا المسيرة على هدى أمير المؤمنين (عليه
السلام).
الحرية في حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام)
كان عصر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه الصلاة
والسلام) عصراً نعم فيه الناس بالحرية الواسعة الإسلامية، خصوصاً بعد
أن كان عهد عثمان بن عفان متميزاً بالقسوة والفظاظة، حتى أن مثل
الصحابي الجليل أبي ذر (رضوان الله عليه) الذي أطرى عليه رسول الإسلام
(صلى الله عليه وآله وسلم) كرات ومرات، كان لا يجد مجالاً للأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذه الحرية الإسلامية التي فسح لها المجال الإمام
أمير المؤمنين (عليه السلام) كانت أشبه شيء بالحريات التي منحها رسول
الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للناس في صدر الإسلام، فكما كان يعيش
في المدينة المنورة وحواليها حتى وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
بجنب المسلمين، المشركون واليهود والنصارى والمنافقون، مختلطين في
دورهم وأسواقهم يتعاملون ويمارسون حرياتهم المتبادلة في ظل الإسلام
العظيم.
كذلك كان المسلمون، واليهود، والنصارى، والمجوس،
والمشركون، بل كل البشر يعيشون في ظل الإسلام عيشة محترمة هانئة، في
عزة ورفاه في عصر أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، وقد أثر عنه (عليه
السلام) في هذا المجال: «فإنهم ـ أي الناس ـ صنفان إما أخ لك في الدين،
وإما نظير لك في الخلق»(100).
هذه الكلمة الفذة العظيمة الخالدة التي تفسح المجال
لاحترام البشر بما هو بشر، لكي ينظر إليه الناس من هذا المنظار فتجمعهم
جميعاً كلمة العدل وحق الإنسانية.
وبحق نقول: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه
السلام) هو واضع الأسس العميقة للحرية ـ بعد النبي(صلى الله عليه وآله
وسلم) ـ بأقواله، ومنفذ ثابت للحرية بأعماله وممارساته في أوساط الأمة.
ومما ورد في نهج البلاغة عنه(عليه السلام) في الحث والتحريض على الحرية
قولـه (عليه السلام):
«ألا حرّ يدع هذه اللماظة(101)»(102).
«لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً»(103).
«أيها الناس إن آدم لم يلد عبداً ولا أمة، وإن الناس
كلهم أحرار، ولكن الله خول بعضكم بعضاً»(104).
وهكذا كان علي (عليه السلام) هو أول من طبق هذه
الأقوال على حياته العملية وأسس حكومة إسلامية عادلة حرة، الناس فيها
أحرار، على وتيرة دولة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تماماً.
وإليك بعض الأمثلة لذلك:
ابن الكوا
كان ابن الكوا رجلاً منافقاً خارجياً ملعوناً(105)
مشاكساً لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) في أوج حكومته الواسعة التي
كانت ذلك اليوم أوسع حكومة على وجه الأرض، وكان علي (عليه السلام) ـ
بالإضافة إلى أنه إمام من عند الله والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
ـ أكبر حاكم على الكرة الأرضية.. فكان يلقي اعتراضاته على أمير
المؤمنين (عليه السلام) في أوساط العامة، وبصورة شرسة.
أخرج العلامة المجلسي(رضي الله عنه)(106) عن كتاب
(المناقب) بسنده: كان علي(عليه السلام) في صلاة الصبح، فقال ابن الكوا
من خلفه: ((ولقد أوحيَ إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك
ولتكونن من الخاسرين))(107) .
فأنصت علي (عليه السلام) تعظيماً للقرآن حتى فرغ من
الآية.
ثم عاد علي (عليه السلام) في قراءته.
فأعاد ابن الكوا: ((ولقد أوحي إليك وإلى الذين من
قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين)).
فأنصت علي (عليه السلام) أيضاً تعظيماً للقرآن.
ثم عاد علي (عليه السلام) في قراءته.
فأعاد ابن الكوا: ((ولقد أوحي إليك وإلى الذين من
قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين)).
فأنصت (عليه السلام) أيضاً تعظيماً للقرآن.
فلما أتم ابن الكوا قراءة الآية للمرة الثالثة قرأ
علي (عليه السلام).
((فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا
يوقنون))(108).
ثم أتم السورة وركع (عليه السلام)(109).
أية حرية للناس هذه التي تسمح لرجل منافق أن يتهجم
على الرئيس الأعلى للعالم الإسلامي وهو مثل أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب (عليه السلام) في حال الصلاة ويتعرض لـه (عليه السلام) بالشرك
والحبط..
ثم ينصت لـه الإمام (عليه السلام) تعظيماً للقرآن
الكريم. ويتكرر الأمر ثلاث مرات.
ويتم الإمام (عليه السلام) صلاته دون أن يفعل بابن
الكواء شيئاً.
ويعود ابن الكوا إلى مسيرته السابقة كأن لم يكن
شيئاًٍ مذكوراً.
أين هذه الحرية من حرية البلاد الحرة في عالم اليوم؟
وهل يجرأ إنسان عادي لمثل ذلك مع أي رئيس أو زعيم؟
وإن حصل هذا فهل يمر بسلام؟
لا يجيب عليه التاريخ إلا بالنفي، حتى في هذا اليوم،
في أكثر بلاد العالم حرية. وهذا ما طبقه علي (عليه السلام) من الحرية
الإسلامية.
فليسمع الذين يقولون: لا حرية في الإسلام.
أبو هريرة
كان أبو هريرة الذي تربى في بعض العهود السابقة على
البذخ والترف، فجاءه عصر علي بن أبي طالب (عليه السلام) بمر الحق ودقة
الإسلام وضبط العدل..
فلم يرقه ذلك، فوقف في وجه علي (عليه السلام) معاتباً
مشاكساً يريد أن يعلم علي بن أبي طالب (عليه السلام) سياسة الإسلام
وتطبيق حكم القرآن.
كأنه لم يسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
يقول في علي (عليه السلام) الكثير.. والكثير من الفضائل والحسنات.
مثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «علي مع الحق
والحق مع علي يدور معه حيثما دار»(110).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «علي وارث علمي
وحكمتي»(111).
وقولـه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا مدينة العلم
وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها»(112). إلى المئات..
والألوف من نظرائها.
كل ذلك من أبي هريرة.
أما من علي (عليه السلام) فلم يؤثر ذلك كله في أن
يغير موقفاً منه تجاه أبي هريرة.
بل بالعكس كان علي (عليه السلام) يقضي حوائج أبي
هريرة بعد ذلك أيضاً، انظر هذه القطعة التاريخية:
أخرج العلامة المجلسي (رضي الله عنه) عن (المناقب)
قال:
«وجاء أبو هريرة إلى علي (عليه السلام) ـ وكان تكلم
فيه وأسمعه في اليوم الماضي ـ وسأله حوائجه فقضاها.
فعاتبه أصحابه على ذلك فقال(عليه السلام): إني لأستحي
أن يغلب جهله علمي، وذنبه عفوي، ومسألته جودي»(113).
وأبو ذر (رضي الله عنه) وهو الصحابي العظيم الجليل،
يتكلم بالحكم الشرعي في مجلس عثمان وهو الرجل المعروف، فلم يكن لـه
جزاء سوى الضرب، والحبس، والتهجير، والجوع، والإذلال، والموت.
أما أبو هريرة ـ وهو المعروف بأحاديثه الموضوعة على
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ
أولاً: يجرأ أن يتكلم على علي بن أبي طالب (عليه
السلام) في وجهه.
وثانياً: هو يعلم بالحرية الإسلامية التي يمارسها
أمير المؤمنين (عليه السلام) فلايخاف بطشاً ولا عقوبة.
وثالثاً: لا يعاقبه علي بن أبي طالب (عليه السلام)
بالرغم من علمه بأن أبا هريرة عاص ومذنب في هذا الصنيع، ساحق للحق،
يبحث عن الباطل والظلم.
ورابعاً: يجرأ أبو هريرة في الغد أن يطلب إلى علي
(عليه السلام) حوائجه.
وخامساً: بالفعل يقضي علي (عليه السلام) حوائجه.
كأن لم يكن شيئاً مذكوراً.
ثم يعاتبه أصحابه على ذلك، فيجيبهم بمنطق العلم
والعفو والجود..
هذه هي حرية الإسلام، في هذا المستوى الرفيع.
عطاء الخوارج
الخوارج حاربوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه
السلام).
وشهروا السيوف عليه وعلى أصحابه.
وقتلوا الألوف والألوف من المؤمنين والمؤمنات من
أصحاب علي(عليه السلام) وشيعته.
وأقاموا على علي (عليه السلام) حرباً عظيمة.
ومع ذلك كله حفظ التاريخ لأمير المؤمنين (عليه
السلام):
«أنه لم يقطع عطاء الخوارج من بيت المال»(114).
أية حرية هذه وفي أي بعد؟
أين يوجد نظير لهذه الحرية في التاريخ، ما عدا رسول
الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن كان في خط الله تعالى وخط رسل الله
وأوليائه؟
بايعوا ضباً
أجمعت الأمة على بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)
بعد مقتل عثمان بيعة ثانية بعد ما كانوا قد بايعوه ـ قبل خمسة وعشرين
عاماً ـ في غدير خم بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في
منصرفه من حجة الوداع(115).
وبايعه ثمانية من المنافقين فيمن بايعوه.
ثم خلعوا بيعته ـ بين أنفسهم ـ وبايعوا ضباً في
الصحراء.
اقرأ القطعة التاريخية التالية:
أخرج العلامة المجلسي(رضي الله عنه) في (البحار) عن
ابن شهر آشوب في (المناقب)(116) والقطب الراوندي في (الخرايج)(117)،
والشيخ الصدوق في (الخصال)(118)، والصفار في (بصائر الدرجات)(119)،
وغيرهم بأسانيدهم عن الأصبغ بن نباتة قال:
أمرنا أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمسير إلى
المدائن من الكوفة فسرنا يوم الأحد، وتخلف عمرو بن حريث في سبعة نفر،
فخرجوا إلى مكان بالحيرة يسمى الخورنق، فقال: نتنزه فإذا كان يوم
الأربعاء خرجنا فلحقنا علياً قبل أن يجمع (أي: قبل أن يصلي صلاة
الجمعة).
فبينما هم يتغدون إذ خرج عليهم ضب فصادوه.
فأخذه عمرو بن حريث فنصب كفه (أي: كف الضب) وقال:
بايعوا، هذا أمير المؤمنين.
فبايعه السبعة وعمرو ثامنهم.
ثم أفلتوه وارتحلوا.
وقال: إن علي بن أبي طالب يزعم أنه يعلم الغيب، فقد
خلعناه وبايعنا مكانه ضباً.
فقدموا المدائن يوم الجمعة وأمير المؤمنين (عليه
السلام) يخطب.
ولم يفارق بعضهم بعضاً، فكانوا جميعاً حتى نزلوا على
باب المسجد، فلما دخلوا نظر إليهم أمير المؤمنين (عليه السلام) من فوق
المنبر وقد قطع حديثه، فقال:
«يا أيها الناس إن رسول الله (صلى الله عليه وآله
وسلم) أسر إليّ ألف حديث لكل حديث ألف باب، لكل باب ألف مفتاح.
وإني سمعت الله جل جلاله يقول: ((يوم ندعو كل أناس
بإمامهم))(120).
وإني أقسم لكم بالله، ليبعثن يوم القيامة ثمانية نفر
يدعون بإمامهم وهو ضب. ولو شئت أن أسميهم لفعلت».
قال الأصبغ بن نباتة: فلقد رأيت عمرو بن حريث قد سقط
كما يسقط السعفة حياءً ولؤماً، وجبناً وفرقاً(121).
كيف يأمن هؤلاء الثمانية أن ينكثوا بيعتهم؟
بيعتهم لأمير المؤمنين (عليه السلام) الذي اعتبره
القرآن الحكيم نفس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في آية
المباهلة(122).
ثم يتمادوا في غيهم فيبايعوا ضباً إيغالاً منهم في
إهانة أمير المؤمنين قسيم الجنة والنار.
وموقف أمير المؤمنين (عليه السلام) منهم موقف العطف
والرحمة، يعرفهم، ويخبر عنهم، ومع ذلك يحجم عن ذكر أسمائهم لكي لا
يحطمهم الناس..
ومع ذلك كله يظل الثمانية على نفاقهم وضلالهم.
مثل هذه الحرية لا توجد إلا في الإسلام.
ولا يمثلها إلا حاكم إسلامي عادل مثل رسول الله (صلى
الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين(عليه السلام)، ومن كانت سيرته
متابعة لسيرتهما.
وساطة في التزويج
كانت الكوفة تجمع خليطاً من العرب، والفرس، وغيرهما
من الأمم الذين دخلوا في الإسلام في العصور المتأخرة عن وفاة رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم)..
وكانت القومية قد ركزت في قلوب بعضهم، نتيجة ضعف أسس
الإسلام العالمية في نفوسهم..
لذلك: جعل بعض العرب يمتنع عن تزويج غير العرب.
فجاء غير العرب إلى أمير المؤمنين (عليه الصلاة
والسلام) فذكروا لـه ذلك، وطلبوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أن
ينصحهم ويقوم بدور الوساطة في ذلك.
ففعل علي(عليه السلام) ذلك، ولم يستجب أولئك
لعلي(عليه السلام).
أية حرية هذه التي يسعى أمير المؤمنين (عليه السلام)
في التزويج، فلا تقبل وساطته، ولا يحرك ساكن؟
هذه هي حرية الإسلام.
صلاة التراويح
كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلي نوافل شهر
رمضان فرادى ولم يجز أن تُصلى جماعة، حتى أن المسلمين اجتمعوا خلف رسول
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في إحدى ليالي شهر رمضان فلما أتم
الصلاة خرج من المسجد وذهب(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى البيت ولم
يسمح لهم في ذلك(123).
وكان الوضع هكذا في عهد أبي بكر.
وكذلك في فترة من عهد عمر بن الخطاب.
ثم رأى عمر أن تصلى هذه النوافل جماعة وسميت بـ(صلاة
التراويح) وجرى على ذلك عثمان بن عفان.
فلما جاء أمير المؤمنين علي(عليه السلام) إلى الحكم
منع عن التراويح كما لم يسمح بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
غير أن جماعة من المسلمين حيث كانوا قد تعودوا صلاتها
سنين طويلة خرجوا في مظاهرة ضد المنع عن التراويح..
فلما بلغ الخبر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أمر
بأن يتركوا ليفعلوا ما شاؤوا.
وهذا من مصاديق الحرية في الإسلام حيث يدع الرئيس
الأعلى للإسلام والمسلمين الناس يخالفونه، ولا يعاقبهم بشيء.
اتق الله
أخرج في (المناقب) عن (مسند أحمد بن حنبل) قال:
قال الجعد بن نعجة الخارجي لأمير المؤمنين (عليه
السلام): اتق الله يا علي إنك ميت.
قال (عليه السلام) له: «لا بل والله قتلا، ضربة على
هذا ـ وأشار إلى رأسه الشريف ـ قضاءً مقضياً، وعهداً معهوداً، ((وقد
خاب من افترى))»(124)،(125).
أترى من يجرأ أن يقول لحاكم يحكم أكبر دولة في العالم
مثل هذا القول إلا ويسجل القائل اسمه في سجل الأموات..؟
فلا جزاء لـه في المنطق غير الإسلامي، سوى السجن
والتعذيب، والقتل في النهاية.
ولكن الرجل الخارجي يقول هذه الكلمة بكل حرية
واطمئنان دون وجل أو رعب، ويهين بهذه الجملة مثل أمير المؤمنين (عليه
السلام)، ثم لم يكن لـه جزاء من أمير المؤمنين إلا فتح باب من أبواب
الغيب الذي علمه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإشفاعه بتطبيق
قرآن يكذب به القائل ((وقد خاب من افترى))(126).
فالرجل مفتر في قوله: إنك ميت، لأن الله تعالى يقول:
((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً * بل أحياء عند ربهم
يرزقون))(127).
وهذا منطق الكلمة حيث يحل محل منطق السيف.
وهذه هي الحرية التي لا توجد إلا في الإسلام.
سؤال بتعنت
أخرج المحدث القمي (رضي الله عنه) عن عبد العزيز
الجلودي في كتاب (الخطب) قال:
خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: «سلوني فإني
لا اُسأل عن شيء دون العرش إلا أجبت فيه، لايقولها بعدي إلا جاهل مدع،
أو كذاب مفتر».
فقام رجل من جانب مجلسه وفي عنقه كتاب كأنه مصحف ـ
وهو رجل أدم ضرب، أي: خفيف اللحم، طوال، جعد الشعر كأنه من مهودة العرب
ـ فقال رافعاً صوته لعلي (عليه السلام): أيها المدعي ما لا يعلم،
والمقلد ما لا يفهم أنا السائل فأجب.
فوثب إليه أصحاب علي (عليه السلام) وشيعته من كل
ناحية، فهمّوا به.
فنهرهم علي(عليه السلام)، فقال لهم: دعوه ولا تعجلوه
فإن الطيش لا يقوم به حجج الله، ولا به تظهر براهين الله.
ثم التفت (عليه السلام) إلى الرجل وقال لـه: سل بكل
لسانك وما في جوانحك فإني أجيبك.
ثم سأله الرجل عن مسائل فأجابه.
فحرك الرجل رأسه وقال:
«أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول
الله»(128).
هذا مفهوم الحرية عند علي بن أبي طالب (عليه السلام).
منطق الكلمة.. لا منطق العنف.
منطق الحوار.. بدل منطق الرصاص.
حرية الكلام سمحت للسائل المتعنت أن يخضع فيكون
مؤمناً مؤدباً.
ومنطق البرهان فسح المجال لليهودي العنيد أن يكون
مسلماً خاضعاً.
وهذا هو منطق الإسلام، ومفهوم الحرية عند أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام).
العفو عن السب
ذكر المؤرخون في تاريخ أمير المؤمنين (عليه السلام)
عند ما كان بالكوفة أيام خلافته:
أنه مرت امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم.
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن أبصار هذه
الفحول طوامح، وإن ذلك سبب هبابها، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه
فليلمس أهله، فإنما هي امرأة كامرأته.
فقال رجل من الخوارج ـ وكان حاضراً هناك ـ:
قاتله الله كافراً ما أفقهه.
فوثب القوم ليقتلوه.
فقال علي (عليه السلام): رويدا إنما هو سب بسب أو عفو
عن ذنب»(129).
هذا ما ذكر في التاريخ.
ولم أجد باقي القصة، وأن أمير المؤمنين (عليه
السلام)، هل رد عليه السب لقوله تعالى: ((فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه
بمثل ما اعتدى عليكم))(130).. أم عفاه وتركه.
والظاهر أنه قد عفا عنه، لأنه لو كان فعل علي (عليه
السلام) معه شيئاً لاقتضى أن يسجله التاريخ أيضاً، وعدم ذلك دليل العفو
عنه ظاهراً.
ولولا حرية الكلمة لما تجرأ الرجل الخارجي للتطاول
على أمير المؤمنين(عليه السلام) ونسبة الكفر إليه في وضح النهار، أمام
عينيه وبمحضر أصحابه.
فالإمام (عليه السلام) بسياسته الرشيدة وحكمته
السياسية ترك الناس وما يقولون، لعله ليكون صمام أمان يتنفس به أصحاب
الأمراض النفسية، كي لا تصل النوبة إلى حد السيف، وقيام حرب ولو صغيرة
داخل الكوفة.
وليس معنى ذلك: أن الإسلام يجوّز لهذا الخارجي في أن
يتفوه بمثل هذه الجملة، كلا، فهذا الذي تكلم به الخارجي من أبشع
الحرام، وأشنع الآثام، ولكن المقصود هو بيان ما للحاكم الإسلامي الأعلى
من سعة في منح الحريات للناس حتى لمثل هذا المنكر الفظيع.
تحليل الموقف
وإلا فالحكم الأولي الشرعي لمثل هذا الإنسان القتل.
لأن ساب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وساب الإمام
(عليه السلام) حده القتل..
كما قال المحقق في (الشرائع)(131) وصاحب الجواهر في
شرحه مزجاً:
(ومن سب الإمام العادل وجب قتله، بلا خلاف أجده فيه،
بل في ظاهر المنتهى ومحكي التذكرة الإجماع عليه كما عن صريح جماعة، وهو
(عليه السلام) الحجة بعد قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من
سمع أحداً يذكرني فالواجب عليه أن يقتل من شتمني، ولا يرفع إلى
السلطان، وإذا رفع إليه كان عليه أن يقتل من نال مني» المتمم بعدم
القول بالفصل بينه وبين غيره من الأئمة (عليهم السلام) الذي سبهم
أيضاً)(132).
وأخرج العلامة المجلسي (رضي الله عنه) في (البحار)
بأسانيد عدة عن ابن عباس: أنه مر بمجلس من مجالس قريش وهم يسبون علي بن
أبي طالب (عليه السلام) فقال لقائده ـ لأنه كان مكفوفاً وقتئذ ـ : ما
يقولون هؤلاء؟
قال: يسبون علياً (عليه السلام).
قال: قربني إليهم.
فلما أن وقف عليهم قال: أيكم الساب الله؟
قالوا: سبحان الله، ومن يسب الله فقد أشرك بالله.
قال: فأيكم الساب رسول الله (عليه السلام)؟
قالوا: من يسب رسول الله فقد كفر.
قال: فأيكم الساب علي بن أبي طالب؟
قالوا: قد كان ذلك.
قال: فأشهد الله، وأشهد الله، لقد سمعت رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:
«من سب علياً فقد سبني ومن سبني فقد سب الله
عزوجل»(133).
وفي الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) رواه عنه
عبد الله بن سليمان العامري قال:
قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أي شيء في رجل
سمعته يشتم علياً ويبرأ منه، قال: فقال لي: «والله هو حلال الدم»
(134).
«وروي أنه من ذكر السيد محمداً (صلى الله عليه وآله
وسلم) أو واحداً من أهل بيته (عليهم السلام) بالسوء وبما لا يليق بهم،
أو الطعن فيهم (صلوات الله عليهم) وجب عليه القتل»(135).
وفي (دعائم الإسلام) عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل
عن رجل تناول علياً(عليه السلام).
فقال: «إنه لحقيق أن لا يقيم يوماً».
ثم قال (عليه السلام): «ويقتل من سب الإمام كما يقتل
من سب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)»(136).
والأحاديث الشريفة في ذلك تعد بالعشرات.
ولا أراني بحاجة في هذا المجال المختصر إلى سردها
جميعاً.
الأهم والمهم في الإسلام
لكن مع ذلك لم يقتل أمير المؤمنين (عليه السلام)
الخارجي الذي سبه ولم يأمر بقتله، بل لم يدع أصحابه أن يقتلوه…
ذلك: للمصلحة الأهم، أو المفسدة في قتله، مما تخصان
أمير المؤمنين(عليه السلام) في ظروفه الخاصة آنذاك، أو تعم الإسلام
والمسلمين في ذلك الجو الخاص المحيط بهم، أو كلاهما.
وقد تكون تلك المصلحة مجرد إظهار عفو الإسلام
وسماحته…
وربما تكون المفسدة: تصور بعض الجهال عنف الإسلام
وقسوته.
أو: تمكن نشر المغرضين واتباع الشيطان أن الإسلام قاس
عنيد.
أو لغير ذلك.. فهذه الأمور هي أهم من تنفيذ حكم واحد
من أحكام عقوبات الإسلام، وأجدر بالاهتمام، وأولى بالتنفيذ.
فدعاية السوء تؤثر سلباً ـ أحياناً ـ على الإسلام
وعلى الأمة أكثر مما يؤثر إيجاباً تنفيذ بعض أحكام الإسلام. وفي هذا
المجال يقول المحقق القمي (رضي الله عنه) ما مضمونه: «الذي أفتى به
العلماء، وادعوا عليه إجماع الفقهاء، وجاء به النص الشرعي أن سباب
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) يقتل، لكن
يشترط أن لا يكون في تنفيذ هذا الحكم خوف فساد»(137).
ولذلك ورد الحديث الصحيح السند، في الكافي الشريف عن
زرارة عن أحدهما ـ يعني الباقر أو الصادق ( ـ قال: قال رسول الله (صلى
الله عليه وآله وسلم): «لولا أني أكره أن يقال: إن محمداً استعان بقوم
حتى إذا ظفر بعدوه قتلهم، لضربت أعناق قوم كثير»(138).
فدعاية السوء ضد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
أوجبت أن يترك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قتل كثيرين ممن كانوا
يستحقون القتل، أو يجب قتلهم ـ لولا هذه الدعاية الظالمة ـ.
من أصول سياسة الإسلام
وهذا أصل عميق من أصول سياسة الإسلام يستنبط منه
الكثير من الأحكام السياسية الداخلية والخارجية الإسلامية.
وليس معنى ذلك: أن كل أحكام الله تعالى تتغير
باستهزاء المستهزئين، بل معنى ذلك: أن استهزاء أو تهمة الإسلام، أو نبي
الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو أئمة الإسلام (عليهم السلام) بل
وحتى مراجع الدين.. استهزاءً وتهمة ودعاية، تستوجب إضعاف الإسلام
وتضعيف المسلمين وتخذيلهم وحملهم على الوهن أو الشماتة بهم ونحو ذلك..
وفي نفس الوقت تشجيع الظالمين والكافرين وفتح ألسنتهم بالسوء على
الإسلام والمسلمين.
فهذه الأمور تستوجب عدم تطبيق بعض المواد من العقوبات
الإسلامية حفظاً على علو الإسلام، وعظمته وشموخه..
لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «الإسلام يعلو
ولا يعلى عليه»(139).
وبكلمة، فإذا ترتب على تنفيذ عقوبة إسلامية فساد عرف
من جهة الشريعة أن مراعاته أهم من مراعاة تلك العقوبة، ترفع اليد عن
أجراء العقوبة.
وقد صرحت بذلك الأحاديث الشريفة. من ذلك: الحديث
الصحيح الإسناد الذي رواه الشيوخ الثلاثة الأجلة، الكليني(140)،
والصدوق(141)، والطوسي(142) (رضوان الله عليهم) عن هشام بن سالم قال:
قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في رجل
سبابة لعلي (عليه السلام) ؟
قال: فقال لي: حلال الدم والله.
ثم قال (عليه السلام): لولا أن تعم بريئاً.
قال قلت: لأي شيء يعم به بريئاً؟
قال (عليه السلام): يقتل مؤمن بكافر ولم يزد على ذلك.
وقد علق العلامة المجلسي (رضي الله عنه) فيما نقل عن
(مرآة العقول) هنا بقوله: «أي: أنت أو البلية بسبب القتل من هو بريء
منه».
لهذه الأمور ترك علي (عليه السلام) قتل الذي سبه ومنع
من قتله.
وعندما نقيس قضية سب علي (عليه السلام) بمحضره وعفوه
عن الساب ـ على وجازتها ـ بقضايا أخرى لساسة معظم البلدان الإسلامية
اليوم، تعرف البون الشاسع فيما بينهما..
فاليوم من يسب أحد رؤساء غالب البلدان الإسلامية،
خصوصاً إذا كان في وجهه وبين أصحابه، فأقل عقوبة لـه الحبس، والتعذيب،
ومنعه عن حقوقه القانونية، وعن تجارته وكسبه، ونحو ذلك، وقد يؤدي به
ذلك إلى الإعدام، أو الموت تحت التعذيب القاسي.
وإنني أتذكر جيداً أن في عهد (عبد الكريم قاسم)(143)
في العراق وضع قانون لمن يسب عبد الكريم أن عقوبته السجن عشر سنوات، مع
أنواع من التعذيب.
من هنا نعرف الحرية في ظل أمير المؤمنين (عليه
السلام) الذي هو المطبق الدقيق للإسلام العظيم.
تخلفوا عن البيعة
بعد مقتل عثمان بن عفان، بايع المسلمون الإمام أمير
المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) وتخلف عن البيعة عدد من المنافقين.
لكن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يلزمهم البيعة.
وقد أراد بعض أصحابه إلزامهم بالبيعة، واستجاز في ذلك
أمير المؤمنين (عليه السلام)، لكنه لم يقابل من طرف الإمام (عليه
السلام) إلا بالرفض الشديد.
وذلك تحقيقاً لممارسة الحرية الإسلامية وإمعاناً من
أجل منطق الكلمة، وكلمة المنطق، لا كلمة السيف والعنف.
قال العلامة المجلسي (رضي الله عنه) في البحار(144):
«فخرج علي (عليه السلام) إلى المسجد
فبايعه الناس..
وجاءوا بسعد بن أبي وقاص.
فقال (عليه السلام): بايع.
قال: لا حتى يبايع الناس.
فقال (عليه السلام): خلوا سبيله.
وجاءوا بابن عمر، فقالوا: بايع.
فقال: لا حتى يبايع الناس.
قال (عليه السلام): ائتني بكفيل.
قال: لا أرى كفيلاً.
قال الأشتر: دعني أضرب عنقه.
قال (عليه السلام): دعوه، أنا كفيله.
وبايعت الأنصار إلا نفراً يسيراً منهم حسان بن ثابت،
وكعب بن مالك، وسلمة بن مخلد، وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة،
والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، وكعب بن مالك، ونافع بن خديج، وفضالة
بن عبيدة، وكعب بن عجرة، وكانوا عثمانية».
ولم يكن رد فعل أمير المؤمنين (عليه السلام) على هذه
التخلفات إلا النصيحة والدعوة إلى الحق فحسب.
أخرج العلامة المجلسي (رضي الله عنه) في (البحار) عن
(الإرشاد) قال: «لما اعتزل سعد ومن سميناه أمير المؤمنين (عليه السلام)
وتوقفوا عن بيعته حمد الله وأثنى عليه ثم قال ـ فيما قال ـ :
«وأيم الله لأنصحن للخصم، ولأنصفن للمظلوم.
وقد بلغني عن سعد، وابن مسلمة، وأسامة، وعبد الله،
وحسان بن ثابت أمور كرهتها.
والحق بيني وبينهم»(145).
هذا هو كل رد فعل أمير المؤمنين (عليه السلام) تجاه
من تخلفوا عن بيعته بلا حجة لهم ولا منطق.
هنا تتجلى الحرية الإسلامية التي يمارسها الحاكم
الإسلامي العادل منطق الكلمة، وسيف المنطق، لا منطق السيف.
مع علمي بغدرهما
بايع الزبير وطلحة في جمهور المسلمين الذين بايعوا
علياً (عليه الصلاة والسلام) ثم طلبا من أمير المؤمنين (عليه السلام)
الإذن لهما في العمرة لما رأوا من عدم تفريق علي (عليه السلام) في
العطاء بينهما وبين سائر المسلمين، وعدم استجابته (عليه السلام) لهما
في تسليم الكوفة والبصرة إليهما، إذ علم الإمام(عليه السلام) بالمؤامرة
التي تمت بينهما وبين معاوية في ذلك.
وكان علي (عليه السلام) يعلم أنهما لا يريدان العمرة،
ولكنهما يريدان الغدر والحرب، ومع ذلك لم يمتنع الإمام (عليه السلام)
من الإذن لهما قضاءً لممارسة الرئيس الحرية الإسلامية الرائعة.
فقد قال (عليه السلام) لهما حين استأذناه في الخروج
إلى العمرة:
«لا والله ما تريدان العمرة، ولكن تريدان البصرة».
وقال (عليه السلام) لابن عباس وهو يخبره عن
استئذانهما في العمرة:
«إني أذنت لهما مع علمي بما انطويا عليه من الغدر،
فاستظهرت بالله عليهما، وإن الله سيرد كيدهما، ويظفرني بهما»(146).
مخالفة شريح
قال ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة) عند ذكره
بعض أحوال (شريح): «وأقر علي (عليه السلام) شريحاً على القضاء مع
مخالفته لـه في مسائل كثيرة من الفقه، مذكورة في كتب الفقهاء.
وسخط علي (عليه السلام) مرة عليه فطرده عن الكوفة ولم
يعزله عن القضاء، وأمر بالمقام (ببانقيا) وكانت قرية قريبة من الكوفة
أكثر ساكنيها اليهود، فأقام بها مدة حتى رضي عنه، وأعاده إلى
الكوفة»(147).
هل من كاره
بعد ما تمت البيعة لأمير المؤمنين (عليه السلام)
وبايع جمهور المسلمين، عمد أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى عمل لم يسبق
لـه في التاريخ مثيل.
فقد أخرج ابن شهر آشوب في (المناقب) عن الراغب عن
عمار بن عباس أنه قال: لما صعد علي (عليه السلام) المنبر قال لنا:
«قوموا فتخللوا الصفوف ونادوا: هل من كاره؟
فتصارخ الناس من كل جانب: اللهم قد رضينا وسلمنا
وأطعنا رسولك وابن عمه»(148).
إن أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الخليفة بالحق من
عند الله تعالى، ومع ذلك يمتنع عن البيعة في أول الأمر لكي لا يقال
عنها بيعة إكراه وإجبار.
ثم يبايعه الناس باختيارهم، ومن لم يبايع لم يجبره
على البيعة ومع ذلك كله: يأمر بتخلل الصفوف لعل هناك من كاره فيمنحه
أمير المؤمنين(عليه السلام) حرية البيعة، وحرية الكلام، وحرية الحوار،
وحرية البحث..
أية حرية رائعة هذه في الإسلام يمارسها الرئيس الأعلى
بعد تمام البيعة؟
إنها من خصائص الإسلام العظيم.
موقف الحسن البصري
كان الحسن البصري ـ كما ذكره المؤرخون ـ:
«ممن قيل فيه إنه يبغض علياً ويذمه.
ويقول فيه: لو كان علي يأكل الحشف ـ يعني: أردى التمر
ـ بالمدينة لكان خيراً لـه مما دخل فيه.
وكان من المخذلين عن نصرة علي (عليه السلام).
وكان يقول علي (عليه السلام) عنه: أما إن لكل قوم
سامرياً، وهذا سامري هذه الأمة، إلا أنه لا يقول ((لامساس))(149)
ولكنه يقول: لا قتال»(150).
هذا الرجل لقيه علي (عليه السلام) وهو يتوضأ في ساقية
فقال له:
اسبغ طهورك يا فتى.
قال: لقد قتلت بالأمس رجالاً كانوا يسبغون الوضوء.
قال (عليه السلام): وإنك لحزين عليهم.
قال: نعم.
قال (عليه السلام): فأطال الله حزنك»(151).
وهذا كل ما قابل به علي (عليه السلام) الحسن البصري.
كلمة بكلمة.
وسبة بدعاء عليه.
وهذا مفهوم الحرية الإسلامية في عمقها العظيم.
موقف الأشعث
وأخرج ابن شهر آشوب في (المناقب) قال:
«وروي عن الحسن بن علي (عليه السلام) ـ في خبر ـ أن
الأشعث بن قيس الكندي بنى في داره مئذنة فكان يرقى إليها إذا سمع
الأذان في أوقات الصلاة في مسجد جامع الكوفة، فيصيح من على مئذنته: يا
رجل إنك لكاذب ساحر».
وماذا كان رد فعل الإمام (عليه السلام) لهذه الجريمة
النكراء؟
إنه مجرد إخبار عن مصير هذا الرجل الوقح.
قال الإمام الحسن (عليه السلام) متابعاً: «وكان أبي
يسميه: عنق النار.
وفي رواية: (عرف النار).
فيسأل عن ذلك، فقال: إن الأشعث إذا حضرته الوفاة يدخل
عليه عنق من النار ممدودة من السماء فتحرقه فلا يدفن إلا وهو فحمة
سوداء».
هذا كل رد فعل الإمام (عليه السلام) للأشعث بن قيس
مقابل فعلته التي من يفعل مثلها في سلطان أي طاغوت فأقل ما يصيبه ـ كرد
فعل ـ السجن والتعذيب والمنع عن الحقوق السياسية والاجتماعية.
أما أمير المؤمنين (عليه السلام) فهو سلطان حق،
وخليفة الله، ورئيس مطبق للإسلام بدقة وإتقان.
«فلما توفي الأشعث نظر سائر من حضره إلى النار وقد
دخلت عليه كالعنق الممدود حتى أحرقته وهو يصيح ويدعو بالويل
والثبور»(152).
الدية لمقتول المعارضة
لما عزم أمير المؤمنين (عليه السلام) لصد معاوية
ورده، والمسير إلى صفين، خطب خطبة حرض فيها الناس على الجهاد، فعارضه
رجل، فقتله الناس فوداه أمير المؤمنين (عليه السلام).
أخرج العلامة المجلسي (قدس الله سره) في (البحار) عن
(كتاب نصر بن مزاحم) عن معبد قال:
«قام علي (عليه السلام) على منبره خطيباً.. فسمعته
يقول:
سيروا إلى أعداء الله
سيروا إلى أعداء القرآن والسنن
سيروا إلى بقية الأحزاب وقتلة المهاجرين والأنصار
فعارضه رجل من بني فزارة، ووطأه الناس بأرجلهم،
وضربوه بنعالهم حتى مات، فوداه أمير المؤمنين (عليه السلام) من بيت
المال.
فقام الأشتر وقال: يا أمير المؤمنين: لا يهدنك ما
رأيت، ولا يؤسينك من نصرنا ما سمعت من مقالة هذا الشقي الخائن»(153).
ويظهر من هذا الحديث أن الرجل كان قد خاشن الكلام مع
أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومع ذلك اعتبره الإمام قتيل بيت المال،
فدفع ديته من بيت المال.
أين توجد مثل هذه الحرية في الكلام، والرأي، والتعبير
إلا في الإسلام؟
أمير المؤمنين (عليه السلام) يدعو الناس إلى حرب عدو
الله وعدو رسوله: معاوية بن أبي سفيان، فيعارضه الرجل، ويقتله الناس…
ومع ذلك يدفع أمير المؤمنين (عليه السلام) ديته إلى
ورثته؟
أين وفي أي أنظمة الأرض يوجد مثيل لذلك حتى في أكثر
بلاد العالم حرية هذا اليوم؟
وهكذا مثلت سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) الإسلام
العظيم في كل الأبعاد بعمق وشمول، وفي بعد الحرية ـ أيضاً ـ، ومنح
الناس ذلك في مختلف المستويات وشتى الأمور وضرب علي(عليه السلام) الرقم
القياسي وهكذا ليسير الحكام في الإسلام بسيرته الوضاءة، ويصححوا
سياستهم بسياسة علي(عليه السلام) الرشيدة في كل الأصعدة.
المساواة في سياسة أمير المؤمنين (عليه السلام)
الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بنى سياسته ـ
كنبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ على المساواة العادلة بين
مختلف أفراد الأمة في تقسيم أموال الأمة التي هم فيها سواء، عليهم
بالسوية..
وكان ذلك من السمات البارزة لعلي بن أبي طالب (صلوات
الله عليه) حتى ورد في عدد صفاته النادرة في بعض زيارته:
«القاسم بالسوية، والعادل في الرعية»(154).
وتطبيق ذلك كلف الإمام (عليه السلام) الكثير من
المتاعب، والانشقاقات والحروب وتفرق بعض الرؤوس عنه. لكن أمير المؤمنين
(عليه السلام) لم يعبأ بكل ذلك مقابل التطبيق الحرفي والدقيق للإسلام.
وفيما يلي نذكر نماذج من مساواة أمير المؤمنين (عليه
السلام) مما حفظه التاريخ.
يبدأ بنفسه
بدأ أمير المؤمنين (عليه السلام) في المساواة بنفسه
الكريمة أولاً، ثم طبقها على غيره، لكي لا يكون للناس حجة.
عند ما قُتل عثمان، وبايع المسلمون أمير المؤمنين
(عليه السلام).. صعد المنبر في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله
وسلم) وخطب في الناس خطبة ذكّرهم بتقوى الله، وشرح لهم سياسته في
البلاد والعباد، ثم نزل عن المنبر وأمر بفتح بيت المال، فقال لعمار:
«يا عمار قم إلى بيت المال، فأعط الناس ثلاثة دنانير لكل إنسان، وارفع
لي ثلاثة دنانير. فمضى عمار وأبو الهيثم مع جماعة من المسلمين إلى بيت
المال، ومضى أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مسجد قبا يصلي فيه...
فأبى طلحة والزبير وعقيل أن يقبلوها»(155).
سهل وغلامه واحد
سهل بن حنيف من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله
وسلم) من الأنصار، وقد شهد مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بدراً..
وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): أنه ذكر سهل
بن حنيف فقال:
«كان من النقباء».
ثم قال (عليه السلام): «ما سبقه أحد من قريش ولا من
الناس بمنقبة وأثنى عليه»(156).
وهذا الحصر إضافي ـ على حد تعبير الفقهاء ـ بالنسبة
للبدريين، أو الأنصار، أو من بقي منهم، غير أهل بيت النبي (صلى الله
عليه وآله وسلم).
وقد روي في تعظيم أمير المؤمنين (عليه السلام) لسهل
هذا أنه (عليه السلام) كبر عليه لما مات خمساً وعشرين تكبيرة.
فقد أخرج الشيخ الكليني (رضوان الله عليه) عن الإمام
الباقر (عليه السلام) قال:
«كبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على حمزة
سبعين تكبيرة.
وكبر علي (عليه السلام) على سهل بن حنيف خمساً وعشرين
تكبيرة.
قال: كبر خمساً، خمساً.
كلما أدركه الناس قالوا: يا أمير المؤمنين لم ندرك
الصلاة على سهل فيضعه فيكبر عليه خمساً. حتى انتهى إلى قبره خمس
مرات(157).
هذا الرجل العظيم، في هذه المنزلة الجليلة لم يدع
أمير المؤمنين (عليه السلام) المساواة في العطاء بينه، وبين عبد أسود
لـه قد أعتقه.
فقد روي الشيخ المفيد (رضي الله عنه) في (الاختصاص)،
عن ابن دأب قال:
«ولى علي (عليه السلام) بيت مال المدينة عمار بن
ياسر، وأبا الهيثم بن التيهان فكتب: العربي والقرشي والأنصاري والعجمي
وكل من في الإسلام من قبائل العرب وأجناس العجم سواء.
فاتاه سهل بن حنيف بمولى لـه أسود فقال: كم تعطي هذا؟
فقال لـه أمير المؤمنين (عليه السلام): كم أخذت أنت؟
قال: ثلاثة دنانير، وكذلك أخذ الناس.
قال (عليه السلام): فأعطوا مولاه مثل ما أخذ ثلاثة
دنانير»(158).
وفي (المناقب): «قام سهل بن حنيف فأخذ بيد عبده فقال:
يا أمير المؤمنين قد أعتقت هذا الغلام، فأعطاه ثلاثة دنانير مثل ما
أعطى سهل بن حنيف»(159).
أخته ومولاتها عطاء واحد
أخرج الشيخ المفيد (رضوان الله عليه) عن ابن دأب في
حديث طويل: «إنه دخلت عليه (عليه السلام) أخته أم هاني بنت أبي طالب
فدفع إليها عشرين درهماً، فسألت أم هاني مولاتها العجمية فقالت: كم دفع
إليك أمير المؤمنين (عليه السلام)؟
فقالت: عشرين درهماً.
فانصرفت مسخطة.
فقال لها علي (عليه السلام): انصرفي رحمك الله، ما
وجدنا في كتاب الله فضلاً لإسماعيل على إسحاق»(160).
ولم يفضل الأشراف
أخرج العلامة المجلسي (رضي الله عنه) عن الشيوخ
الأجلة: المفيد والكليني والطوسي وابن ادريس (رضوان الله عليهم جميعاً)
بأسانيد مختلفة:
أنه أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) عليه رهط من
الشيعة ـ عند تفرق الناس عنه، وفرار كثير منهم إلى معاوية طلباً لما في
يديه من الدنيا ـ فقالوا: يا أمير المؤمنين أعط هذه الأموال، وفضّل
هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم، ومن يخاف خلافه عليك
من الناس، وفراره إلى معاوية.
حتى إذا استوسقت الأمور عدت إلى أفضل ما عودك الله من
القسم بالسوية والعدل في الرعية.
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ويحكم أتأمروني أن
أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه من أهل الإسلام؟
لا والله لا يكون ذلك ما سمر السمير، وما رأيت في
السماء نجماً.
والله لو كانت أموالهم مالي لساويت بينهم، فكيف وإنما
هي أموالهم»(161).
مناقشة لطلحة والزبير
طلحة والزبير امتعضا لصنع أمير المؤمنين (عليه
السلام) معهما في المساواة بينهما وبين غيرهما من المسلمين في العطاء،
وناقشا أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك، ولكن الحق كان أقوى منهما،
وأولى بالاتباع في منطق أمير المؤمنين (عليه السلام).
أخرج في (مناقب آل أبي طالب) عن أبي الهيثم بن
التيهان، وعبد الله بن أبي رافع قالا: «إن طلحة والزبير جاءا إلى أمير
المؤمنين (عليه السلام) وقالا: ليس كذلك كان يعطينا عمر.
قال (عليه السلام): فما كان يعطيكما رسول الله (صلى
الله عليه وآله وسلم)؟
فسكتا.
قال (عليه السلام): أليس كان رسول الله (صلى الله
عليه وآله وسلم) يقسم بالسوية بين المسلمين؟
قالا: نعم.
قال (عليه السلام): فسنة رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم) أولى بالاتباع عندكم أم سنة عمر؟
قالا: سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
ثم قالا: يا أمير المؤمنين لنا سابقة وعناء وقرابة.
قال (عليه السلام): سابقتكما أقرب أم سابقتي؟
قالا: سابقتك.
قال (عليه السلام): فقرابتكما أم قرابتي؟
قالا: قرابتك.
قال (عليه السلام): فعناؤكما أعظم من عنائي؟
قالا: عناؤك.
قال (عليه السلام): فوالله ما أنا وأجيري هذا إلا
بمنزلة واحدة، ـ وأومأ بيده إلى الأجير ـ(162).
وهكذا جرت سيرة علي أمير المؤمنين (عليه السلام)
لتكون نبراساً للأجيال الصاعدة وأملاً للمظلومين والمستضعفين، وكبحاً
لجماح المستكبرين والطغاة، فلا يفضل غني على فقير، ولا أبيض على أسود،
ولا عربي على عجمي، ولا شريف على وضيع.. إلا عند الله في القيامة
بالتقوى.. لا بالمال في العطاء الذي جعلهم الله فيه سواءً في الدنيا.
عفو علي (عليه السلام)
يحق للحاكم الإسلامي الأعلى أن يعفو عن بعض المجرمين
إذا كانت هناك مصلحة أهم من مصلحة تنفيذ العقوبة الإسلامية.
وهكذا يحق للحاكم الأعلى الإسلامي أن يخفف من مقدار
العقوبة كماً أو كيفاً إذا دعت المصلحة الأهم إلى ذلك.
والأهمية في ذلك تكون نابعة من روح الشريعة الإسلامية
التي يكون مصدرها القرآن الحكيم، والسنة المطهرة، وإجماع الفقهاء،
والعقل.
والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) هو أعلم من يعرف
هذه المصالح، وهذه الأمور الأهم، ومن أجل ذلك يلاحظ في تاريخه (عليه
السلام) الموارد الكثيرة لعفوه عن المجرمين من تنفيذ العقوبات
الإسلامية بحقهم قضاءً لهذه الأهمية.
وفيما يلي نذكر بعض هذه الموارد.
العفو عن مروان
مروان بن الحكم كان من رؤوس النفاق، وكان ممن جهز
وشجع الجيش مع عائشة وطلحة بن الزبير في وقعة الجمل ضد أمير المؤمنين
(عليه السلام)، وكان قد أشعل نار الحرب وحرض أهل البصرة على أن يشقوا
عصا المسلمين..
هذه الحرب التي راح ضحيتها عشرات الألوف.. وعشرات
الألوف من المسلمين المصلين الصائمين..
لكن مع ذلك كله فقد عفا أمير المؤمنين (عليه السلام)
عن مروان هذا بعد أسره.
أخرج العلامة المجلسي (رضي الله عنه) في (البحار) عن
(المناقب) قال:
«وأسر مالك الأشتر يوم الجمل مروان بن الحكم فعاتبه
(عليه السلام) وأطلقه»(163).
وأخرج أيضا عن (الخرائج) رواية أخرى في ذلك كما يلي:
«روي عن أبي الصيرفي، عن رجل من مراد قال: كنت واقفاً
على رأس أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم البصرة إذ أتاه ابن عباس بعد
القتال فقال: إن لي حاجة؟
فقال (عليه السلام): ما أعرفني بالحاجة التي جئت
فيها، تطلب الأمان لابن الحكم؟
قال: نعم أريد أن تؤمنه.
قال (عليه السلام): آمنته، ولكن اذهب إليه وجئني به
ولا تجيئني به إلا رديفاً فإنه أذل له.
فجاء به ابن عباس ردفاً خلفه فكأنه قرد.
فقال لـه أمير المؤمنين (عليه السلام): أتبايع؟
قال: نعم وفي النفس ما فيها.
قال (عليه السلام): الله أعلم بما في القلوب.
فلما بسط يده ليبايعه أخذ كفه عن كف مروان فنترها
فقال (عليه السلام):لا حاجة لي فيها، إنها كف يهودية لو بايعني بيده
عشرين مرة لنكث بإسته.
ثم قال(عليه السلام):هيه يا ابن الحكم خفت على رأسك
أن تقع في هذه المعمعة(164)»
(البغاة) هم الخارجون على إمام عادل.
وحكم أسراهم إذا كانت لهم فئة: القتل.
وكان أصحاب الجمل بغاة. وكانوا فئة. فكان الحكم
الأولي لله قتل مروان.
لكن المصلحة الإسلامية ـ التي كان يراها أمير
المؤمنين علي (عليه السلام) آنذاك ـ اقتضت العفو عنه بالرغم مما كان
يعلمه أمير المؤمنين (عليه السلام) من خبثه، ولعن النبي (صلى الله عليه
وآله وسلم) لـه ولمن في صلبه إلى يوم القيامة إلا المؤمن منهم وهم
قليل، وعلمه (عليه السلام) كذلك: بما سيحدث مروان من فتن ومظالم.
مع هذا كله، فمصلحة العفو عن مروان حينذاك كانت أهم
بملاحظة روح الشريعة.
وعن عائشة أيضاً
وعائشة أيضاً كانت باغية بنص القرآن الحكيم:
((وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما
فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر
الله))(165).
وعائشة قاتلت خليفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
الشرعي المنصوب من عند الله ورسوله والمنتخب من الناس.
(إذن) فهي باغية، وحد الباغي والباغية القتل في
الإسلام.
وكانت عائشة تتوقع ذلك من أمير المؤمنين (عليه
السلام) ولذا لما رأت أمير المؤمنين (عليه السلام) بعدما انتصر عليها
قالت لـه ـ في استعطاف ـ :
«ملكت فأسجح» يعني: اعف بفضلك، ولا تنفذ حكم الإسلام
الأولي، بل استفد من صلاحية العفو التي لك، فعفا عنها أمير
المؤمنين(عليه السلام) للمصلحة الإسلامية الأهم آنذاك من مصلحة قتل مثل
عائشة وإن كانت باغية ورأساً للبغاة، وسبباً لإيجاد حرب طاحنة أبادت
الكثير من المسلمين.
قال في (البحار): فجهزها أمير المؤمنين (عليه السلام)
أحسن الجهاز، وبعث معها بتسعين امرأة أو سبعين من البصرة إلى
المدينة(166).
وعبد الله بن الزبير
عبد الله بن الزبير كان من المبغضين لعلي (عليه
السلام) وآل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الذي كان المحرض
لأبيه من أجل إشعال حرب الجمل، وقد روى فيه عن علي (عليه السلام) قوله:
«مازال الزبير منا حتى نشأ ابنه المشؤوم عبد الله».
وكان يبغض بني هاشم ويلعن ويسب علياً (عليه السلام)
(167).
هذا الرجل الخارجي الذي جرد سيفه في وجه خليفة رسول
الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
هذا الباغي في منطق الإسلام.
كان مستحقاً للقتل.
لكن أمير المؤمنين (عليه السلام) عفا عن عبد الله بن
الزبير في وقعة الجمل.
أخرج العلامة المجلسي (رضي الله عنه) في (البحار) عن
(المناقب):
إن عائشة بعثت أخاها محمد بن أبي بكر إلى أمير
المؤمنين (عليه السلام) تطلب منه الأمان والعفو لعبد الله بن الزبير.
فآمنه أمير المؤمنين (عليه السلام) وآمن معه سائر الناس ممن اشتركوا في
حرب الجمل(168).
عفوه عن موسى بن طلحة
قال في (البحار): «وجيء بموسى بن طلحة بني عبيد الله
فقال لـه أمير المؤمنين(عليه السلام): قل: استغفر الله وأتوب إليه ثلاث
مرات.
فقالها، وخلى علي (عليه السلام) سبيله.
ثم قال لـه: اذهب حيث شئت، وما وجدت لك في عسكرنا من
سلاح أو كراع فخذه واتق الله فيما تستقبله من أمرك واجلس في
بيتك»(169).
العفو عن صاحب التآمر
أخرج في (مناقب آل أبي طالب) عن الأصبغ بن نباتة قال:
«صلينا مع أمير المؤمنين (عليه السلام) الغداة، فإذا
رجل عليه ثياب السفر قد أقبل، فقال علي (عليه السلام) : من أين؟
قال: من الشام.
قال (عليه السلام): ما أقدمك؟
قال: لي حاجة.
قال (عليه السلام): أخبرني وإلا أخبرتك بقضيتك.
قال: أخبرني بها يا أمير المؤمنين.
قال (عليه السلام): نادى معاوية يوم كذا وكذا، من شهر
كذا وكذا، من سنة كذا وكذا: من يقتل علياً فله عشرة آلاف دينار.
فوثب فلان، وقال: أنا.
قال لـه معاوية: أنت؟
فلما انصرف إلى منزله ندم وقال: أسير إلى ابن عم رسول
الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي ولديه فاقتله؟
ثم نادى مناديه اليوم الثاني: من يقتل علياً فله
عشرون ألف دينار.
فوثب آخر فقال: أنا.
فقال معاوية: أنت؟
ثم إنه ندم واستقال معاوية، فأقاله.
ثم نادى مناديه اليوم الثالث: من يقتل علياً فله
ثلاثون ألف دينار.
فوثبت أنت ـ وأنت رجل من حمير ـ.
قال الرجل: صدقت.
قال علي (عليه السلام): فما رأيك؟ تمضي إلى ما أمرت
به أو ماذا؟
قال الرجل: لا، ولكن انصرف.
قال (عليه السلام): يا قنبر أصلح راحلته، وهيئ لـه
زاده، وأعطه نفقته(170).
هذه واحدة أخرى من أمثلة العفو الرائعة التي ضربها
علي (عليه السلام) في سيرته الوضاءة. يعلم بمن أراد قتله. ويتركه ليذهب
حيث شاء. ويضيف: أنه يصلح راحلته، ويهيئ زاده، ويعطيه نفقته..
أين تجد مثيل ذلك إلا في الإسلام الصحيح؟
العفو عن أسرى صفين
أخرج في (المناقب) عن أبي جعفر الإمام الباقر (عليه
السلام) قال:
«كان علي (عليه السلام) إذا أخذ أسيراً في حروب الشام
أخذ سلاحه ودابته واستحلفه أن لا يعين عليه»(171).
محاربون، شهروا سيوفهم على أمير المؤمنين (عليه
السلام)، وقد قتل بعضهم بعض المؤمنين من أصحاب علي (عليه السلام) ـ
لكنه لا يعرف بذلك ولا يعترف به ـ وانكسر جيشهم، وظفر أمير المؤمنين
(عليه السلام) بهم..
مع ذلك كله تركهم، وأطلق سراحهم.. في حين أن فئتهم
كانت موجودة وهم معاوية وأصحابه.
وهذه من سياسة العفو الرائعة في سيرة أمير المؤمنين
(عليه السلام)، يجلب بها الأعداء إلى الإسلام، ويحرض بها المنافقين
والنفعيين على الالتحاق بصفوف المؤمنين، ويربط بها على قلوب المؤمنين
ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم.
رد أموال الخوارج إليهم
وأخرج في (المناقب) أيضاً عن عرفجة عن أبيه قال:
«لما قتل علي (عليه السلام) أصحاب النهر جاء بما كان
في عسكرهم فمن كان يعرف شيئاً أخذه، حتى بقيت قدر ثم رأيتها بعد قد
أخذت»(172).
أمر بالضرب ثم عفا
وأخرج في (المناقب) أيضاً قال: «وبعث أمير المؤمنين
(عليه السلام) إلى لبيد بن عطارد التميمي في كلام بلغه، فمر به أمير
المؤمنين (عليه السلام) في بني أسد، فقام إليه نعيم بن دجاجة الأسدي
فأفلته.
فبعث إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فأتوه به.
وأمر به أن يضرب.
فقال له: نعم والله إن المقام معك لذل، وإن فراقك
لكفر.
فلما سمع ذلك منه قال: قد عفونا عنك، إن الله عزوجل
يقول: ((ادفع بالتي هي أحسن السيئة))(173).
أما قولك: إن المقام معك لذل فسيئة اكتسبتها.
وأما قولك: إن فراقك لكفر فحسنة اكتسبتها فهذه
بهذه»(174).
العفو ـ عندما تستوجبه المصالح التي هي أهم من غيرها
ـ ينقض به حكم الحاكم، فإن العفو من حكم الله، والضرب من حكم الله،
وحكم الله الأهم ينقض به حكم الله المهم. وبهذه السماحة واللطف والرفق
يستبقي الإسلام على المسلمين، ويؤلف قلوب غير المسلمين، ويستجلبهم إلى
الإسلام.
أمير المؤمنين (عليه السلام) بين الناس دائماً
عادة أصحاب السلطات يعيشون بعيدين عن المجتمع،
ويترفعون عن ممارسة الحاجات الصغيرة بأنفسهم لعدة أسباب:
1: للجبروت والطغيان.
2: للخوف من المجتمع الذي يمارسون الظلم معه.
3: للفرار من كثرة تراكم الأعمال عليهم.
أما الإمام أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) فهو
أبعد ما يكون عن هذه الأسباب كلها.. فعلي (عليه السلام) أبعد ما يكون
عن الجبروت والطغيان.
وأمير المؤمنين (عليه السلام) لا يظلم أحداً حتى
يخافه في دخول المجتمع.
وسيد الوصيين (عليه السلام) يبحث عن التعب والمشقة في
سبيل الله، فكيف يفر عن ذلك.
لذلك كان (عليه السلام) يمارس الأعمال الصغيرة بنفسه
الكريمة بجنب ممارسة الأعمال الكبيرة، ويقضي حاجات الناس بشخصه يبحث
عنها بين الناس ليلاً نهاراً، وفي الحر والقر. وهذا هو الذي كان يطمئن
الضعفاء والمساكين والمستضعفين، إلى أن لا يخشوا ظلم الناس لهم، لأنهم
يعلمون أن أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الذي بنفسه يبحث في الأزقة
والأسواق، والطرق العامة والمجتمعات الجامعة.. فيسعفهم، ويدفع عنهم كل
حيف.
وهذا هو الذي يصد ـ أيضاً ـ الطغاة والمستكبرين عن
الظلم وإيذاء الناس، لأنهم يعلمون أن علياً (عليه السلام) لهم
بالمرصاد، وهو بشخصه موجود بين أفراد المجتمع، فلا يأمنون في كل لحظة
وفي كل مكان أن يكون علي(عليه السلام) هو الشاهد والحاضر يقبض عليهم
متلبسين بالجريمة.
وفيما يلي نذكر نماذج من حضور أمير المؤمنين (عليه
السلام) بين الناس دائماً ليعتبر به قادة المسلمين، فلا يتركوا الشعوب
لينعزلوا في الأبراج العاجية بعيدين عن المجتمع فيأمن الظالمون ردعهم،
ويخاف المظلومون ظلم الظالمين.
الشفاعة إلى القصاب
أخرج العلامة المجلسي (رضي الله عنه) في (البحار) عن
كتاب (الخرائج) قال:
روي أن قصاباً كان يبيع اللحم من جارية إنسان وكان
يحيف عليها، فبكت وخرجت فرأت علياً (عليه السلام) فشكته إليه.
فمشى (عليه السلام) معها نحوه، ودعاه إلى الإنصاف في
حقها، وكان يعظه ويقول له: «ينبغي أن يكون الضعيف عندك بمنزلة القوي
فلا تظلم الناس»(175).
والشفاعة إلى التمار
أخرج ابن شهر آشوب في (المناقب) عن أبي مطر البصري
قال:
إن أمير المؤمنين (عليه السلام) مر بأصحاب التمر،
فإذا هو بجارية تبكي، فقال: يا جارية ما يبكيك؟
قالت: بعثني مولاي بدراهم فأبتعت من هذا تمراً،
فأتيتهم به فلم يرضوه فلما أتيته به أبى أن يقبله.
قال (عليه السلام) للتمار: يا عبد الله إنها خادم،
وليس لها أمر فاردد إليها درهمها وخذ التمر.
فقام إليه الرجل فلكزه(176).
فقال الناس: هذا أمير المؤمنين.
فربا الرجل(177) واصفر وأخذ التمر ورد إليها
درهمها،ثم قال: يا أمير المؤمنين ارض عني!
فقال (عليه السلام): ما أرضاني عنك إن أصلحت أمرك.
أو قال: ما أرضاني عنك إذا وفيت الناس حقوقهم»(178).
يظهر من القصة: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) ربما
كان جديد النزول بذاك البلد ـ البصرة أو الكوفة ـ أو كان الرجل بائع
التمر جديداً بها، فلم يعرف أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولذلك لكز
الإمام.
ولم يعاقبه علي (عليه السلام) على اللكزة لأنها قضية
شخصية في نظر الإمام، ولايعبأ علي (عليه السلام) بشخصه من حيث هو
شخصه..
ثم إن مهمة الإمام (عليه السلام) الساعة هي ردّ الحيف
عن الجارية، وهذه المهمة ربما تضمحل إذا حاسب الإمام الرجل على اللكزة.
هذه القضايا على صغرها هي التي تربي المجتمع من نواح
عديدة، بسبب حضور الرئيس الأعلى للمسلمين بين الناس، يقضي حوائجهم
بشخصه وينصح الظالمين، ويأخذ بحق المظلومين.
إصلاح بين زوجين
وأخرج في (المناقب) أيضاً عن الإمام محمد بن علي
الباقر (عليه السلام) قال في خبر:
«إنه رجع علي (عليه السلام) إلى داره في وقت القيظ،
فإذا امرأة قائمة تقول:
إن زوجي ظلمني، وأخافني، وتعدى علي وحلف ليضربني.
فقال(عليه السلام): يا أمة الله اصبري حتى يبرد
النهار، ثم أذهب معك إن شاء الله.
فقالت: يشتد غضبه عليّ.
فطأطأ رأسه ثم رفعه وهو يقول:
لا والله، أو يؤخذ للمظلوم حقه غير متعتع.
أين منزلك؟
فمضى (عليه السلام) إلى بابه فوقف فقال: السلام
عليكم.
فخرج شاب.
فقال علي (عليه السلام): يا عبد الله، اتق الله، فإنك
قد أخفتها وأخرجتها.
فقال الفتى ـ وهو لا يعرف أمير المؤمنين (عليه
السلام) ـ: وما أنت وذاك، والله لأحرقنها لكلامك.
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): آمرك بالمعروف
وأنهاك عن المنكر تستقبلني بالمنكر وتنكر المعروف؟
قال: فأقبل الناس من الطرق ويقولون: سلام عليكم يا
أمير المؤمنين.
فسقط الرجل في يديه.
فقال: يا أمير المؤمنين أقلني عثرتي، فوالله لأكونن
لها أرضاً تطأني.
فاغمد علي (عليه السلام) سيفه وقال: يا أمة الله
أدخلي منزلك، ولا تلجئي زوجك إلى مثل هذا وشبهه»(179).
لأعين مظلوماً
أخرج الشيخ الجليل محمد بن محمد بن النعمان المفيد
(قدس الله سره) في كتابه (الاختصاص)، في حديث طويل عن ابن دأب جاء فيه:
قال: ذكر الكوفيون: إن سعيد بن قيس الهمداني رآه ـ
يعني علياً (عليه السلام) ـ في شدة الحر في فناء حائط.
فقال: يا أمير المؤمنين بهذه الساعة؟
قال (عليه السلام): «ما خرجت إلا لأعين مظلوماً أو
أغيث ملهوفاً»(180).
من هو أضعف مني
وأخرج المفيد (رضي الله عنه) أيضاً، قال: «وذكروا أنه
(عليه السلام) توضأ مع الناس في ميضاة المسجد، فزحمه رجل، فرمى به.
فأخذ الدرة فضربه، ثم قال لـه: ليس هذا لما صنعت بي،
ولكن يجيء من هو أضعف مني فتفعل مثل هذا فتضمن»(181).
المنع عن المشي خلفه
أخرج العلامة المجلسي (رضي الله عنه) في
(البحار)(182)، عن (الكافي) و(المحاسن) بأسانيد صحيحة عن أبي عبد الله
الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «خرج أمير المؤمنين (عليه السلام)
على أصحابه وهو راكب، فمشوا خلفه، فالتفت إليهم فقال:لكم حاجة؟
فقالوا: لا يا أمير المؤمنين، ولكنا نحب أن نمشي معك.
فقال لهم: انصرفوا، فإن مشى الماشي مع الراكب مفسدة
للراكب ومذلة للماشي.
قال: وركب مرة أخرى فمشوا خلفه فقال (عليه السلام):
انصرفوا، فإن خفق النعال خلف أعقاب الرجال مفسدة
لقلوب النوكى»(183).
النوكى، جمع الأنوك: الأحمق.
وأخرج في (المناقب) عن زاذان: «إنه (عليه السلام) كان
يمشي في الأسواق وحده..
وهو ذاك يرشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالبياع
والبقال فيفتح عليه القرآن ويقرأ:((تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا
يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين))(184)»(185).
وهكذا كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) بين الناس
دائماً، وفي أوساط المجتمع، يعيش مشاكلهم ويحل معضلاتهم، ويؤدبهم
بلسانه وعلمه، وسيرته وأفعاله.
التطبيق الدقيق للإسلام
كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يطبق الإسلام
تطبيقاً دقيقا في الأمور الصغيرة والكبيرة، لأن الأمر الصغير كبير إذا
كان حكم الله، والكبير كبير لأنه حكم الله.
فالمقياس حكم الله، وبحسابه يكون كل شيء منتسباً إلى
الله تعالى كبيراً.
بهذا المنظار الواقعي العميق كان أمير المؤمنين علي
(عليه السلام) يقيم سيرته مع الناس وفي مختلف أدوار الحياة، كما كان
(عليه السلام) هكذا دقيقاً وعميقاً في حياته الشخصية.
وفيما يلي نذكر بعض النقاط من ذلك ليكون خير أسوة
للساسة المسلمين وقادة بلاد الإسلام.
إطفاء السراج
جاء في كتاب (المناقب) لابن شهر آشوب (قدس الله سره)
عن ابن مردويه قال: «وسمعت مذاكرة: إنه (عليه السلام) دخل عليه عمرو بن
العاص ليلة وهو في بيت المال، فطفئ السراج، وجلس في ضوء القمر، ولم
يستحل أن يجلس في الضوء من غير استحقاق»(186).
أترى كم كان يصرف من الزيت هذه اللحظات التي كان يكلم
فيها عمرو بن العاص؟ إنه شيء يسير جداً.
ولكن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أسوة وقدوة، فإذا
كان واقعياً دقيقاً إلى هذا الحد في أموال المسلمين فلا تصل النوبة إلى
ما وصل اليوم إليه بعض رؤساء بلاد الإسلام الذي يبذر المليارات..
وعشرات المليارات من أموال المسلمين اعتباطاً وسرفاً.
خشن في ذات الله
وأخرج (المناقب) أيضاً عن ابن مردويه قال:
«لما أقبل ـ يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ من
اليمن، تعجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واستخلف على جنده
الذين معه رجلاً من أصحابه. فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل من القوم حلة
من البز الذي كان مع علي(عليه السلام).
فلما دنا جيشه خرج علي (عليه السلام) ليتلقاهم، فإذا
هم عليهم الحلل.
فقال: ويلك ما هذا؟
قال: كسوتهم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس.
قال (عليه السلام): ويلك من قبل أن تنتهي إلى رسول
الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
قال الراوي: فانتزع علي (عليه السلام) الحلل من الناس
وردها في البز.
قال أبو سعيد الخدري:
شكا الناس علياً إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله
وسلم) في ذلك.
فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خطيباً
فقال:
يا أيها الناس لا تشكوا علياً، فوالله إنه لخشن في
ذات الله»(187).
كسر الذهب
وأخرج المناقب: أيضاً عن زاذان قال:
«إن قمبراً قدّم إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)
جامات من ذهب وفضة في الرحبة وقال: إنك لا تترك شيئاً إلا قسمته فخبأت
لك هذا.
فسل سيفه وقال: ويحك لقد أحببت أن تدخل بيتي ناراً؟
ثم استعرضها بسيفه فضربها حتى انتثرت من بين إناء
مقطوع بضعة وثلاثين وقال: عليّ بالعرفاء.
فجاءوا، فقال (عليه السلام): هذا بالحصص»(188).
جامات الذهب والفضة قد تكون قيمتها أكثر وأكثر ما
دامت جامات من قيمتها بعد كسرها.. ولكن حيث إن أواني الذهب والفضة
محرمة لعله لذلك كسرها أمير المؤمنين(عليه السلام) ووزعها غير محرم.
وهكذا ضرب أمير المؤمنين (عليه السلام) الرقم القياسي في التطبيق
الدقيق للإسلام.
لا.. للقوميات
(القومية) هي إحدى أساليب الاستعمار الفكرية التي ضرب
بها المسلمين وحطمهم، وشتت شملهم، وفرق جمعهم، وبالتالي: وتطبيقاً
للقانون «فرق تسد» ساد الاستعمار على بلاد الإسلام وعلى المسلمين، وهو
ما نراه اليوم بكل وضوح وجلاء..
أما الإسلام فقد قضى على هذه النعرات القومية يوم
أعلن القرآن الحكيم: ((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى
وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم))(189).
ويوم أعلن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
«ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى»(190).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «كلكم لآدم وآدم من
تراب»(191).
كذلك:سار الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) نفس هذا
المسير، ورفض القوميات بكل شدة وشجاعة، تحكيماً للقرآن، وتطبيقاً لأمر
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
العربية والعجمية سواء
أخرج ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة) عن أبي
إسحاق الهمداني قال: «إن امرأتين أتتا علياً (عليه السلام) إحداهما من
العرب والأخرى من الموالي فسألتاه، فدفع إليهما دراهم وطعاماً بالسواء.
فقالت إحداهما: إني امرأة من العرب وهذه من العجم.
فقال (عليه السلام): إني والله لا أجد لبني إسماعيل
في هذا الفيء فضلاً على بني إسحاق»(192).
أخته والعجمية سواء
وقد ذكرنا سابقاً أنه (عليه السلام) لم يفضل في
العطاء أخته العربية، القرشية الهاشمية، وهي من أقرب الناس إليه، لم
يفضلها على مولاة أعجمية.
وقال (عليه السلام) في بعض خطبه:
«لأسوين بين الأسود والأحمر»(193).
وعندما أراد توزيع بيت المال كتب (عليه السلام):
«العربي والقرشي
والأنصاري والعجمي.
وكل من في الإسلام من قبائل العرب وأجناس العجم
سواء»(194).
(وهكذا) جعل أمير المؤمنين (عليه السلام) الإطار
العام هو الإسلام، يتحطم على صخرته الصلدة كل القوميات والقبليات
والأعراف غير الإسلامية والتجزءات والتبعيضات غير الإنسانية.
سياسة علي (عليه السلام) في مختلف الأبعاد
وكانت سياسة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه
الصلاة والسلام) في مختلف الأبعاد، وفي كل أمر مارسه، سياسة حكيمة
رشيدة، مقتبسة من سياسة الله تعالى خالق البشر والعالم بأحسن سياسة
لهم، والمنزّل للقرآن الحكيم أجمع دستور سياسي عرفه البشر..
ومتبعة لسياسة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
التي هي أول وأحكم وأعمق سياسة مارسها إنسان على وجه الأرض.
لذلك: كانت سيرة أمير المؤمنين ? كلها سياسة رشيدة.
في أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وفي أيام مَن قبله.
وفي أيام خلافته الظاهرية.
حفظ الوحدة الإسلامية
فلم يدع أمير المؤمنين علي (عليه السلام) مجالاً
للمشعوذين والذين يريدون إلقاء الخلاف بين المسلمين.
فقد أخرج الإربلي (قدس سره) في كتاب «كشف الغمة»
بسنده عن الإمام الحسين (عليه السلام) قال:
«جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) يسعى بقوم.
فأمرني أن دعوت لـه قنبراً.
فقال لـه علي (عليه السلام): أخرج إلى هذا الساعي فقل
لـه: قد أسمعتنا ما كره الله تعالى فانصرف في غير حفظ الله
تعالى»(195).
منطق العدل
والعدل هو أساس سياسة أمير المؤمنين (عليه السلام) في
كل أمر.
ومن ذلك ما أوصى به ولاته في أهل الكتاب ومنهم اليهود
الذين وصفهم القرآن الحكيم بأنهم: ((أشد الناس عداوة للذين
آمنوا))(196).
فقد أخرج الشيخ الكليني (رضوان الله عليه) في الكتاب
الشريف (الكافي) بسنده عن رجل من ثقيف وكان من عمال أمير المؤمنين
(عليه السلام) قال:
«استعملني علي بن أبي طالب (عليه السلام) على بانقيا
وسواد من سواد الكوفة فقال لي والناس حضور: انظر خراجك فجد فيه ولا
تترك منه درهماً. فإذا أردت أن تتوجه إلى عملك فمر بي.
قال: فأتيته فقال لي: إياك أن تضرب مسلماً أو يهودياً
أو نصرانياً في درهم خراج، أو تبيع دابة عمل في درهم، فإنما أمرنا أن
نأخذ منهم العفو»(197).
تصحيح خط المسلمين
كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يعلم أن معاوية لن
يُقتل في صفين وسيبقى ليعيث الفساد في الأرض، وإنما حاربه لتصحيح خط
المسلمين وليسلب الشرعية عن معاوية وحكمه ومن يأتي من بعده ويبني على
أسس معاوية.
وهناك نصوص عديدة في قضايا تاريخ أمير المؤمنين (عليه
السلام) تنص على
ذلك.
فقد أخرج ابن شهر آشوب (رضي الله عنه) عن مينا قال:
«سمع علي (عليه السلام) ضوضاء في عسكره فقال: ما هذا؟
فقيل: قُتل معاوية.
قال: كلا ورب الكعبة لا يقتل حتى تجتمع عليه هذه
الأمة.
قالوا له: يا أمير المؤمنين فلم تقاتله؟
قال: التمس العذر بيني وبين الله»(198).
وأخرج أيضاً عن مروان الأصفر قال:
«قدم راكب من الشام وعلي(عليه السلام) بالكوفة، فنعى
معاوية، فأدخل على علي (عليه السلام) فقال لـه علي: أنت شهدت موته؟
قال: نعم وحثوت عليه.
قال: إنه كاذب.
قيل: وما يدريك يا أمير المؤمنين أنه كاذب؟
قال: أنه لا يموت حتى يعمل ـ كذا وكذا ـ أعمالاً
عملها في سلطانه.
فقيل له: فلم تقاتله وأنت تعلم هذا؟
قال: للحجة»(199).
بُعد النظر
من سمات أمير المؤمنين (عليه السلام) الظاهرة في
سياسته: بُعد النظر.
(وهذا) أمر مستساغ بكل سهولة لمن يعتقد عصمة أمير
المؤمنين (عليه السلام) كما دلت عليه العشرات من أدلة النقل والعقل.
وأول ما وصف (ضرار بن ضمرة) به أمير المؤمنين (عليه
السلام) عندما سأله معاوية ذلك بعد استشهاد علي (عليه السلام) كان
قوله: «كان والله بعيد المدى».
ولذلك: لم يول طلحة والزبير على الكوفة والبصرة.
ولذلك أيضاً: لم يبق معاوية على الإمارة.
لما كان يعلم به من تواطئهما مع معاوية ـ جميعاً ـ ضد
أمير المؤمنين(عليه السلام).
اقرأ معي النصوص التالية:
لا أولي معاوية ليلة
أخرج العلامة المجلسي (رضي الله عنه) في (البحار) عن
ابن سحيم عن أبيه أنه قال: «لما بويع علي (عليه السلام) جاء إليه
المغيرة بن شعبة فقال: إن معاوية من قد علمت، وقد ولاه الشام من كان
قبلك، فولّه أنت كيما تتسق عرى الإسلام ثم أعزله إن بدا لك».
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ فيما قال ـ : «لا
يسألني الله تعالى عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبداً».
ثم قرأ قوله تعالى:((وما كنت متخذ المضلين
عضداً))(200)،(201).
وأخرج في (البحار) عن ابن أبي الحديد: أن علياً (عليه
السلام) قال للزبير يوم بايعه: «إني لخائف أن تغدر بي فتنكث بيعتي؟
قال: لا تخافن فإن ذلك لا يكون مني أبداً.
فقال علي (عليه السلام): فليَ الله عليك بذلك راع
وكفيل؟
قال: نعم الله لك عليّ بذلك راع وكفيل»(202).
وقال ـ بعد حديث ـ : «بعث معاوية رجلاً من بني عبس
وكتب معه كتاباً إلى الزبير بن العوام وفيه:
أما بعد: فإني قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا،
واستوثقوا الحلف فدونك الكوفة والبصرة لا يسبقنك إليها ابن أبي طالب
فإنه لا شيء بعد هذين المصرين، وقد بايعت لطلحة بن عبيد الله من بعدك،
فأظهرا الطلب بدم عثمان، وادعوا الناس إلى ذلك، وليكن منكما الجد
والتشمير.
قال: فلما وصل هذا الكتاب إلى الزبير سرَّ به وأعلم
به طلحة واقرأه إياه فلم يشكا في النصح لهما من قبل معاوية، وأجمعا عند
ذلك على خلاف علي(عليه السلام).
قال: وجاء الزبير وطلحة إلى علي(عليه السلام) بعد
البيعة لـه بأيام فقالا لـه: يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كنا فيه من
الجفوة في ولاية عثمان كلها، وعلمت أن رأي عثمان كان في بني أمية، وقد
ولاك الله الخلافة من بعده، فولنا بعض أعمالك.
فقال علي(عليه السلام) لهما: ارضيا بقسم الله لكما
حتى أرى رأيي، واعلما أني لاأشرك في أمانتي إلا من أرضى بدينه وأمانته
من أصحابي ومن قد عرفت دخيله. فانصرفا عنه وقد دخلهما اليأس، فاستأذناه
في العمرة.
وروي: أنهما طلبا منه أن يوليهما المصرين البصرة
والكوفة.
فقال: حتى أنظر، ثم لم يولهما»(203).
وهذا كله من بُعد نظر أمير المؤمنين (عليه السلام) في
سياسة البلاد والعباد.
فلو كان قد ولى معاوية، وطلحة والزبير، لتآمروا على
أمير المؤمنين(عليه السلام)، بعد ما كانت ورقة الشرعية بيدهم بتوقيع
أمير المؤمنين(عليه السلام).
|
(1) راجع بحار الأنوار: ج42 ص133 باب122 ح15 عن
الاختصاص، وفيه: (البدر التمام، محك المؤمنين، ووارث المشعرين، وأبو
السبطين الحسن والحسين).
(2) المناقب: ج3 ص62 فصل في أنه مع الحق والحق معه.
(3) كشف الغمة: ج1 ص148 في بيان أنه مع الحق والحق
معه.
(4) تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي: ج13 ص186 ح7165، ط
دار الكتب العلمية، بيروت.
(5) المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري: ج3
ص137 ح4637 ط1 عام 1411هـ 1990م دار الكتب العلمية بيروت.
(6) حلية الأولياء: ج1 ص64 ط4 دار الكتاب العربي،
وراجع سنن الترمذي: ج5 ص637 ح3723 ط: دار إحياء التراث العربي بيروت،
وتحفة الأحوذي: ج10 ص155 ط: دار الكتب العلمية بيروت.
(7) تاريخ بغداد: ج7 ص11 ح3475 ط دار الكتب العلمية
بيروت، وفيض الغدير: ج4 ص357 ط المكتبة التجارية الكبرى مصر.
(8) إشارة إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا
علي أنت وصيي وإمام أمتي». أمالي الشيخ الصدوق: ص12 ح10 المجلس الثالث.
(9) إشارة إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنت
مني كالصنو من الصنو». الصراط المستقيم: ج1 ص252 ب8.
(10) إشارة إلى قوله (عليه السلام) : «أنا من رسول
الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كالعضد من المنكب وكالذراع من
العضد..». شرح نهج البلاغة: ج20 ص315 الحكم المنسوبة 625.
(11) العراق بكسر العين: هو من الحشا ما فوق السرة
معترضاً البطن. والعراق بضمن العين: جمع عرق وهو العظم عليه شيء من
اللحم.
(12) نهج البلاغة: قصار الحكم: 236.
(13) بحار الأنوار: ج16 ص278 ب9 ح116.
(14) الإهاب: الجلد من البقر والغنم والوحش ما لم
يدبغ، (لسان العرب): ج1 ص217 مادة (أهب).
(15) بحار الأنوار: ج40 ص323 ب98 ضمن ح6.
(16) بحار الأنوار: ج40 ص323 ب98 ضمن ح6.
(17) بحار الأنوار: ج40 ص323 ب98 ضمن ح6.
(18) المناقب: ج2 ص98.
(19) بحار الأنوار: ج40 ص325 باب98 ح7.
(20) كشف الغمة: ج1 ص173.
(21) الخورنق: موضع بالكوفة آنذاك، والآن بظاهر
الحيرة.
(22) السمل: الثوب الخلق.
(23) بحار الأنوار: ج40 ص334 باب98 ح15.
(24) بحار الأنوار: ج40 ص327 ب98 ضمن ح9.
(25) بحار الأنوار: ج40 ص102 باب107 ح1.
(26) راجع مستدرك الوسائل: ج16 ص299-300 ب72 ح19949.
(27) الطمر: هو الثوب الخلق: والطمران باعتبار أنهما
قطعتان مئرز ورداء.
(28) قرصيه: أي قرصين من خبز، ولعله كان يتغذى
بأحدهما ويتعشى بالآخر، يعني: في كل يوم قرصان.
(29) الفلذة، بالكسر: القطعة من اللحم.
(30) بحار الأنوار: ج40 ص318 ب98 ح2.
(31) الكراكر: قيل إنها إحدى النفثات للبعير، أو
الصدر خاصة.
(32) الاختصاص: ص153 من كتاب ابن دأب في فضل أمير
المؤمنين (عليه السلام) .
(33) المناقب: ج2 ص95 فصل في المسابقة بالزهد
والقناعة.
(34) سورة آل عمران: 133.
(35) سورة آل عمران: 114.
(36) سورة الأنبياء: 90.
(37) سورة المؤمنون: 61.
(38) تهذيب الأحكام: ج2 ص41 ب4 ح81.
(39) المناقب: ج2 ص95 فصل في المسابقة بالزهد
والقناعة.
(40) بحار الأنوار: ج40 ص322 ب98 ح5.
(41) المناقب: ج2 ص96 فصل في المسابقة بالزهد
والقناعة.
(42) انظر بحار الأنوار: ج40 ص322 ب98 ضمن ح4.
(43) الكافي: ج6 ص438 باب التجمل وإظهار النعمة ح1.
(44) راجع وسائل الشيعة: ج18 ص322 ب2 ح23768.
(45) شرح نهج البلاغة: ج2 ص200 مناقب علي وذكر طرف من
أخباره في عدله وزهده.
(46) بحار الأنوار: ج41 ص117 ب107 ح24.
(47) بحار الأنوار: ج41 ص117 ب107 ح24.
(48) المناقب: ج2 ص111 فصل في المسابقة بالعدل
والأمانة.
(49) المناقب: ج2 ص111 فصل في المسابقة بالعدل
والأمانة.
(50) بحار الأنوار: ج41 ص118 ب107 ضمن ح25.
(51) الكافي، ج8 ص165 ب8 ح176.
(52) راجع نهج البلاغة، الخطب: 33، ومن خطبة لـه
(عليه السلام) عند خروجه لقتال أهل البصرة.
(53) التوحيد: ص174 ب28 ح3.
(54) الكافي: ج1 ص410 باب سيرة الإمام في نفسه وفي
المطعم والملبس إذا ولي الأمر ح1.
(55) سورة المائدة: 42.
(56) بحار الأنوار: ج101 ص273 ب3 ح5.
(57) بحار الأنوار: ج101 ص273 ب3 ح6.
(58) المكاسب: ج1 ص239 المسألة الثامنة وص 246 حكم
الهدية.
(59) المكاسب: ج1 ص246 حكم الهدية.
(60) المكاسب: ج1 ص246 حكم الهدية.
(61) أي: من رجاء عقيل أن أعطيه زائداً على سائر
المسلمين.
(62) نوع من الحلوى، أهداها الأشعث بن قيس إلى أمير
المؤمنين علي (عليه السلام) .
(63) أي: كرهتها.
(64) الصلة: العطية، والزكاة: هي الزكاة الواجبة،
والصدقة: هي الصدقة المستحبة، والفرق بينهما مذكور في كتب الفقه.
(65) هبلتك: ثكلتك، والهبول: المراة لا يعيش لها ولد.
(66) أي: مختل نظام إدراكك.
(67) هو من أصابه مس من الشيطان.
(68) أي: تهذي بما لا معنى لـه في مرض ليس بصرع.
(69) أي: قشرة الشعيرة.
(70) نهج البلاغة، الخطب: 224 ومن كلام لـه (عليه
السلام) يتبرأ من الظلم.
(71) الفصول المختارة: ص135 و224.
(72) الكافي: ج8 ص182 خطبة لأمير المؤمنين (عليه
السلام) ح204، الاختصاص: ص151 من كتاب ابن وأب في فضل أمير المؤمنين
(عليه السلام) .
(73) المناقب: ج2 ص108-109 فصل في المسابقة بالعدل
والأمانة.
(74) أملق: افتقر أشد الفقر.
(75) استماحني: استعطاني وطلب مني، البر: الحنطة،
والصاع: ثلاثة كيلوات تقريباً.
(76) أي: المتلبد من الوسخ.
(77) أي: متغير اللون شاحبة من الفقر.
(78) هو سواد يصبغ به، ولعله النيلة.
(79) أي: زمامه.
(80) أي: صاحب مرض وألم شديد.
(81) أي: المكواة.
(82) الثكل: فقدان الولد، أو مطلق الحبيب.
(83) لظى: اسم جهنم.
(84) الاختصاص: ص151 ومن كتاب ابن وأب في فضل أمير
المؤمنين (عليه السلام) .
(85) بحار الأنوار: ج40 ص106 ب91 ح117.
(86) المناقب: ج2 ص109 فصل في المسابقة بالعدل
والأمانة.
(87) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج2 ص200 مناقب
علي وذكر طرف من أخباره في عدله وزهده.
(88) المناقب: ج2 ص113 فصل في حلمه وشفقته (عليه
السلام) .
(89) سورة الأعراف: 85.
(90) كشف الغمة: ج1 ص174.
(91) بلدة في طرف بغداد من ناحية سامراء.
(92) كشف الغمة: ج1 ص175 في وصف زهده في الدنيا وسنته
في رفضها.
(93) مستدرك الوسائل: ج17 ص359 ب11 ح21581.
(94) سفينة البحار: ج1 ص669 باب السين بعده الواو.
(95) نهج البلاغة، الرسائل: 40، ومن كتاب لـه (عليه
السلام) إلى بعض عماله.
(96) الأمالي للشيخ الصدوق: ص304 المجلس 62 ح8.
(97) نهج البلاغة، الرسائل: 20.
(98) نهج البلاغة، الرسائل: 26 ومن عهد لـه (عليه
السلام) إلى بعض عماله وقد بعثه على الصدقة.
(99) نهج البلاغة، الخطب: 167 ومن خطبة لـه (عليه
السلام) في أوائل خلافته.
(100) نهج البلاغة، الرسائل: 53 ومن كتاب لـه (عليه
السلام) كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها.
(101) نهج البلاغة، قصار الحكم: 456.
(102) اللُماظة، بالضم: بقية الطعام في الفم، يريد
بها الدنيا، أي: لا يوجد حر يترك هذا الشيء الدنيء لأهله.
(103) نهج البلاغة، الرسائل: 31 ومن وصية لـه (عليه
السلام) للحسن بن علي (عليه السلام) كتبها إليه بحاضرين.
(104) الكافي: ح8 ص69 حديث علي بن الحسين (عليه
السلام) ح26.
(105) سفينة البحار: ج2 ص499 باب الكاف بعده الواو.
(106) بحار الأنوار: ج33 ص430 ب26 ح639.
(107) سورة الزمر: 65.
(108) سورة الروم: 60.
(109) بحار الأنوار: ج41 ص48 ب104 ضمن ح1.
(110) الفصول المختارة: ص97.
(111) راجع خصائص الأئمة: ص75 قطعة من الأخبار
المروية في إيجاب ولاء أمير المؤمنين (عليه السلام) .
(112) الفصول المختارة: ص220 و224.
(113) بحار الأنوار: ج41 ص49 ب104 ضمن ح1.
(114) بحار الأنوار: ج32 ص124 ب1 ح100.
(115) للتفصيل راجع (الغدير) للعلامة الأميني (رضي
الله عنه).
(116) المناقب: ج2 ص261.
(117) الخرائج والجرائج: ج1 ص225-226 ب2، وج2
ص746-747 ب15.
(118) الخصال: ج2 ص644-645 علم رسول الله (صلى الله
عليه وآله وسلم) علياً (عليه السلام) ألف باب ح26.
(119) بصائر الدرجات: ص306 ب16 ح15.
(120) سورة الإسراء: 71.
(121) راجع بحار الأنوار: ج41 ص286 ـ 287 ب114 ح7.
(122) هي قوله تعالى: ((فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك
من العلم فقل تعالوا ندعوا أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم وأنفسنا
وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)). سورة آل عمران: 61.
(123) راجع الطرائف: ج2 ص454-455 إبداع عمر وقوله
نعمت البدعة.
(124) سورة طه: 61.
(125) المناقب: ج2 ص96 فصل في المسابقة بالزهد
والقناعة.
(126) سورة طه: 61.
(127) راجع بحار الأنوار: ج54 ص231 باب1 ح188، والآية
في سورة آل عمران: 169.
(128) سفينة البحار: ج1 ص586 باب السين المهملة.
(129) بحار الأنوار: ج33 ص434-435 ب26 ح643.
(130) سورة البقرة: 194.
(131) شرائع الإسلام: ج1 ص257 في قتال أهل البغي.
والشرائع: ج2 ص948 في شروط المقذوف وأحكامه.
(132) جواهر الكلام: ج21 ص344 من سب الإمام العادل
وجب قتله.
(133) بحار الأنوار: ج39 ص311 ب88 ح1.
(134) وسائل الشيعة: ج28 ص215 ب27 ح34594.
(135) مستدرك الوسائل: ج18 ص106 ب23 ح22201.
(136) دعائم الإسلام: ج2 ص459-460 كتاب الحدود، ف3
ح1620.
(137) جامع الشتات: ج2 ص712.
(138) الكافي: ج8 ص345 حديث إسلام علي (عليه السلام)
ح544.
(139) مستدرك الوسائل: ج17 ص142 ب1 ح20985.
(140) راجع الكافي: ج7 ص269-270 باب النوادر ح44.
(141) راجع ثواب الأعمال: ص211 عقاب الناصب والجاحد
لأمير المؤمنين (عليه السلام) .
(142) راجع تهذيب الأحكام: ج10 ص86-87 ب6 ح101،
والتهذيب: ج10 ص215 ح52.
(143) عبد الكريم قاسم 1914-1963م، ضابط عسكري عراقي،
قاد انقلاب عام 1958م ضد النظام الملكي وأطاح بالملكية، قضى عليه عبد
السلام عارف في انقلاب عسكري.
(144) راجع بحار الأنوار: ج32 ص7-8 ب1 ح2.
(145) بحار الأنوار: ج32 ص33 ب1 ح19.
(146) بحار الأنوار: ج41 ص299 ب114 ح29.
(147) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج14 ص29 نسب
شريح وذكر بعض أخباره.
(148) المناقب: ج2 ص259 فصل في إخباره بالغيب.
(149) سورة طه: 97.
(150) سفينة البحار: ج1 ص262 باب الحاء بعده السين.
(151) سفينة البحار: ج1 ص262 باب الحاء بعده السين.
(152) راجع المناقب: ج2 ص263.
(153) بحار الأنوار: ج32 ص398 ب11 ح370.
(154) راجع بحار الأنوار: ج97 ص364 ب5 ح6.
(155) راجع المناقب: ج2 ص259 فصل في إخباره بالغيب.
(156) سفينة البحار: ج1 ص676 باب السين بعده الهاء.
(157) الكافي: ج3 ص186 باب من زاد على خمس تكبيرات
ح3.
(158) الاختصاص: ص152 من كتاب ابن دأب في فضل أمير
المؤمنين (عليه السلام) .
(159) المناقب: ج2 ص111 فصل في المسابقة بالعدل
والأمانة.
(160) الاختصاص: ص151 من كتاب ابن دأب في فضل أمير
المؤمنين (عليه السلام) .
(161) راجع بحار الأنوار: ج41 ص108-109 و122 ب107 ح15
و27 و29.
(162) المناقب: ج2 ص110 فصل بالمسابقة بالعدل
والأمانة.
(163) بحار الأنوار: ج41 ص50 ب104 ضمن ح2.
(164) بحار الأنوار: ج32 ص229-230 ب4 ح181.
(165) سورة الحجرات: 9.
(166) بحار الأنوار: ج41 ص50 ب104 ح2.
(167) سفينة البحار: ج2 ص133 باب الغين بعده الباء.
(168) بحار الأنوار: ج41 ص50 ب104 ح2.
(169) بحار الأنوار: ج41 ص50 ب104 ضمن ح2.
(170) المناقب: ج2 ص260-261 فصل في إخباره بالغيب.
(171) المناقب: ج2 ص114 فصل في حلمه وشفقته.
(172) المناقب: ج2 ص114 فصل في حلمه وشفقته.
(173) سورة المؤمنون: 96.
(174) المناقب: ج2 ص113 فصل في حلمه وشفقته.
(175) بحار الأنوار: ج41 ص203-204 ب110 ح18.
(176) المناقب: ج2 ص112 فصل في حلمه وشفقته.
(177) لكزه يلكزه لكزاً: هو الضرب بالجُمع في جميع
الجسد، وقيل: اللكز هو القرجء في الصدر بجمع اليد، وكذلك في الحنك.
انظر لسان العرب: ج5 ص406 مادة لكز.
(178) خروج النفس بصعوبة لعلة تحدث في الصدر من شدة
الخوف.
(179) المناقب: ج2 ص106 في المسابقة بالتواضع.
(180) الاختصاص: ص157 من كتاب ابن دأب في فضل أمير
المؤمنين (عليه السلام) .
(181) الاختصاص: ص159 من كتاب ابن دأب في فضل أمير
المؤمنين (عليه السلام) .
(182) بحار الأنوار: ج41 ص55 ب105 ح2.
(183) بحار الأنوار: ج41 ص55 ب105 ح2.
(184) سورة القصص: 83.
(185) المناقب: ج2 ص104 فصل في المسابقة بالتواضع.
(186) المناقب: ج2 ص110 فصل في المسابقة بالعدل
والأمانة.
(187) المناقب: ج2 ص110 فصل في المسابقة بالعدل
والأمانة.
(188) المناقب: ج2 ص108 فصل في المسابقة بالعدل
والأمانة.
(189) سورة الحجرات: 13.
(190) تحف العقول: ص34 خطبته (صلى الله عليه وآله
وسلم) في حجة الوداع.
(191) تحف العقول: ص34 خطبته (صلى الله عليه وآله
وسلم) في حجة الوداع.
(192) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج2 ص200-201
مناقب علي (عليه السلام) وذكر طرف من أخباره في عدله وزهده.
(193) الاختصاص: ص151 من كتاب ابن دأب في فضل أمير
المؤمنين (عليه السلام) .
(194) الاختصاص: ص152 من كتاب ابن دأب في فضل أمير
المؤمنين (عليه السلام) .
(195) كشف الغمة: ج2 ص218 وأما مناقبه.
(196) سورة المائدة: 82.
(197) الكافي: ج3 ص540 باب أدب المصدق ح8.
(198) المناقب: ج2 ص259 فصل في إخباره بالغيب.
(199) المناقب: ج2 ص259 فصل في إخباره بالغيب.
(200) سورة الكهف: 51.
(201) بحار الأنوار: ج32 ص34 ب1 ح22.
(202) بحار الأنوار: ج32 ص5 ب1 ح1.
(203) بحار الأنوار: ج32 ص5-6 ب1 ح1.
|