الفهرس

المؤلفات

اصول الفقه

الصفحة الرئيسية

 

المسألة (11): لا يجوز العدول عن الحي إلى الحي، إلا إذا كان الثاني أعلم

المسألة(11) : لا يجوز العدول عن الحي إلى الحي ، إلاّ إذا كان الثاني اعلم .
هل يجوز العدول عن الحي إلى الحي ؟
المسألة(11) : لا يجوز العدول عن الحي إلى الحي ، إلاّ إذا كان الثاني اعلم .
هذه المسألة تنحل إلى مسألتين : أصل جواز العدول وعدمه ، وحكم خصوص ما إذا كان المعدول إليه أعلم .
المسألة الاُولى
مسألة أصل العدول والاقوال فيها
أمّا المسألة الاُولى : وهي مسألة أصل جواز العدول وعدمه ، ففيها أقوال خمسة :
1 ـ الجواز مطلقاً .
2 ـ عدمه مطلقاً .
3 ـ التفصيل بين الوقائع التي التزم فيها تقليد الاوّل وعمل ، فلا يجوز العدول ، كما لو عقد على زوجة بالفارسية اعتماداً على تقليد الاوّل ، فلا يجوز له العدول إلى مجتهد لا يرى صحّة العقد بالفارسية ليرتّب عليه عدم النفقة ، وعدم القسم ، وتزويج الخامسة ، وغيرها . وبين غير ذلك فيجوز له العدول .
4 ـ التفصيل بين توافقهما في الفتوى فيجوز العدول ، وبين تخالفهما فيجب الاحتياط .
5 ـ التفصيل بين تساويهما فيجوز العدول وبين غيره فلا يجوز العدول .
وهناك احتمالات أُخرى ، وربما كان بعضها أقوالاً ، كالتفصيل بين لزوم البطلان بكلا الفتويين فلا يجوز ، وبين غيره فيجوز ، كالمضاربة بغير الذهب والفضّة مع اشتراط عدم الخسارة على صاحب المال إذا كان المجتهدان المعدول عنه والمعدول إليه يتّفقان على بطلان مثل هذه المضاربة .
القول الاوّل
جواز العدول من الحي إلى الحي مطلقاً
أمّا القول الاوّل : وهو الجواز مطلقاً فقد نسب إلى العلاّمة في النهاية ، والمحقّق والشهيد الثانيين ، واختاره صاحب الضوابط فيها ، وكذا المحقّق الاصفهاني الشيخ محمّد حسين ، والمحقّق الشيخ ضياء الدين العراقي ، إذا كان الثاني مساوياً للاوّل لا مفضولاً ، وكذا الشيخ علي حفيد صاحب الجواهر ، وذهب إليه الاخ الاكبر في : « موسوعة الفقه » وإن كان في حاشية العروة لم يعلّق على المتن هنا لما بيّنه في مقدّمة الحاشية : من عدم تعليقه على الموارد التي يوافق قول المصنّف الاحتياط .
وتردّد في ذلك جمع من المعاصرين ومن تقدّمهم من الذين علّقوا على قول الماتن: «لا يجوز العدول» بقولهم: «على الاحوط» كابن العمّ المقدّس الميرزا عبدالهادي الشيرازي، والمؤسّس الشيخ عبدالكريم الحائري، والسيدين: الكلبايكاني والشاهرودي ، وغيرهم .
الجواز مطلقاً وأدلّته
الدليل الاوّل : الاستصحاب
واستدلّ للجواز مطلقاً بأدلّة هي كالتالي :
الاوّل من أدلّة جواز العدول من الحي إلى الحي مطلقاً : الاستصحاب .
وتقريره : أنّ فتوى كلا الفقيهين كانت حجّة على العامي قبل الاخذ بإحداهما ، فإذا حصل الشكّ في بقاء هذه الحجّية التخييرية لاحتمال ارتفاعها بالاخذ بفتوى أحدهما ، فمقتضى الاستصحاب : بقاء هذه الحجّية التخييرية ، التي هي لازمة لمصداقية كلّ واحدة منهما للوظيفة الشرعية .
الايراد الاوّل على الاستصحاب
وأُورد على الاستصحاب أوّلاً : بأنّه معارض باستصحاب الحكم في المسألة الفرعية التي عمل عليها عند اختيار أحد الفقيهين للتقليد .
فمثلاً : لو كان الفقيه الاوّل يفتي بوجوب الجمعة ، وقد عمل بفتواه المقلّد سنين من عمره ، ثمّ أراد العدول عنه إلى فقيه آخر يفتي بوجوب صلاة الظهر الّذي لازمه عدم وجوب صلاة الجمعة ، للعلم بعدم وجوب صلاتين في يوم واحد : الجمعة والظهر ، فإنّ استصحاب جواز العمل بفتوى الفقيه الثاني يعارض استصحاب وجوب إتيان صلاة الجمعة . فيتعارض استصحاب المسألة الاُصولية ، مع استصحاب المسألة الفرعية ، ومقتضى تعارض الدليلين ـ على المشهور ـ التساقط .
جواب الشيخ عن الايراد الاوّل
وأجاب الشيخ الانصاري (قدس سره) عن إشكال التعارض : بحكومة استصحاب التخيير في المسألة الاُصولية ، على استصحاب الحكم الفرعي ، لما تقرّر في علم الاُصول : من تقدّم الاستصحاب الاُصولي على الاستصحاب الفرعي على نحو الحكومة ، لانّه نحو سبب ومسبّب .
مناقشة جواب الشيخ
وأُورد على هذا الجواب بعض المراجع : بأنّ أثر استصحاب الحجّية التخييرية عقلي ، فبلحاظه يكون الاستصحاب الاُصولي مثبتاً فلا يجري حتّى يعارض ، فكيف بأن يكون حاكماً ؟
وتقريره : إنّ الملازمة بين بقاء الحجّية التخييرية لقول المجتهد الثاني ، وعدم الحجّية الفعلية التعيينية لقول المجتهد الاوّل ، وإن كانت ثابتة إلاّ أنّها ملازمة عقلية ، من باب عدم اجتماع الضدّين وليست أثراً شرعياً ، فليس عدم الحجّية التعيينيّة الفعلية لقول المجتهد الاوّل من الاثار الشرعية لبقاء الحجّية التخييرية حتّى يجري الاستصحاب بلحاظه ، لتقع المعارضة ويكون هذا حاكماً على ذاك .
الاشكال في المناقشة
وفيه نقضاً : بورود هذا الاشكال في كلّ مورد تعارض فيه الاستصحاب الاُصولي مع الاستصحاب الفرعي ، لتلازم الاستصحاب الاُصولي دائماً لاثر عقلي .
وحلاً : بأنّا لا نريد باستصحاب التخيير إثبات عدم التعيين حتّى يكون لازماً عقلياً غير مترتّب على الاستصحاب ، بل نريد إبقاء التخيير نفسه الّذي كان ثابتاً قبل تقليد أحد المجتهدين ، وهذا الاستصحاب كما أنّ أثره شرعي وهو جواز العمل بفتاوى هذا ، وجواز العمل بفتاوى ذاك ، كذلك نفس المستصحب فيه ثابت بدليل شرعي ، وليس ثابتاً بدليل غير شرعي حتى يستشكل في إجراء الاستصحاب في مثله على مبنى المفصّل في المستصحب بينهما كما في الرسائل .
مع أنّ هذا المستشكل معترف في تقريراته في علم الاُصول بوقوع التعارض كثيراً في مسائل كثيرة ، وحكومة الاستصحاب الاُصولي على الاستصحاب الفرعي .
جواب الاصفهاني عن الايراد الاوّل
وأجاب المحقّق الاصفهاني عن إشكال تعارض الاستصحابين : بأنّه لا تعارض بين الاستصحابين ، ضرورة أنّ المجعول الشرعي ـ بناءً على الطريقية ـ ليس إلاّ المنجّزية والمعذّرية ، والتخيير بين الفتويين ، معناه : المعذّرية لكلّ واحدة منهما في عرض واحد ، وبقاء إحدى الفتويين على صفة المعذّرية لا ينافي بقاء الاُخرى عليها أيضاً ، لكونهما في عرض واحد . فلا حاكم ولا محكوم أصلاً حتّى يكون الاصل الحاكم رافعاً لموضوع الاصل المحكوم .
مناقشة جواب الاصفهاني
وأورد عليه أيضاً تلميذه بما حاصله(1): إنّ المستصحب إمّا حجّية الفتوى المختارة ، أو الحكم الفرعي ، وعلى كلتا الصورتين يتحقّق التعارض بين الاستصحاب في المسألة الفرعية والاستصحاب في المسألة الاُصولية .
أمّا الاُولى : فلانّ معنى الحجّية التخييرية هو : صلاحية صيرورة كلّ طرف (بالاخذ والالتزام به) واقعاً تعبّدياً ـ كما هو الحق في الجعل الشرعي ـ ولازمه المنجّزية والمعذّرية ، لا إنّهما هما المجعولان الشرعيان ، فإذا أخذ المكلّف بأحد طرفي التخيير ، فبالاخذ يتعيّن عليه فعلاً ، ومع التعيّن والفعلية في حقّه لا تبقى الفتوى الاُخرى على الحجّية التخييرية ، لامتناع الجمع بين الحجّية التعيينية لطرف ، مع الحجّية التخييرية للطرفين .
وأمّا الثانية : ـ وهي ما كان المستصحب الحكم الفرعي ـ فهي أيضاً كذلك ، لانّ مضمون الفتوى هو وجوبها تعييناً ، ومعه لا يبقى أيضاً مجال للتخيير بين هذه الفتوى المختارة وبين الفتوى الاُخرى، وبنى المستشكل على ذلك: أنّ التخيير بين الفتويين إنّما هو في المسألة الاُصولية فقط، دون المسألة الفرعية .
إيرادان على المناقشة
أوّل الايرادين
وفيه ، أوّلاً : أنّ التخيير بين معيّنين لا يصحّ ، للعلم الاجمالي ببطلان أحد التعيينين للطريقية ، وقد صرّحوا في بحث الاشتغال من الاُصول عدم إمكان جعل الترخيص في جميع أطراف العلم الاجمالي ـ بل حتّى في بعضها أيضاً ـ للتناقض ، وقد استحاله في مصباح الاُصول ، قال : « أما الامارات فقد عرفت استحالة جعلها في جميع الاطراف »(2).
ولذا قالوا في التخيير بين الاقل والاكثر بوجوب الاقل ، واستحباب الاكثر ـ كما في مسألة التسبيحات الاربع في الثالثة والرابعة من ركعات الصلاة ، وفي مسألة التكبيرات السبع في أوّل الصلاة ، وغيرهما من نظائرهما ـ لانّ وجوب كلّ منهما مخيّراً ، بينهما تناقض ، إذ لازمه وجوب التسبيحتان الثانية والثالثة وعدم وجوبهما ، ووجوب التكبيرات الست وعدم وجوبها .
والتفريق بالنيّة ـ الّذي قاله بعضهم ـ ردّه المشهور ، بعدم الدليل على تعيّنه بها فكيف بحصول الوجوب به ؟
وما نحن فيه من هذا القبيل، إذ التخيير بين وجوب صلاة الجمعة بشرط شيء، ووجوب صلاة الظهر بشرط شيء حيث كان مخالفاً للعلم الاجمالي، وموجباً للتناقض بين التخيير وبين التعيينين ، رفعنا اليد عن التعيينين الموجبين للتناقض ، فبقيت حجّية كلتا الفتويين بلا تعيين ـ رفعاً لليد عن مفهوم كلّ منهما بمنطوق الاُخرى ، نظير الحصر في مفطّرات الصوم ، وكفّارات الحجّ ، والنجاسات ونحوها ـ فإذا ثبتت هذه الحجّية التخييرية ، تستصحب عند الشكّ بعد الاخذ بإحدى الفتويين .
وبعبارة أُخرى : مركز التعارض ليس وجوب الجمعة والظهر على سبيل التخيير بينهما ، لامكان كونه واقعاً هكذا ، بل مركز التعارض ، عدم كفاية الجمعة ، وعدم كفاية الظهر ، وكلّ من الفتويين مشتملة على وجوب هذه ، وعدم كفاية تلك ، فيتعارض عدم الكفاية في الفتويين فتتساقطان . فتأمّل .
ثاني الايرادين
وثانياً : إنّا نطالب بالدليل على كون الاخذ بأحد الفتويين موجباً لتعينها ـ دون غيرها ـ على المكلّف ، بعد أن لم يكن قبل الاخذ متعيّناً ، بل الّذي يفهم من التخيير هو : أنّ الاخذ بإحدى الفتويين يكون موجباً لجواز العمل بها ، لا تعيّنها .
واختبر ـ لمزيد الوضوح ـ ذلك بالامثلة العرفية الخارجية فلو قال المولى لفتيانه : أطيعوا كل واحد من أولادي على سبيل التخيير ، فكان أحد الاولاد يأمر كل يوم بطبخ الارز ، والاخر بصنع الخبز ، فإن أطاع أحد العبيد الولد الاوّل وطبخ يوماً أرزاً ، ألا تراه مطيعاً لو امتثل غداً أمر الولد الثاني وصنع خبزاً؟ وهل العرف يفهم من تخيير المولى فتيانه في طاعة أولاده التخيير الابتدائي في اختيار طاعة أي واحد ، فإذا أطاع أحدهما يوماً لا يقدر على الانتقال إلى طاعة الاخر . أم العرف يفهم من التخيير أنّ كلا القولين قابلان للاستناد والطاعة ، لا أن يتعيّن أحدهما بالالتزام به دون الاخر ؟
وأمّا بحث أنّ المجعول الشرعي هل هو المنجّزية والمعذّرية ، أم أنّه الواقع التعبّدي والمنجّزية والمعذّرية من لوازمه ؟ فبحث يكفله الاُصول وقد إرتأينا أقربية الاوّل .
وأمّا تخصيص المحقّق الاصفهاني التخيير بالمعذّرية ، دون المنجّزية ، لامكان جمع معذّرين ، دون إمكان جمع منجّزين(3).
ففيه : إنّه في المنجّزية المعيّنة صحيح ، لكنّه لا يأتي في المخيّرة كما في ما نحن فيه ، فتأمّل .
وأجاب المستشكل نفسه أيضاً : بعدم جريان استصحاب الحجّة التخييرية في نفسه ، لانّه من الاستصحاب في الشبهة الحكمية ، وهو غير جار في نظره .
وفيه : أنّا أسلفنا عدّة مرّات جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية كما هو المشهور ، ومسرح مناقشته الاُصول .
الايراد الثاني على الاستصحاب
وأُورد على الاستصحاب ثانياً : بما عن الشيخ : من أنّ موضوع التخيير هو الشخص المتحيّر الّذي لم يأخذ بأحد الحكمين ، وبعد الاخذ بأحدهما والعمل به
ليس متحيّراً ، فليس مخيّراً ، وليس الاستصحاب في المقام إلاّ من إسراء الحكم من موضوع إلى آخر .
مناقشة الايراد الثاني
وفيه : ـ مضافاً إلى النقض بمن علم الفتويين ولم يقلّد بعد ، ويتأمّل في توابع التقليد لكي يقلّد أحدهما ويعلم أنّ هذا يقول بوجوب الجمعة وذاك بوجوب الظهر ، فهل هذا متحيّر في الواقع ؟ نعم ، وهل هو متحيّر في الوظيفة ؟ كلاّ ، ومع ذلك مخيّر ، فليكن بعد التقليد هكذا ـ أنّ الادلّة التي دلّت على التخيير ابتداءً كلّها باقية بعد الاخذ بإحدى الفتويين .
فبناء العقلاء على التخيير موضوعه الجاهل بالحكم ، ولا شكّ أنّ المقلّد لا يزال جاهلاً بالحكم ، فإنّه لم ينقلب بتقليده عالماً وعارفاً ، ولذا قالوا في الحديث الشريف « عرف حلالنا وحرامنا »(4): إنّ المقصود به المعرفة عن اجتهاد لا عن تقليد ، لانّها إذا كانت عن تقليد لا تسمّى معرفة .
وآيات النفر والسؤال وغيرهما ، موضوعاتها غير الفقيه ، وغير أهل الذكر ، ونحوهما التي تصدق على المقلّد بعد أخذه بإحدى الفتويين ، لانّه لم يصبح فقيهاً وأهلاً للذكر كصدقها على المقلّد قبل أخذه بإحدى الفتويين على السواء .
وهكذا السيرة ، فإنّها قامت على رجوع غير المجتهد إلى المجتهد ، وهذا لا يزال غير مجتهد . وكذلك الاستدلال بالفطرة ، وبالدليل العقلي ، وغير ذلك .
تأييد وتأكيد
ويؤيّد ذلك بل يدلّ عليه قول الامام (عليه السلام) : « فللعوام »(5) ولا ريب في بقاء صدق هذا الموضوع عليه .
فلا مجال لانكار بقاء الصدق على مثله ، فكيف بإنكار استصحابه ؟
ونعم ما قاله الاخ الاكبر : « والقول بأنّ التخيير كان حكم المتحيّر ولا تحيّر بعد الاخذ ، لا يرجع إلى محصّل » .
وفي هذا المجال قال المحقّق العراقي : « ويتوجّه عليه :
أوّلاً : منع سوق الاخبار لبيان وظيفة المتحيّر في بدو الامر ، بل هي ظاهرة في سوقها لبيان حكم المتحيّر من حيث هو ، ومقتضى اطلاقها عدم الفرق في الحكم بالتخيير بين ابتداء الامر أو بعده .
وثانياً : منع كون موضوع التخيير هو المتحيّر ، إذ لا دليل على أخذ عنوانه في موضوع التخيير ، بل الموضوع هو : من جاءه الحديثان المتعارضان ، فالتحيّر حكمة لجعل الحكم المذكور كما هو كذلك في الحكم بالترجيح ، ومن الواضح بقاء هذا الموضوع على حاله في جميع الازمنة وعدم انقلابه بالاختيار وبالعلم بالحكم الفعلي .
مع أنّ التحيّر في الحكم الواقعي متحقّق حتّى مع الاختيار ، والتحيّر العقلي في المتعادلين مرتفع بالعلم بالتخيير ، فلا يمكن أن يكون عنواناً للموضوع يدور الحكم مداره »(6).
الايراد الثالث على الاستصحاب
وأُورد على الاستصحاب ثالثاً : بما في المستمسك : بأنّه من الاستصحاب التعليقي المعارض بالاستصحاب التنجيزي وتقريبه : أنّ مرجع التخيير الثابت سابقاً إلى أنّ العامي لو اختار أي واحد منهما ابتداءً كانت فتواه حجّة عليه ، فيستصحب هذا الحكم التعليقي بعد تقليده لاحدهما ، وهذا الاستصحاب معارض باستصحاب عدم الحجّية الثابت قبل اختياره لكليهما .
مناقشة الايراد الثالث
وفيه : أنّ مصبّ التخيير هو التخيير بينهما ذاتاً ، وحجّية كليهما على العامي لا على التعيين ، ومن أين جاء قيد : « لو اختار » ولا يفهم العرف والعقلاء من الحجّية التخييرية إلاّ التنجيزية لا التعليقية ؟
وبعبارة أُخرى : الحجّة وجواز الاخذ ـ الوضعي والتكليفي ، الاُصولي والفرعي ـ متلازمان في الوجود الاعتباري والانتزاعي ، فأيّهما جعل ، ينتزع منه الاخر ، فلا سببية ومسبّبية بينهما ، بل كلاهما معلولان للجعل .
فإذا قال المولى لفتاه : اطبخ لنا إمّا الارز ، أو اليقطين ، فماذا يفهم العرف والعقلاء من هذا التخيير ؟ أليس أنّه مخيّر بينهما على سبيل التنجيز ، لا أنّه إذا طبخ هذا كان صحيحاً وإذا طبخ ذاك كان صحيحاً ؟
نعم ، لازم هذا التنجيز صحّة القاء الكلام تعليقياً ، ومثله لا يقال فيه تعليقي .
الدليل الثاني : الاطلاقات
الثاني من أدلّة جواز العدول من الحي إلى الحي مطلقاً : اطلاقات الادلّة ، فإنّها تشمل كلا الفتويين ، قبل الاخذ بأحدهما ، وبعده .
وما أُورد على ذلك أوّلاً : من منع الاطلاق فيها ، لتوقّف الاطلاق على إحراز كون المتكلّم في مقام البيان من هذه الجهة ، ولا أقل من الشكّ في ذلك ، فلم ينعقد اطلاق من رأس .
ففيه : أنّه يكفي في الاطلاق عدم كون المتكلّم في مقام بيان غير هذه الجهة بالذات ، ولا يلزم في إحراز كون المتكلم في مقام بيان الاطلاق من جهة إلى أمارة على ذلك ، بل يكفي الاصل كما صرّح بذلك القوم(7).
وبعبارة أُخرى : لو ألقى المتكلّم كلاماً مطلقاً ، ولم يقيّده بقيد ، ولم يقم على إرادة فرد خاص قرينة حالية أو مقالية ، فليس له عرفاً وعقلاً أن يريد به المقيّد بقيد خاص .
واختبر ذلك بالمكالمات العرفية ، فلو أمر المولى فتاه بإحضار بساط للصلاة عليه ، ولم يقيّد كونه من صوف أو قطن ، بل حتّى إذا لم يخطر في ذهن المولى الصوف والقطن أبداً ، ثمّ أتى الفتى ببساط من صوف أو من قطن ألا يكون ممتثلاً ؟ وهل يلزم الفتى أن يسأل المولى عن كون البساط من صوف أو قطن ، لانّه لم يحرز كون المولى في إطلاقه في مقام البيان من هذه الجهة ؟
ولو عرضنا نفس الحديث الشريف : « فللعوام أن يقلّدوه»(8) ونحوه على العرف وسألناهم هل إذا قلّد العامي فقيهاً يصلح له أن يرجع إلى فقيه آخر ؟ وماذا يستفاد من هذا الحديث ونحوه ؟ لاجابونا : بعدم الفرق ، لانّ الشارع لم يقيّد .
حاصل الكلام
والحاصل : أنّ المولى إذا لم يكن في مقام الاهمال والاجمال من جهة ـ وإحرازهما يلزم أن يكون بمحرز وجداني أو تعبّدي ـ كان ذلك كافياً لظهور المطلق عرفاً في مقام البيان من تلك الجهة .
قال في الكفاية : « بقي شيء وهو أنّه لا يبعد أن يكون الاصل فيما إذا شكّ في كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد : هو كونه بصدد بيانه ، وذلك لما جرت عليه سيرة أهل المحاورات من التمسّك بالاطلاقات فيما إذا لم يكن هناك ما يوجب صرف وجهها إلى جهة خاصّة ، ولذا ترى المشهور لا يزالون يتمسّكون بها مع عدم إحراز كون مطلقها بصدد البيان »(9).
وقوله : « لما جرت عليه سيرة أهل المحاورات ... » إشارة إلى أنّ هذا الاصل ليس أصلاً عملياً ، حتّى يقال إنّه مثبت ، بل هو أصل عقلائي ، وأمارة على الاطلاق .
والفرق بين العموم والاطلاق ليس في الاهمال والاجمال وعدمهما ، بل إنّهما في العموم خلاف وضعه فيحتاج إلى قرينة على خلاف الوضع ، وإنّهما في الاطلاق على خلاف الاصل العقلائي ، فيكون بحاجة إلى قرينة على خلاف الاصل العقلائي .
وإلاّ فقوّة الظهور ـ في العموم ، للعام ، وفي الاطلاق ، للمطلق ـ واحدة فيهما ، ولذا قلنا في بابي : التعارض والتزاحم ـ وفاقاً لجمهرة من الاعيان منهم الاخوند ـ بتساوي العموم والاطلاق . فيجري بينهما ما يجري بين عامين ، أو مطلقين ، وخلافاً لاخرين منهم الشيخ الانصاري (قدس سره) حيث ذهبوا إلى أقوائية العموم من الاطلاق ، في موارد تعارضهما أو تزاحمهما .
قال الشيخ الانصاري ما مضمونه : « إذا كان أحد الدليلين عاماً والاخر مطلقاً ، يقدّم العام على المطلق »(10).
وقال الاخوند : « فلا وجه لتقديم العام على المطلق »(11).
وكون العام شمولياً ، والاطلاق بدلياً : إنّما هما بالنسبة لسائر أفرادهما ، لا في الفرد الّذي تعارضا أو تزاحما عليه ، إذ هما بالنسبة لذاك الفرد ـ في قوّة الظهور ـ سواء ، فتأمّل .
وما أُورد ثانياً على الاطلاقات : من منع شمولها لمورد الاختلاف في الفتوى ، فقد مرّ وسيأتي إن شاء الله تعالى النظر فيه . مضافاً إلى أنّه ليس إشكالاً في العدول ، بل في أصل التخيير قبل تقليد المجتهد الاوّل .
الدليل الثالث : بناء العقلاء
الثالث من أدلّة الجواز العدول عن الحي إلى الحي : بناء العقلاء ، إذ التقليد طريقي محض ـ كما تقدّم ـ سوى ما وسّع الشارع أو ضيّق ، والعقلاء إذا كانوا مخيّرين في أمر ، لوحدة نسبية في طريقية طريقين موصلين إلى واقع ، لا يرون انخرام التخيير بمجرد سلوك أحد الطريقين .
وهذا ينحل إلى صغرى وهي هذه الدعوى ، وكبرى وهي حجّية ذلك شرعاً .
أمّا الصغرى : فيكفي للاطمينان إليها استعراض سيرة العقلاء ، في الرجوع إلى أهل الخبرة والحدس : من أطباء ، ومهندسين ، ومحامين، وغيرهم، وإنهم إذا تخيّروا بين فردين منهم ، لا يرون أنفسهم ملزمين بأحدهما بمجرد الرجوع اليه ، بل يرون التخيير باقياً بعد الرجوع ، كما كان قبل الرجوع.
وأمّا الكبرى : فقد صرّحوا ـ في الاُصول والفقه في مختلف المقامات ـ بأنّ طرق الاطاعة والمعصية عقلائية ـ إلاّ ما وسّع أو ضيّق الشارع ـ فما كان عند العقلاء مصداقاً للطاعة وجب شرعاً ، وما كان مصداقاً للمعصية حرم شرعاً .
وكما صحّ التمسّك في أصل وجوب التقليد ببناء العقلاء(12) ـ حتى انهم حملوا الادلّة اللفظية من الايات والروايات على الارشاد إليه ـ كذلك في جزئيات مسائل التقليد ممّا جمع أمرين : أحدهما : تحقّق السيرة العقلائية . وثانيهما : عدم ردع شرعي عنها ، ومن ذلك العدول عن الحي إلى الحي .
مناقشة الدليل الثالث
إن قيل : بناء العقلاء في أصل التقليد ممضى بالايات والروايات ، وأمّا في الجزئيات كمسألة العدول هذه فلم يحرز فيها الامضاء الشرعي .
أُجيب : حيث إنّ طرق الاطاعة والمعصية عقلائية ، فلا حاجة إلى الامضاء .
إن قلت : بناء العقلاء لا يكشف عن حكم شرعي ، وجواز العدول أو عدم حكم شرعي .
قلت : لا إشكال في أنّ بناء العقلاء لا يكشف عن الحكم الشرعي ، إلاّ أنّه يكشف عن موضوع الحكم الشرعي ، وما نحن فيه هكذا : فإنّ العقلاء ـ بسيرتهم ـ يُستكشف أنّ المجتهد الثاني مصداق أيضاً لرجوع الجاهل إلى العالم حتّى بعد تقليد المجتهد الاوّل ، كما كان التخيير قبل أصل التقليد ببناء العقلاء ، نظير ظهور الامر في الايجاب ، والنهي في التحريم ، والجملة الخبرية في الالزام ـ فعلاً وتركاً ـ والمفاهيم ، وغيرها... وغيرها ... مما لا يمكن إحراز الامضاء الشرعي فيها جميعاً .
خلاصة الكلام
والحاصل : إنّ في مقام البحث العلمي ـ دون الفتوى ـ تكون الادلّة المذكورة من الاستصحاب والاطلاقات وبناء العقلاء ، على جواز العدول من الحي إلى الحي في موارد التخيير قبل التقليد كافية ، وما أُورد على كل واحد منها من المناقشات غير واردة والله العالم .
هذا كلّه : إذا كان التخيير بين المجتهدين اعتبارياً ، بجعل شرعي كالاستصحاب والاطلاق ، أو عقلائي كبناء العقلاء ، أمّا إذا كان التخيير عقلياً بملاك قبح الترجيح بلا مرجّح ، فينبغي أن لا يتأمّل في بقاء نفس الدليل حتّى بعد تقليد أحدهما ، لكون سقوط حجّية قول الثاني بعد تقليده الاوّل ترجيح بلا مرجح عقلي ـ كما سيأتي ـ .
نعم ، إذا قلنا بترجيح شرعي انتفى موضوع الحكم العقلي ، وهو خروج عن البحث ، إذ الفرض فقد الدليل الشرعي ، إذ معه لا تصل النوبة إلى الدليل العقلي كما هو واضح .
الدليل الرابع : العقل
الرابع من أدلّة جواز العدول من الحي إلى الحي : العقل ، فإنّ العقل الّذي حكم بالتخيير بين المجتهدين المتساويين في الفضيلة إنّما حكم بذلك لوحدة نسبتهما إلى الواقع ، فاحتمال مطابقة الواقع في كلّ منهما ، مساو للاخر ، فحيث لا يوجد مرجّح حكم بالتخيير ، ونفس ذاك الدليل العقلي ـ للعدول إلى المساوي ـ موجود ، إذ عند العقل بتقليد أحدهما لم تزد نسبة مطابقته للواقع ، بل بقي على ما كان عليه ، فجاز العدول لذلك .
إن قلت : ألا يكون التقليد مرجّحاً ـ عقلاً ـ ؟
قلت : لا ، لانّ ملاك العقل ـ على المشهور ـ نسبة احتمال المطابقة للواقع ، وهذه النسبة تكمن في أمرين : الخبروية ، ومقدار الفضيلة ، فإذا استويا ـ أي : المجتهدين ـ في الامرين ، فأي شيء مرجّح بالنسبة لاحتمال مطابقة الواقع ؟
نعم في الاعلمية نسبة المطابقة للواقع في الواقع أكثر ، أمّا مع عدمها ، فلا .
تتمّة
الاعتبار في جواز العدول إنّما هو وقت العدول دون ما قبله أو ما بعده ، فإذا كان في الابتداء مقلّداً لزيد ، وحينه كان عمرو مفضولاً ـ وقلنا كالمشهور بعدم التخيير بين الفاضل والمفضول ـ ثمّ صار بعد ذلك مساوياً لزيد في الفضيلة جاز العدول إلى عمرو ، أو كانا متساويين في الفضيلة ، فعدل إلى عمرو ، ثمّ صار عمرو بعد ذلك ـ مفضولاً ، وقلنا بعدم وجوب العدول إلى الافضل مع صحّة شروع التقليد ، جاز له البقاء على تقليد عمرو وهكذا .
هذا بناءً على تجويز العدول اعتماداً على الاطلاقات ، أو بناء العقلاء ، أو دليل العقل ، أمّا إذا كان الاعتماد على استصحاب التخيير فلا ، إلاّ على القول بحجّية التعليقي من الاستصحاب مطلقاً ، أو في أمثال ذلك ، والله العالم .
القول الثاني
عدم جواز العدول من الحي إلى الحي مطلقاً
وأمّا القول الثاني : وهو عدم جواز العدول من الحي إلى الحي مطلقاً ، فقد صرّح بعضهم حتّى إلى الافضل وقد صرّح به جمع ، منهم : كاشف الغطاء (قدس سره) في كتابه فى موارد عديدة ، منها : في المقدّمات ، قال : « وإذا قلّد مجتهداً في مسألة ، تقليد عامل لا مستخبر ـ عمل أو لا ـ لم يجز له العدول إلى غيره في تلك المسألة وإن كان الثاني أفضل » وقال أيضاً : « وأمّا العدول من تقليد مجتهد إلى آخر في مسألة خاصّة بعد صدق اسم التقليد ـ عمل أو لم يعمل ـ فغير جائز ... »(13).
أدلّة القول الثاني
استدلّ للقول الثاني بوجوه كلّها قابلة للمناقشة :
الدليل الاوّل للقول الثاني
الاوّل : الاجماع المحكي عن المحقّق القمي (قدس سره) وعن الشيخ حسن كاشف الغطاء في شرح مقدّمة والده (قدس سره)على كتاب كشف الغطاء قال : « وللاجماع المنقول والشهرة المحصّلة » وفي تقرير بحث شريف العلماء (قدس سره) : « ظهور اتّفاق الاصحاب إذ لم ينقل من أحد جواز العدول بطريق الايجاب الكلّي»(14).
وقال في المستمسك : « إجماعاً ـ في الجملة ـ حكاه غير واحد » .
مناقشة الدليل الاوّل
وفيه أوّلاً : أنّه منقول ولا عبرة به ، لعدم إحرازه بالنقل ، ولا حجّيته مستقلاً على ما حقّق في الاُصول .
وثانياً : مخالفة جمع من أعيان الفقهاء له ، مثل المحقّق الكركي ، والشهيد الثاني ، والمحقّق الحلّي ، والعلاّمة في النهاية ، وصاحب الضوابط فيها ، والمحقّق العراقي ، والشيخ على الجواهري ، والشيخ محمّد حسين الاصفهاني ، وآخرين ممّن يعبأ بخلافهم .
وثالثاً : المسألة حادثة في زمن المحقق والعلاّمة ـ كما قيل ـ وليست معنونة عند القدماء حتّى يتم تحصيل فتاوى كلّ الفقهاء فيها .
ورابعاً : أنّه من الاجماع المحتمل الاستناد بل المعلوم الاستناد ، وذلك لاستناد المجمعين إلى الادلّة التي نذكرها إن شاء الله تعالى ، فليس إذن إجماعاً تعبّدياً حجّة كاشفاً عن موافقة المعصوم (عليه السلام) وهذا عند مشهور المتأخرين مانع ، وإن كان لنا فيه إشكال كما تقدّم .
الدليل الثاني للقول الثاني
الثاني : قاعدة الاحتياط العقلي ، المعبّر عنها بدوران الامر بين التعيين والتخيير . فإنّه بعد الاخذ بفتوى أحد المجتهدين يعلم بفراغ ذمّته باستمرار العمل على فتواه ، ويشكّ في أنّه هل يجوز له العدول إلى المجتهد الاخر ؟ فهو يعلم أنّه إمّا يجب عليه معيّناً البقاء على تقليد المجتهد الاوّل ، أو يكون مخيراً بينه وبين العدول إلى المجتهد الثاني ، والاصل العقلي في المقام يقتضي التعيين ، خصوصاً والمقام من دوران الامر بين طريقين ، والمشكوك الطريقية هو المشكوك الحجّية الّذي هو موضوع عدم الحجّية .
مناقشة الدليل الثاني
وأُورد عليه أوّلاً : بما ذكره الاخ الاكبر في « موسوعة الفقه » ـ بعد رفع اليد عن الاطلاقات وترك الاستدلال بها ـ من عدم تسلم وجوب الاحتياط في الدوران حتّى ولو كان بين الطريقين ، لجريان أدلّة البراءة وورودها على هذا الاصل العقلي .
وقد يوجّه : بأنّه لا إشكال في أنّ الاصل في الشكّ في الطريقية عدمها ، إلاّ أنّه إذا كانت طريقية عقلائية ثابتة ، وشكّ في الردع الشرعي عنها كان أصل عدم الردع الشرعي منضمّاً إلى وجدان الطريقية العقلائية محقّقاً لموضوع الطريقية ، وسيأتي البحث عن ذلك مفصّلاً إن شاء الله تعالى .
وثانياً : بما ذكره الشيخ الانصاري وتبعه المحقّق الاصفهاني من محكومية القاعدة باستصحاب التخيير الثابت قبل الاخذ بإحدى الفتويين من دون معارض ، وذلك إمّا لحكومته على استصحاب الحجّة الفعلية ـ كما اختاره الشيخ (قدس سره) ـ أو لعدم اقتضاء استصحاب الحجّية ، التعيين إطلاقاً ، وإنّ مقتضاه جواز العمل على طبقه فقط لا بشرط ـ كما ذهب اليه المحقّق الاصفهاني ـ .
هذا حال الاستصحابين ، وأمّا ورود استصحاب التخيير على أصل التعيين العقلي فلا إشكال فيه ، لورود الاصل الشرعي على الاصل العقلي ، بل إن كان دليل وجوب تقليد الاعلم الاصل العقلي ـ عند الدوران بينه وبين التخيير بين الاعلم وغيره ـ كان الاستصحاب موجباً لعدم جواز الرجوع حتّى إلى الاعلم أو لعدم الوجوب حسب المستصحب .
وقد مرّ تفصيل الكلام فيها .
وثالثاً : كثيراً ما يكون العدول لاجل مزية في المعدول إليه ، من أعلميته ، أو أورعيته ، أو نحوهما فيكون الدوران بين التعيينين ، لا بين التعيين والتخيير .
الدليل الثالث للقول الثاني
الثالث : الاستصحاب وله تقريبان :
الاوّل : استصحاب الحكم المختار ، فلو قلّد مجتهداً يقول بالقصر في مورد ، ثم عدل إلى مجتهد آخر يقول بالتمام في نفس ذلك المورد ، جرى بحقّه استصحاب القصر الشامل باطلاقه حتّى في زمان عدوله إلى المجتهد الثاني .
الثاني : استصحاب حجّية الفتوى المختارة ، أي : استصحاب حجّية القصر بحقّه ، لا استصحاب نفس القصر ، والفرق بينهما : أنّ الاوّل استصحاب حكم فرعي والثاني استصحاب حكم أُصولي ، ولعلّ إلى هذين يشير كاشف الغطاء حيث استدلّ لذلك بقوله : « ولانّه دخل في حلال محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وحرامه »(15).
مناقشة الدليل الثالث
وقد مرّ : ما عليه من الايرادات ـ وكان منها : إنّ هذا الاستصحاب يثبت حجّية البقاء ولا ينفي جواز العدول ، إذ الاستصحاب في الرخصة والعزيمة تابع لدليل المتيقّن السابق ، وليس عزيمة مطلقاً حتّى يكون له عقد سلب ، كالمفاهيم على ما ذكرناه في بحث الاستصحاب من الاُصول ـ فلا نعيد .
الدليل الرابع للقول الثاني
الرابع : ما عن الشيخ الانصاري (قدس سره) ـ تبعاً لشيخه شريف العلماء(قدس سره)(16)ـ : من لزوم المخالفة القطعية في بعض الموارد ، مثلاً : لو قلّد العامي مجتهداً يقول بالقصر في أربعة فراسخ وصلّى الظهر قصراً ، ثمّ بعد الصلاة قلّد الّذي يقول بالتمام في أربعة فراسخ وصلّى العصر تماماً ، حصل له العلم الاجمالي ببطلان إحدى صلاتيه ، فإذا لم يجز العدول في مثل هذا المورد يتمّ المطلوب في غيره بعدم الفصل .
وزاد على ذلك بعض المراجع المعاصرين : بأنّه لا إجمال في متعلّق البطلان ، بل يعلم تفصيلاً ببطلان العصر ، إمّا لعدم الترتيب : لفساد الظهر بإتيانه قصراً ، أو لوجوب قصر العصر أيضاً كالظهر .
مناقشة الدليل الرابع
المناقشة نقضاً
وأُجيب بأُمور :
أوّلاً : النقض بموارد لزوم العدول ، كما إذا كان الثاني أعلم ـ على القول بلزوم العدول إليه ـ أو إذا تبدّل رأي المجتهد ، أو موارد العدول عنه لجنون ، أو موت ، أو طرو فسق ، أو نحوها . فلو قلّد مجتهداً في صلاة الظهر وقصّر ، ثمّ تبدّل رأي المجتهد ، أو عدل عنه لاعلمية غيره ـ مثلاً ـ وكان الثاني يقول بالتمام ، ألا يجب عليه الاتيان بالعصر تماماً ؟ وما يجاب به عن تلك الموارد يجاب به عن هذا المورد .
وكذا في موارد كثيرة على شتّى المباني ، مثل ما إذ كان المبنى : كون التقليد هو الالتزام ، فالتزم بتقليد زيد وقبل العمل برأيه عدل ، ومثل ما إذا اكتفى في صدق التقليد : العمل ببعض المسائل وأراد العدول في مسائل أُخر ، ومثل ما إذا عدل ولم يعلم ـ حتّى إجمالاً ـ المخالفة بينهما ، وذلك كما إذا حجّ قبل عشر سنين بفتوى مجتهد ، والان يريد الحج بتقليد غيره ولا يعلم تخالفهما .
اللّهم إلاّ على القول بتعيّن تقليد الاعلم ، وفي فرض إحراز الاعلمية وجداناً أو بتعبّد غير معارض ، وهو فرض نادر خصوصاً في مثل هذه العصور التي كثر فيه الفقهاء ـ ولله الحمد ـ .
ثمّ إنّ شريف العلماء (قدس سره) أجاب عن بعض ذلك بالاجماع ، في مثل تبدّل فتوى المجتهد، قال: «ذلك خرج بالاجماع فلولا الاجماع لقلنا به»(17).
أقول : ـ مضافاً إلى ما أُورد على مثل هذه الاجماعات موضوعاً وحكماً ـ إنّه إن تمّ إجماع في بعض هذه النقوض ، فلا يتمّ في الجميع ، فتأمّل .
المناقشة حلاً
وثانياً : بالحل ، وهو أنّه إذا كان لنا دليل عام من اجزاء ـ على القول به ـ مطلقاً ، أو في خصوص باب التقليد ، يتكفّل بكفاية الاعمال السابقة المأتيّ بها عن حجّة شرعية ، حتّى مع تبيّن مخالفتها لحجّة أُخرى بعد ذلك ، بل ـ على قول أفتى به بعضهم في موارد مختلفة في الفقه صريحاً ، أو باطلاق ـ حتّى مع تبيّن عدم مطابقتها للواقع(18) كما ادّعي من قيام الاجماع على كفاية ذلك ، وفيه قال صاحب الفصول (قدس سره) : من أنّ الواقعة الواحدة لا تتحمّل اجتهادين ، فلا يضر العلم بالمخالفة القطعية ، إجمالية كانت أو تفصيلية ، فضلاً عن المخالفة الاحتمالية(19).
تمثيل وتنظير
ونظير ذلك ما يقال في باب العلم الاجمالي في الواقعة المتكرّرة المتدرّجة في الوجود : من عدم لزوم مراعاة هذا العلم الاجمالي ، كما يمثّل له الشيخ الانصاري (قدس سره) في الرسائل : بالمرأة التي ترى الدم طول الشهر حيث تجري أصالة عدم الحيض إلى آخر الشهر ، ففي الايّام الثلاثة الاخيرة للشهر يتولّد علم إجمالي إمّا بالحيض في بعض الايّام السابقة ، أو في هذه الايّام . ولا يكون ملزماً هذا العلم لخروج بعض الاطراف عن محل التكليف ، أو عن محل الابتلاء في كل يوم ، وكذا بعض أطراف العلم الاجمالي الخارج عن محل الابتلاء ، ثمّ دخل في محل الابتلاء بعد ارتكاب طرفه الاخر ، وهكذا .
وإن لم يكن لنا دليل عام يتكفّل لكفاية كلّ الاعمال السابقة المأتيّ بها عن حجّة شرعية ، ثم تبيّن عدم مطابقتها للواقع ـ كما قيل أيضاً ـ فلابدّ من ملاحظة الحكم في كل مورد بخصوصه ، فإن كان دليل خاص بكفايته التزمناه ، وإلاّ التزمنا الاعادة أو القضاء ، وكذا سائر الاثار الاُخرى المقرّرة في الشريعة .
وممّا قام الدليل الخاص على كفايته : باب الصلاة فيما إذا زاد أو نقص ـ غير الاركان ـ فإنّ حديث : « لا تعاد » يشمله ، كما هو الاقوى .
مثلاً : لو قلّد مجتهداً كان يقول بعدم وجوب جلسة الاستراحة وصلّى الظهر بدون جلسة الاستراحة ، ثمّ عدل إلى مجتهد آخر يقول بوجوبها ، فإنّ مقتضى : « لا تعاد » صحّة صلاة الظهر المأتيّ بها بدون جلسة الاستراحة عن حجّة شرعية .
وممّا لم يقم الدليل عليه بالخصوص ـ كما قيل ـ باب الصلاة إذا زاد أو نقص بعض الاركان ، كما إذا صلّى بفتوى المجتهد الاوّل الظهر قصراً ، والمجتهد الثاني أفتى بلزوم التمام ، فإنّ حديث : « لا تعاد » لا يشمل المقام ، فيجب عليه إعادة أو قضاء صلاة الظهر تماماً وإن قيل ـ ولعلّه ليس بالبعيد ـ بشمول حديث : « لا تعاد » للمورد أيضاً ، وتفصيل الكلام موكول إلى باب الصلاة .
حاصل الكلام
والحاصل : يجب القول بالقضاء أو الاعادة أو الكفارة أو سائر الاثار إذا علمنا بترتّب الاثار على العلم بالمخالفة الواقعية حتّى ولو كانت عن عذر .
هذا بالنسبة إلى الاثار العملية في الدنيا .
وأمّا مسألة العقاب الاُخروي فاستحقاقه يترتّب على صدق المعصية ، وإلاّ فإن كانت المخالفة عن عذر ، أو بالاحرى مستندة إلى حجّة شرعية ـ كما فيما نحن فيه ـ لا تصدق عليها المعصية ، حتّى ولو كان بناء المقلّد ومن أوّل الامر العدول بعد العمل إلى مجتهد آخر مخالف للمجتهد الاوّل في فتواه .
وبالنتيجة : فلزوم المخالفة القطعية في بعض موارد العدول لا يوجب الحكم بحرمة العدول في نفس تلك الموارد ، فضلاً عن القول بها عموماً .
ولا يخفى : إنّ ما ورد في أصل المطلب : من أنّ الحرمة تعمّ سائر موارد العدول بعدم الفصل .
فيه : إنّه ثبت في الاُصول أنّ الّذي قيل إنّه يعمّم الحكم لغير مورده هو القول بعدم الفصل ، الّذي مرجعه إلى الاجماع بعدم الفصل ، ولا يجدي مجرد عدم القول بالفصل .
الدليل الخامس للقول الثاني
الخامس : ما ذكر في المقام(20): من أنّ العلم بمخالفة فتوى المجتهد المعدول إليه لفتوى المجتهد المعدول عنه ، إمّا تكون معلومة في حين العدول أم لا .
فعلى الاوّل : وهو ما إذا علم بالمخالفة حين العدول ، فإنّه لا يجوز للمقلّد العدول إلى الثاني ، ولا البقاء على فتوى الاوّل ، لسقوط كلتا الفتويين عن الحجّية بقاءً من أجل المعارضة ، لانّ أدلّة التقليد لا تشمل صور المخالفة ، بل اللازم عليه الاحتياط حينئذ .
وعلى الثاني : وهو ما إذا لم يعلم بالمخالفة حين العدول وحصل له العلم بالمخالفة بعد ذلك ، فإنّه أيضاً لا يجوز له العدول لسقوط كلتا الفتويين عن الحجّية حال علمه بتخالف الفتويين .
نعم ، حال العدول كان غافلاً عن مخالفة الفتويين ، فكان يتخيّل جواز العدول ، فيكون معذوراً على عدوله ، وإلاّ فعدوله باطل واقعاً .
إذن : فالعدول إلى مجتهد آخر مخالف في الفتوى للمجتهد الاوّل ، غير جائز .
مناقشة الدليل الخامس
وفيه أوّلاً : ما مرّ مكرّراً ـ ويأتي مفصّلاً في المسألة الثالثة عشرة إن شاء الله تعالى : من أنّ مقتضى الادلّة العقلائية والشرعية التخيير في الفتويين المتعارضتين حتّى على القول بتساقط المتعارضين ، وعليه : فلا يبقى مجال لهذا التفصيل .
وهل يصحّ أن يلتزم بوجوب انسحاب عامّة المقلّدين عن مرجعهم بمجرد عثورهم على فتوى مخالفة لفتواه ـ فيما كان محل ابتلاء كل فرد فرد ـ لسقوطهما عن الحجّية بالعلم بالمخالفة ؟
اللّهم إلاّ في فرض كون المرجع هو الاعلم على الاطلاق من معاصريه وممّن سينبُغ في عصره ما دام حياً .
وثانياً : الدليل أخصّ من المدّعى ، إذ لا ينحصر العدول في فرض العلم بالمخالفة حال العدول ، أو بعدها ، فهناك فرض عدم العلم بالمخالفة لا حين العدول ، ولا بعده ، كما قدّمنا المثال لذلك بمن حجّ قبل عشر سنوات مقلّداً لمجتهد ، والان يريد الحجّ عدولاً إلى فتاوى مجتهد آخر ، ولا يتذكّر فتاوى المجتهد الاوّل .
وفرض آخر : وهو العدول مع العلم بتوافقهما حال العدول ، أو حصول العلم بالتوافق بعد العدول ـ بناءً على لزوم التعيين في مرجع التقليد كما تقدّم طرف من الكلام عنه عند قول الماتن في المسألة الثامنة : « التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معيّن » ـ .
نعم ، لا يرد عليه النقض المتقدّم بالعدول إلى الاعلم ، أو تغيّر فتوى المجتهد نفسه ، أو كون التقليد هو الالتزام ، فعدل قبل العمل ، أو نحو ذلك كما هو واضح .
الدليل السادس للقول الثاني
السادس : ما في تقرير بحث السيّد الروحاني وفاقاً لما في التنقيح(21): من أنّ العدول لا يخلو من أمرين باطلين : إمّا التبعيض في الحكم الكلّي ، وإمّا نقض آثار الاعمال السابقة الواقعة على طبق التقليد الاوّل بعد تقليده للثاني .
مثلاً : إذا كان مجتهدان يوجب أحدهما الجمعة والاخر الظهر ، فقلّد العامي الاوّل برهة وصلّى الجمعة ، ثمّ عدل إلى الثاني . فإمّا أن يلزم التبعيض في الصلاة الواحدة ـ وهو حكم كلّي كلّما حان ظهر الجمعة ـ بمتابعة أحدهما مدّة ، ومتابعة الاخر مدّة أُخرى . وإمّا أن يحكم ببطلان ما صلاّها جمعة حال تقليده للاوّل ، ويلزم منه : أنّه إن عاد إلى الاوّل أو إلى مجتهد ثالث يقول بوجوب الجمعة ، أن يحكم ببطلان كلّ ما صلاّها ظهراً ، وهكذا .
مناقشة الدليل السادس
ويورد عليه : ـ مضافاً إلى أنّه أخصّ من المدّعى على ما تقدّم آنفاً ـ أنّه ليس تبعيضاً في الحكم الكلّي ، والمسألة الكلّية ، بل هو تبعيض في الحجّة على الحكم الكلّي ، إذ فتوى الفقيه ليس حكماً ، بل هو حجّة على الحكم ، فإن قلنا تبعاً للمشهور من الاجزاء في باب التقليد صحّ التبعيض في هذه الحجّة على الحكم الكلّي ، وإن قلنا بعدم الاجزاء فيه أيضاً لزم الالتزام ببطلان الاعمال السابقة بالخصوص ـ إذ لازم الالتزام بصحّة العدول ذلك ، دون بطلان الاعمال اللاحقة ـ وهذا هو الخلاف المبنوي السابق في الاجزاء وعدمه بالنسبة للتقليدين المتخالفين ، وليس إشكالاً آخر .
إيرادات غير تامّة
الايراد الاوّل
وقد أُورد على هذا الوجه السادس إيرادات أُخرى غير تامّة :
أحدها : ما ذكره العلاّمة الروحاني نفسه : من أنّ التقليد إنّما هو في الحكم الكلّي ، ولا نقول بالتبعيض ، إذ عمل المقلّد لابدّ وأن يستند إلى رأي المجتهد ، والمقلّد استند في صلاة الظهر إلى رأي المجتهد الاوّل الّذي هو حجّة حتّى بالنسبة إلى عدم لزوم القضاء بعد العدول ، فيكون استناده إلى المجتهد الثاني في خصوص الوقائع اللاحقة ، وذلك لا يكشف عن فساد الاعمال السابقة .
وفيه : أنّ كل واحد من المجتهدين له رأيان سلبي وإيجابي ، فالايجابي الجواز والصحّة بالنسبة للجمعة أو الظهر ، والسلبي عدم الجواز والبطلان بالنسبة لخلافهما ، فالمجتهد الاوّل يقول بجواز وصحّة الجمعة ، وعدم جواز وبطلان الظهر ، والمجتهد الثاني يقول بالعكس ، فالسابق يخطّي فتوى اللاحق ، واللاحق يخطّي فتوى السابق ، وكلّ يكشف ـ بنفس الحجّة على الايجاب ـ عن السلب أيضاً .
الايراد الثاني
ثانيها : الالتزام بالشقّ الثاني وهو نقض آثار الاعمال السابقة ، وهو بعينه مسألة تساقط الدليلين ـ الذين منهما الفتويين ـ لدى المعارضة ، اللّهم إلاّ أن يقوم دليل على اجزائها .
وفيه : ـ مضافاً إلى ما تقدّم إجمالاً وسيأتي إن شاء الله تعالى مفصّلاً : من الحل بقيام الدليل على الاجزاء في أبواب عديدة ومنها باب التقليد ـ النقض بموارد لابدّ فيها من العدول كما إذا فسق أو جنّ المجتهد الاوّل ، أو سقطت عدالته ، ونحو ذلك ، أو صار غيره أعلم ، أو أوثق ، ونحوهما ـ بناءً على لزوم العدول فيها أو تبدّلت فتوى نفس المجتهد الاوّل وبموارد يجوز العدول فيها من الميّت إلى الحي ، ونحوه .
الايراد الثالث
ثالثها : نفرض أنّا لا نلتزم التبعيض ، ولكن نقول : إنّه لا يلزم من ذلك التزام فساد الاعمال السابقة ، لانّ لكل واحدة من الفتويين منطوقاً ومفهوماً ، فالمنطوق هو نفس الفتوى ، والمفهوم هو عدم صحّة غيرها ، الشامل باطلاقه لفتوى الاخر ، فإن كان في البين فتوى واحدة كنّا نلتزم بالمفهوم كما نلتزم بالمنطوق ـ على فرض حجّية مفهوم اللقب في الفتاوى ، الّذي المقام منه ـ ولكن مع وجود فتويين متعارضتين ، فهناك مفهومان متعارضان أيضاً يطرح بكل منطوق مفهوم الاُخرى ، لاظهرية منطوق كل فتوى من مفهوم الفتوى الاُخرى ـ كما حرّر ذلك في الاُصول أيضاً ـ فتأمّل .
وفيه : أنّ كل واحدة من الفتويين لها منطوقان ، لا مفهوم ومنطوق ، فبنفس الحجّة على الحكم الاثباتي ، يفتي ـ كل منهما ـ بالحكم السلبي ، فمن يفتي بوجوب صلاة الجمعة يفتي بعدم وجوب وعدم صحّة الاكتفاء بصلاة الظهر ، وكذا العكس ، فليس تعارض منطوق ومفهوم ليكون المنطوق أظهر ويرفع اليد به عن المفهوم ، فهما متعارضان في الظهور .
الايراد الرابع
رابعها : مناقشة فنيّة ، وهي أنّ هذا الدليل السادس في الاستدلال لعدم جواز العدول ينبغي أن يصاغ بأنّه يستلزم أحد أمرين ـ لا يمكن المساعدة على شيء منهما ـ على سبيل القضية الحقيقية ، دون مانعة الخلو ـ كما في التنقيح ، فتأمّل .
وقد نقل في مخطوط تقرير بحث المحقق الشريف وجه آخر ، وهو : أنّ أدلّة حرمة التقليد تشمل كلا المقلَّدين ـ بالفتح ـ خرج عن ذلك بالاجماع تقليد الاوّل ، فيبقى المعدول إليه في عموم الحرمة .
وفيه : ـ مضافاً إلى أنّ الّذي خرج عن العموم عنوان يشمل المعدول عنه وإليه سواء في بناء العقلاء وفي الادلّة الشرعية ـ أنّ مقتضى استصحاب التخيير ، واستصحاب تقليد الثاني قبل تقليد الاوّل ، جواز العدول على ما تقدّم .
الدليل السابع للقول الثاني
السابع : ما ذكره الشيخ حسن كاشف الغطاء في شرح(22) مقدّمة والده (قدس سرهما) على كشف الغطاء : من لزوم فساد النظام بالتبديل والتغيير ومتابعة الهوى .
مناقشة الدليل السابع
وفيه : ما لا يخفى ، مضافاً إلى أنّه أخصّ من المدّعى لو فرض صحّته جزئياً ، مع أنّه إن كان فساد النظام فإنّما هو في المعاملات خاصّة دون العبادات ، وفيما لو قلنا ببطلان المعاملة السابقة بسبب فتوى المعدول إليه لا مطلقاً ، فهذا الاستدلال حريّ أن يكون مستنداً للتفصيل بذلك ، لا للقول بحرمة العدول مطلقاً .
الدليل الثامن للقول الثاني
الثامن : ما ذكره الشيخ حسن كاشف الغطاء أيضاً : من أنّ العدول ردّ عليه ، وهو ردّ على الله تعالى ، وقد صرّح بذلك والده : كاشف الغطاء (قدس سره) في كتابه(23).
مناقشة الدليل الثامن
وفيه : ما لا يخفى ، مضافاً إلى أنّه انتقال من حكم الله تعالى إلى حكم آخر لله تعالى ، والردّ لو تمّ فهو في غير الانتقال إلى حكم آخر لله تعالى .
الدليل التاسع للقول الثاني
التاسع : ما ذكره شريف العلماء (قدس سره) : « من عموم أدلّة حرمة التقليد ، خرج تقليد الاوّل بالاجماع ، وبقي المعدول إليه تحت العموم »(24).
مناقشة الدليل التاسع
في أحكام العدول : القول الثالث
وفيه أوّلاً : إنّ الّذي خرج عن العموم عقلائياً : الخبير الثقة ، وشرعاً : من جمع الشرائط عنوان يعمّهما .
وثانياً : إنّ مقتضى استصحاب التخيير ، واستصحاب حجّية تقليد الثاني ، يعمّم الحكم لهما .
استنتاج
وكيف كان : فقد ظهر من مطاوي ما ذكرناه : عدم استقامة اطلاق القول بحرمة العدول في مقام البحث العلمي دون مقام الفتوى .
القول الثالث
التفصيل بين ما قلّد فيها والتزم البقاء وعدمه
وأمّا القول الثالث في مسألة العدول من الحي إلى الحي : فهو ما نقله المستمسك(25) عن الجواهر وجماعة من التفصيل : بين الوقائع التي قلّد العامي فيها والتزم البقاء عملياً على تقليد الاوّل وبين غيرها ، بعدم جواز العدول في الاول ، وجواز العدول في الثاني .
مثال الاوّل : ما لو قلّد مجتهداً يجوّز عقد النكاح بالفارسية ، فعقد بالفارسية على امرأة ، ثمّ عدل إلى مجتهد آخر يرى بطلان العقد بالفارسية ، فلا يجوز له ترك ترتيب آثار الزوجية من الوطي ، والقسم ، والنفقة ، والارث ، وعدم الرجوع في الهبة ، ونحوها اعتماداً على فتوى المجتهد الثاني .
ومثال الثاني : ما لو عقد على امرأة أُخرى بالفارسية بعد العدول ، فإنّه حيئنذ يصحّ له عدم ترتيب آثار الزوجية بالنسبة إلى هذه المعقودة . قال في المستمسك في وجه ذلك : « وكأنّه لاستصحاب التخيير الّذي لا إجماع على خلافه هنا »(26).
مناقشات ومآخذ
والّذي يؤخذ على هذا القول أُمور :
أحدها : هو أنّ البقاء في المثال الاوّل ، ليس من التزام المقلّد البقاء في أفراد الحكم الكلّي وإنّما هو بقاء في فرد واحد ، ولاجل إنّه واقعة واحدة لا لاجل التزامه .
وهذا نظير ما لو تزوّج أُخت أُخته من الرضاعة بفتوى من لا يقول بعموم المنزلة ، وحملت منه ولداً ، ثمّ عدل في تقليده إلى مجتهد يحرّم التزويج بها قائلاً بعموم المنزلة ، أترى هل يحكم بأنّ الولد ينقلب ولد شبهة بعد ما كان ولد نكاح ؟ وهل ينقلب مهر الزوجة من المسمّى إلى مهر المثل ؟ كلاّ ، وليس ذلك إلاّ لانّ هذه الواقعة إلى الاخير تعدّ واقعة واحدة ، لا واقعتين مندرجتين تحت كلّي واحد ، كالظهر والجمعة .
أو نظير ما لو أكل لحماً حلالاً بفتوى مجتهد ، ثمّ بعد قليل قبل هضم اللحم ، عدل إلى مجتهد آخر يقول بحرمة أكل ذلك اللحم ، أترى أنّ القائلين بجواز العدول مطلقاً هل يقولون بوجوب تقيّىء هذا اللحم ـ بناءً على وجوب تقيىء الحرام وأنّ ابقاءه في المعدة كأكله حرام ـ ؟
ثانيها : أنّه ـ نتيجة ـ يكون قولاً بجواز العدول مع تصحيح الاعمال السابقة ، وهو مطلب آخر غير جواز العدول .
في أحكام العدول : القول الرابع
ثالثها : أنّه لا ربط للالتزام في ذلك ، فإذا عقد على الاُولى بالفارسية ، بتقليد المجتهد الاوّل ، غير ملتزم البقاء لا على التقليد ولا على الزوجة ـ لقصده مثلاً العدول بعد سنة ، والطلاق بعد سنة ـ ثمّ عدل ولم يطلق ، فهل يلتزم هذا المفصل بطلان النكاح ؟
رابعها : استبعاد أن يكون حكمان لرجل ذي زوجتين قد عقد على كليتهما بالفارسية ، بأن يجب عليه ترتيب آثار الزوجية بالنسبة للاُولى لوقوع العقد عليها في زمن تقليده لمن كان يجوّز ذلك ، وأن يحرم عليه ترتيب آثار الزوجية بالنسبة للثانية لوقوع العقد عليها في زمن تقليده ممّن كان يحرّم ذلك .
لكن فيه : أنّ الاستبعاد لا يكون مرجعاً للاحكام الشرعية ، والتفكيك بين الاثار ما أكثره في الشريعة ، وفي البناءات العقلائية ، ما دام هذا التفكيك نتيجة سعة دليل ، أو قصور دليل .
القول الرابع
التفصيل بين اختلاف المجتهدين وتوافقهما
وأمّا القول الرابع في مسألة العدول من الحي إلى الحي : فهو ما للبعض في شرحه على العروة : من التفصيل بين اختلاف المجتهدين في الفتوى فلا يجوز العدول ، وبين اتّفاقهما فيجوز العدول .
والحقّ : أنّ هذا أيضاً يرجع إلى حرمة العدول مطلقاً ، لانّ العدول إلى الموافق في الفتوى وإن كان عدولاً واقعاً في الاستناد ولكن لا أثر مهم له .
نعم قد يترتّب عليه بعد ذلك بعض آثار غير مهمّة في المقام ، مثلما لو عدل من زيد إلى عمرو ، ثمّ مات زيد فيجوز للمقلّد البقاء على تلك الفتوى حتّى على القول بحرمة البقاء على تقليد الميّت ، أمّا إذا لم يعدل فمات زيد لم يجز له البقاء على تقليده . ونحو هذا من الاثار .
ولعلّه لذلك لم يعلّق هذا المعاصر في حاشيته على العروة على هذه المسألة واعتبر نفسه موافقاً للعروة في حرمة العدول .
ثمّ إنّه قد ظهر الاشكال في عدم جواز العدول ممّا تقدّم .
القول الخامس
التفصيل بين تساوي المجتهدين وعدمه
وأمّا القول الخامس في مسألة العدول من الحي إلى الحي : فهو ما لجماعة ، منهم : المحقّق العراقي ، والشيخ علي حفيد صاحب الجواهر (قدس سرهم) وبعض آخر : من التفصيل بين تساوي المجتهدين فيجوز العدول ، وبين غيره فلا يجوز العدول .
واستدلّوا لذلك باستمرارية التخيير الّذي كان قبل التقليد ، وهذا القول قد اتّضحت مؤيّداته ، ومناقشاته ، من مطاوي الكلمات الانفة للمتأمّل .
هذا تمام الكلام في المسألة الاُولى من شقّي المسألة الحادية عشرة ، وهي مسألة : جواز العدول من الحي إلى الحي وعدمه .
المسألة الثانية
مسألة العدول إلى الاعلم والاقوال فيها
وأمّا المسألة الثانية : وهي مسألة حكم خصوص ما إذا كان المعدول إليه أعلم ، فهل يجوز العدول إليه ، أو يجب ، أو يحرم ، أو يجب الاخذ بأحوط القولين مع العلم بالمخالفة تفصيلاً ، أو ولو إجمالاً فيما كان العلم الاجمالي منجّزاً ، أو التفصيل بين احراز المطابقة وعدمه ؟ احتمالات بل أقوال .
القول الاوّل
جواز العدول إلى الاعلم
الاوّل : ظاهر متن العروة هو : جواز العدول إلى الاعلم لانّه استثناء عن حرمة العدول ، ومقتضاه : عدم الحرمة لا الوجوب ، وهو ظاهر كلّ من لم يعلّق على هذه المسألة كالمحقّقين النائيني ، وشيخ الشريعة ، والشيخ محمّد رضا آل ياسين ، والسيدين : الوالد والبروجردي ، والشيخ عبدالكريم الحائري (قدس سرهم) ، وإن كان بعضهم كالسيد الحكيم (قدس سره) صرّح بالوجوب في شرحه على العروة .
الاستدلال لجواز العدول إلى الاعلم
ويمكن أن يستدلّ له بالجمع بين أدلّة حرمة العدول ، وبين أدلّة وجوب تقليد الاعلم ، مع عدم ثبوت رجحان لاحداهما على الاُخرى ، فيرجع إلى التخيير .
إلاّ أن يقال : بأنّه على المسلك المنسوب للمشهور من تساقط الدليلين أنّ مقتضى القاعدة في المقام الاحتياط ، قضاء للبراءة اليقينية عند الاشتغال اليقيني .
لكن قد يجاب عليه : بأنّ التساقط إنّما يصحّ في الدليلين المتعارضين ، الذين كان كلّ واحد منهما دليليته مطلقاً ـ لو خلّي عن المعارض ـ مسلّماً ، أمّا لو كان دليلية الدليل من باب الاُصول العقلية ونحوها ممّا اختلفت على الجهل وعدم العلم ، التي تزول أحياناً بأدنى شبهة دليل معارض ، فلا ، ولعلّ المقام منه . إذ لم يفهم من وجوب تقليد الاعلم اطلاقه حتّى إذا استلزم العدول ، ولم يفهم من دليل حرمة العدول اطلاقه حتّى ولو كان إلى الاعلم .
وقال الاخ الاكبر في « موسوعة الفقه » في مقام الاستدلال لجواز العدول إلى الاعلم : « وذلك لعدم جريان أدلّة المنع هنا ، أمّا الاجماع : فقد تقدّم أنّه فيما لا يكون أحدهما أعلم ، وأمّا دوران الامر بين التعيين والتخيير : فلعدمه هنا ، إذ قد تقدّم أنّ هذه القاعدة هي فيما لا يكون احتمال التعيين في كلّ من الطرفين موجوداً ، وما نحن فيه كذلك ، يحتمل تعين المعدول عنه لانّه آخذ بالحجّة ، ويحتمل تعيّن المعدول إليه لكونه أعلم »(27).
وربما يقال فيه : أنّ أدلّة المنع لم تنحصر في الاجماع ، وأصل التعيين ، حتّى إذا فقدا في المقام يكون الامر بلا مانع ـ وإن كان الاخ الاكبر لم يستدل في مقام الاستدلال للمنع إلاّ بهما فقط ـ ولكن ذكرنا سابقاً في أدلّة المنع عدّة أُمور تجري في المقام ـ ولو جزئياً ـ وهي لزوم المخالفة القطعية في بعض الموارد ، وتساقط الفتويين المتخالفتين للتعارض ، ودوران الامر بين أمرين باطلين : التبعيض في الحكم الكلّي ، ونقض آثار الاعمال السابقة والاستصحاب .
نعم ، من الممكن أن يخدش في الاستصحاب هنا بما لم يكن سابقاً وهي تبدّل الموضوع ، فتأمّل .
القول الثاني
وجوب العدول إلى الاعلم
الثاني : صريح بعض الاعلام هو : وجوب العدول إلى الاعلم ، وإليه ذهب جمع من مراجع العصر ومن تقدّمهم ، تبعاً لصاحب الجواهر ، والشيخ الانصاري والمجدّد الشيرازي في الرسائل العملية « مجمع الرسائل » و : « صراط النجاة » و « مجمع المسائل » ووافقهما الميرزا حبيب الله الرشتي ، والميرزا حسين الخليلي ، والصدر ، والكاظمان : الخراساني واليزدي (قدس سرهم) واختلفت حواشي الشيخ محمّد تقي (قدس سره) على رسائل ثلاث كالاتي :
1 ـ ففي حاشيته على الرسالة المنسوبة للشيخ الانصاري (قدس سره) المسمّاة باسم : « صراط النجاة » أفتى بعدم وجوب العدول إلى الحي الاعلم .
2 ـ وفي حاشيته على الرسالة المنسوبة للمجدّد الشيرازي (قدس سره) المسمّاة باسم : « مجمع المسائل » سكت على المتن الّذي أوجب العدول إلى الاعلم ولم يعلّق عليه بشيء .
3 ـ وفي حاشيته على رسالة الشيخ زين العابدين المازندراني ـ تليمذ صاحب الجواهر والشيخ (قدس سرهم) ـ المسمّاة باسم :«ذخيرة المعاد» قال ما ترجمته بالعربية : « الاحوط هو الاخذ بأحوط القولين من المعدول عنه أو المعدول إليه الاعلم » .
ودليلهم على ذلك : عدم الفرق في أدلّة وجوب تقليد الاعلم بين سبق تقليد غيره وبين عدمه .
أقول : إن تمّ بناء من العقلاء على وجوب تقليد الاعلم مطلقاً حتى مع سبق تقليد غيره كان أمارة معتبرة شرعاً ، لانّ طرق الاطاعة والمعصية عقلائية ـ إلاّ ما وسّع الشارع أو ضيّق ـ ومع هذه الامارة لا مجال لاي بحث . وإن لم يتمّ هذا البناء ـ علماً وجدانياً أو تعبّداً ، أو أصلاً عملياً ـ لم ينفع شيء ممّا ذكر في المقام من الادلّة الاُخرى .
ولذا يرد على ما ذكر :
مناقشة القول الثاني
وفيه : أنّ عمدة أدلّة تقليد الاعلم كما سيأتي ـ غير بناء العقلاء ـ هي : أصل التعيين ، والاقربية إلى الواقع ، والاجماع المنقول ، والاخبار العلاجية ، والاخبار الخاصّة مثل : « اختر للحكم أفضل رعتيك » ونحوه ، فإن كان المراد من عدم الفرق بين سبق التقليد وعدمه في وجوب تقليد الاعلم هو اطلاق الادلّة ، فلا اطلاق فيها إلاّ الاخبار ، لانّ أصل التعيين والاقربية إلى الواقع والاجماع كلّها أدلّة غير لفظية ، وليست مسرحاً للاطلاق وعدمه .
اللّهم إلاّ إذا كان للاجماع معقد مطلق ، مع الاشكال فيه وفي الاخرين صغرىً وكبرىً على ما يأتي في مسألة تقليد الاعلم إن شاء الله تعالى .
وأمّا الاخبار الخاصّة والعلاجية فسيأتي الاشكال فيها في نفس مسألة تقليد الاعلم .
وإن كان المراد من عدم الفرق ، غير الاطلاق فليبيّن .
وربما يضاف إلى ما ذكر : أنّه بناءً على كون وجوب تقليد الاعلم لاصل التعيين ـ ولعلّ المعظم بنوا عليه ـ فمضافاً إلى معارضته بأصل التعيين الّذي بنوا عليه حرمة العدول عن الحي ، إنّ استصحاب حرمة العدول ـ فيما كان الاعلم فعلاً غير أعلم سابقاً وحدثت الاعلمية له ، ويتمّ في ما لا يقين سابق بالاعلمية بعدم الفصل ـ مقدّم على أصل التعيين من جهتين ، شرعية الاستصحاب وتنزيليته ، وعقلية أصل التعيين ، وكونه غير تنزيلي .
وبعبارة أُخرى : إذا وصلت النوبة إلى الاُصول العملية ، وكان لزوم تقليد الاعلم لاصل التعيين ، ولزوم البقاء على تقليد المجتهد الاوّل للاستصحاب ، كان البقاء لازماً ولم يجز العدول حتّى إلى الاعلم ، لورود الاصل الشرعي على الاصل العقلي كلّما وقعت المعارضة بينهما ـ كما حرّر في الاُصول ـ كيف والاستصحاب تنزيلي والتعيين غير تنزيلي ؟
إيراد غير وارد
فما أُورد في المقام على السيد الحكيم (قدس سره) : من أنّه إذا ثبت وجوب تقليد الاعلم تعيّن العدول ، سواء كان مستنده الدليل الاجتهادي أم الاصل العملي ، لم يظهر وجهه .
إلاّ أن يقال : بعدم جريان الاستصحاب ، أو بمحكوميته لاصل التعيين لانّ الاستصحاب في المقام دليل غير اقتضائي لكونه مجوّزاً للبقاء ، وأصل التعيين دليل اقتضائي ، وكلّما وقع تعارض بين دليلين : اقتضائي ولا اقتضائي ، تقدّم الدليل الاقتضائي .
لكنّه بكلا شقّيه غير تامّ ، إذ جريان الاستصحاب لا مانع منه خصوصاً مع تمامية أركانه ، إلاّ على القول بعدم جريانه في الاحكام .
وحديث دليلين : اقتضائي ولا اقتضائي ، مضافاً إلى أنّه غير مرتبط بما نحن فيه خصوصاً ـ مع الغض عمّا سبق آنفاً من عدم كونهما في مرتبة واحدة لتقدّم الاستصحاب وكونه رافعاً لموضوع أصل التعيين ـ أنّ كلا الدليلين اقتضائيان ، غاية ما في الباب مورد أحدهما الحكم بالاباحة ، لا أنّ الاستصحاب دليل لا اقتضائي ، نظير روايتين تدلّ إحداهما على حرمة شيء والاُخرى على جوازه ، فلا تقدّم الدالّة على الحرمة ، بل في مثله ـ بعد التعارض والتساقط ـ يكون الاصل موافقاً للدليل غير الاقتضائي ، ومسألة تقدّم الدليل الاقتضائي على غيره إنّما هي في التزاحم كما إذا كان دليل دالاً على حكم غير اقتضائي كأدلّة المباحات والمكروهات والمستحبات . ودليل آخر كان دالاً على حكم اقتضائي كأدلّة الواجبات والمحرّمات فكان أمر خارجي مجمعاً ومصداقاً لكليهما ، كما لو صار شرب الماء موجباً لهلاك النفس أو بالعكس ، فتأمّل .
القول الثالث
حرمة العدول حتى إلى الاعلم
الثالث : صريح كاشف الغطاء في مقدّمة كشف الغطاء هو : الحرمة وعدم جواز العدول، قال: «وإذا قلّد مجتهداً في مسألة ، تقليد عامل لا مستخبر ـ عمل أو لا ـ لم يجز له العدول إلى غيره في تلك المسألة وإن كان الثاني أفضل».
وقال ابنه : الشيخ حسن ـ صاحب أنوار الفقاهة ـ في شرحه على مقدّمة كشف الغطاء : « فهل يجوز العدول طلباً للفضيلة ـ وكذا لو كان أعدل ـ أم لا يجوز ؟ وجهان : لتعارض دليل وجوب تقديم الفاضل ، ووجوب البقاء وحرمة العدول ، ولا يبعد تقديم دليل حرمة العدول مطلقاً لقوّته ، وانصراف أدلّة وجوب تقديم الفاضل لغير محل الفرض »(28).
أقول : وقد يؤخذ على هذا القول ، ما ذكر في القولين السابقين ، وما سيذكر في القول الرابع من الاستدلالات إن شاء الله تعالى .
وربما يضاف : أنّ الاعلم إن كان لاصل التعيين فاستصحاب حرمة العدول إذا لم يكم أعلم ثمّ صار أعلم ، ويتمّ في غيره بعدم الفصل ، حاكم عليه من جهتين : الشرعية والتنزيلية .
وفيه : أنّه كلام مبنائي ، لكن المعظم ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ بنوا على أصل التعيين في الاعلم ، مع العلم الاجمالي ، بالمخالفة في محل الابتلاء .
ثم إنّ من مطاوي ما ذكرناه بالتفصيل يظهر حكم العدول من الاعلم إلى غير الاعلم فلا نعيد ، فالادلّة هي هي ، والنقوض هي هي ، ولكن مع تفاوت لا يخفى على المتأمل .
وخلاصته : أنّه مع مبنيين يصحّ ، وإلاّ فلا ، والمبنيان هما : عدم وجوب تقليد الاعلم ، وجواز العدول مطلقاً ، وهو واضح .
القول الرابع
وجوب الاخذ بأحوط القولين
الرابع : وأوجب بعضهم الاحتياط بين القولين ، إذا كان الحي المعدول إليه أعلم ، وفي غيره لم يجوّزوا العدول ، فبعضهم قيّد ذلك بما إذا علم تفصيلاً ـ من غير وجوب فحص على نحو مقدّمة الوجوب لا مقدّمة الوجود ـ المخالفة في كلّ مسألة مسألة ، ومنهم بعض مراجع عصرنا ، وآخرون أطلقوا وجوب الاحتياط حتّى مع العلم الاجمالي بالمخالفة فيما كان العلم الاجمالي منجّزاً للتكليف بشروطه : من عدم كونه غير محصور ، ولا خارجاً بعض أطرافه عن محلّ الابتلاء وغير ذلك ، وممّن صرّح بذلك الحاج آقا حسين القمّي (قدس سره) في حاشية العروة .
مستند القول الرابع
ومستندهم في ذلك : الجمع بين طوائف من الادلّة :
إحداها : ما سبق ممّا دلّ على عدم جواز العدول .
ثانيتها : ما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ في مسألة تقليد الاعلم في المسألة الثانية عشرة ـ ممّا استدلّ به على وجوب تقليد الاعلم .
ثالثتها : ما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ في تقليد المجتهدين المتساويين ـ ممّا استدلّ به على وجوب الاحتياط عند تخالفهما في الفتوى .
أقول : لكنّك عرفت ـ وستعرف أيضاً ـ إنّ ذلك كلّه مبني على الاحتياط غير اللازم ، والله العالم .
تصريح المحقّق العراقي
وأمّا المحقّق العراقي (قدس سره) في حاشية العروة : فقد صرّح بجواز العدول في صورتين :
1 ـ كون المعدول إليه أعلم .
2 ـ أو متساوياً .
ولم يجوّزه في غيرهما .
ووافقه في الصورة الثانية فقط : المحقّق الاصفهاني في وسيلته ، وقد سبق : أنّه في الصورة الاُولى ـ وهي أعلمية المعدول إليه ـ يوجب العدول ، لا أنّه يجوّزه ، ومستندهما في ذلك ظاهر ممّا ذكرنا ، ولا يحتاج إلى بيان .
الشيخ زين العابدين وتصريحه
ثمّ إنّ مقتضى ما ذكر من الادلّة : أنّ من يجوّز العدول ـ في الصورة التي يجوّزها ـ يجوّزه حتّى عمّن لا يجوّز العدول ، وإلى من لا يجوّز العدول وإنّ من لا يجوّز العدول ، لا يجوّزه حتّى عمّن يجوّز العدول ، وإلى من يجوّز العدول ـ كما هو واضح ـ وقد صرّح بذلك الشيخ زين العابدين المازندراني في رسالته المسمّاة بذخيرة المعاد .
ثمّ إنّ من مطاوي ما ذكرنا بالتفصيل ، يظهر حكم العدول من الاعلم إلى غير الاعلم ، فلا نعيد ، فالادلّة هي هي ، والنقوض هي هي ، ولكن مع تفاوت لا يخفى على المتأمّل ، وخلاصته : أنّه مع مبنيين يصحّ ، وإلاّ فلا :
أحدهما : عدم وجوب تقليد الاعلم .
ثانيهما : جواز العدول مطلقاً ، وهو واضح .
القول الخامس
وجوب العمل بالاحتياط للعلم الاجمالي
الخامس : وجوب العمل بالاحتياط مع اختلافهما في الفتوى للعلم الاجمالي بعدم خروج الحجّة عنهما ، والشك في تعيّن أيّ منهما للحجّية ، وذلك عند الشكّ في تقدّم أيٍّ منهما .
وفيه ـ مضافاً إلى ما تقدّم ـ أنّه مع احتمال التخيير يدور الامر بين الاقلّ والاكثر ، والاقلّ هو التخيير ، والاكثر هو التعيين لكونه قيداً زائداً ، فتأمّل .
القول السادس
التفصيل بين إحراز المطابقة وعدمه
السادس : التفصيل بين إحراز مطابقة فتوى الحي المفضول مع فتوى الافضل ـ من الاموات ـ من الاعلم الحي ، فلا يجوز العدول إلى الاعلم وبين غيره ، فعلى المباني الانفة ، وقد صرّح بهذا التفصيل السيد احمد الخونساري في حاشية العروة .
ولعلّ وجهه : أنّ مقتضى طريقية التقليد ، ووجوب تقليد الاعلم ، ذلك .
وفيه : أنّه يختلف الامر في وجوب تقليد الاعلم على المباني : من بناء العقلاء أو أصل التعيين على ما تقدّم .
تتمة
إذا كان المعدول عنه أوثق ، والمعدول إليه أعلم ، أو العكس ، أو كان أحدهما أعدل والاخر أعلم ، فإن أحرز بناء من العقلاء على شيء من الاطراف ـ على ما ادّعي في بعض هذه الفروض ـ فهو الملاك ، وإلاّ فإن تعارضا كان المرجع الاشتغال ، فيجب الاحتياط على وجوبه في أطراف العلم الاجمالي مطلقاً ، اللهمّ إلاّ على ما تقدّم منّا تبعاً للمشهور من عدم تنجّزه في رجوع الجاهل إلى العالم ، والتخيير فيه والله هو العالم .
(1) التنقيح : ج1 ، ص125 .
(2) مصباح الاُصول : ج2 ، ص350 .
(3) التنقيح : ج1 ، ص124 .
(4) الوسائل : الباب11 ، من أبواب صفات القاضي ، ح6 .
(5) الوسائل : الباب10 ، من أبواب صفات القاضي : ح20 .
(6) نهاية الافكار : ج4 ، ص213 .
(7) كفاية الاُصول : ص248 ، طبعة آل البيت (عليهم السلام) .
(8) الوسائل : الباب10 من أبواب صفات القاضي ، ح20 .
(9) كفاية الاُصول : ص248 ، ط : آل البيت (عليهم السلام) ـ قم .
(10) فرائد الاُصول : ج1 ، ص605 .
(11) كفاية الاُصول : ص450 طبعة آل البيت (عليهم السلام) .
(12) أُنظر شتّى كتب الفقه والاُصول : ومنها مصباح الاُصول ، قال : « لا ينبغي الريب في جواز التقليد للعامي في الاحكام الشرعية العملية ، وتدلّ عليه السيرة العقلائية ... وهذا كاف في إثبات الحكم ... » : ج3 ، ص448 .
(13) كشف الغطاء : ج1 ، ص42 و43 (طبعة حجرية) . وفي تقرير بحث شريف العلماء المخطوط ص317 ، قال : « ويظهر من المشهور جواز الرجوع إلى الاعلم ، بل من بعضهم يظهر وجوب الرجوع إليه ، ولكن التحقيق عدم الجواز » .
(14) تقرير بحث شريف العلماء : ص317 (مخطوط) .
(15) كشف الغطاء : ص43 ، طبعة حجرية .
(16) تقرير بحث شريف العلماء (قدس سره) : ص317 (مخطوط) .
(17) تقرير بحث شريف العلماء (قدس سره) : ص317 ـ مخطوط .
(18) أُنظر إطلاق عبارة : « مجمع الرسائل » المنسوب لصاحب الجواهر ، مع عدم تعليق أمثال الشيخ الانصاري ، والشيرازيين ، والمحقّقين : الخراساني والنائيني والحائري والعراقي (قدس سرهم) نعم علّق صاحب العروة (قدس سره)هناك بأن لا يكون عدولاً إلى القطع « مجمع الرسائل » المسألة23 ، ص15 ، وانظر العروة : م53 التقليد .
(19) سيأتي تفصيل بحث المسألة عند تعرّض الماتن لها في المسألة الثالثة والخمسين ، إن شاء الله تعالى .
(20) التنقيح : ج1 ، ص93 و103 .
(21) التنقيح : ج1 ، ص104 .
(22) مخطوط : الورقة 15 / أ .
(23) كشف الغطاء : ص43 ، طبعة حجرية .
(24) تقرير بحث شريف العلماء : ص317 (مخطوط) .
(25) المستمسك : ج1 ، ص25 .
(26) المستمسك : ج1 ، ص25 .
(27) موسوعة الفقه : ج1 ، ص116 .
(28) شرح كشف الغطاء : المخطوط ، ص45 .