الفهرس

المؤلفات

اصول الفقه

الصفحة الرئيسية

 

المسألة (6) : في الضروريات لا حاجة إلى التقليد، كوجوب الصلاة والصوم ونحوهما ... .

هل الضروريات بحاجة إلى تقليد ؟

المسألة (6) : في الضروريات لا حاجة إلى التقليد كما لا حاجة إلى الاجتهاد المصطلح فيها كوجوب الصلاة والصوم ونحوهما ... .
لانّ التقليد ليس أكثر من أمارة جعلها الشارع حجّة ، وجعل الحجّية لا تكون إلاّ في ظرف الشك ، أو مع أخذ الشك موضوعاً ـ على تفصيل بين الاُصول والامارات على القول المشهور ـ ومعلوم أنّ مع كون حكم ضروريّاً لا يكون مورداً لجعل التقليد ، فيكون خروج الضروريات عن أدلّة التقليد ، بالتخصّص لا بالتخصيص ، ولذا لم يقل المصنّف : لا يجب التقليد ، وإنّما قال : « لا حاجة إلى التقليد » .
والاشكال موضوعاً في كون الصلاة والصوم من الضروريّات ، وذلك لذهاب بعض المتصوّفة من المسلمين إلى عدم وجوبهما عليهم ، مستدلّين بقوله تعالى : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)(1) بتفسيره باليقين الكشفي الحاصل لهم بزعمهم ، في غير محلّه ، بعد خروج أمثالهم عن ربقة المسلمين ، وإن تسمّوا باسمهم ، كما حقّق في محلّه من باب نجاسة الكافر .

أمثلة الضروريات

وما ذكره الماتن فهو مثال للواجبات الضرورية الشرعية .
ومثال الواجب الضروري العقلي : وجوب العدل ، وشكر المنعم بنعمة عظيمة .
وقد يُمثّل للحرام الضروري العقلي : بالظلم ، والقتل العدواني ، وكفران النعمة العظيمة ، والايذاء ونحوها .
وللحرام الضروري الشرعي : بشرب الخمر ، والزنا ، واللواط ، ونحوها .
وللمستحبّ الضروري العقلي : بالاحسان ، والصدق ، والصبر ، والنظافة ، ونحوها .
وللشرعي منه : باستحباب مطلق الصوم ، والاعتكاف ، ونحوهما .
وللمكروه الضروري العقلي : بالوساخة ، وترك الاعتناء بالناس .
وللشرعي منه : بالنوم بين الطلوعين ، والاكل على الشبع ، ونحوهما .
وللمباح الضروري العقلي : بشرب ماء الفرات ودجلة ونحوهما .
وللشرعي منه : بالصوم مع بعض الاضرار اليسيرة ، أو الوضوء ، والغسل بالماء البارد مع الضرر اليسير ونحو ذلك ، ويدخل في ذلك أيضاً الضرورات العقلائية الممضاة شرعاً .
وفي مثل ذلك كلّه ، لا حاجة للتقليد ولا الاجتهاد ، بل لا معنى لهما ، لانّ

... وكذا في اليقينيّات إذا حصل له اليقين ... .

كونها ضروريّة مع عدم احتمال الخلاف هي الحجّة عقلاً .

الضروريّات وكلام العلاّمة

قال العلاّمة في جواب مسائل السيّد مهنّا بن سنان فيما حكاه المحقّق القمي (قدس سره) عنه(2): « إنّ كل حكم شرعي فرعي لا يعلم ثبوته من الدين ضرورة ، فإنّه يجب فيه الاجتهاد على المجتهد ، أو التقليد على المقلّد » فقيّد العلاّمة (قدس سره)وجوب الاجتهاد والتقليد بما لا يعلم ثبوته من الدين ضرورة .
ولا فرق في ما لا حاجة إلى التقليد فيه من الضروريات بين كونه من الضروريّات الاولية الّتي يعرفها الكل بلا استثناء ، وبين الضروريات الثانوية الّتي تحتاج معرفة كونها ضروريات إلى نوع من البحث والفحص ، كوجوب العدة ـ مثلاً ـ فما دام ثبت ضروريته ـ ولو بالفحص ـ خرج عن دائرة وجوب التقليد والاجتهاد .
كما لا فرق أيضاً بين ضروريات الاسلام ، وضروريات المذهب ، وضروريات الفقه ، فالمجتهد الفقيه أيضاً لا يجب عليه الاجتهاد في ضروريات الفقه ، ككون نصب الزكاة في الابل اثني عشر ، وكون وظيفة النائي حج التمتّع ، ونحو ذلك ، والله العالم .

اليقينيات كالضروريات

وكذا لا حاجة إلى التقليد والاجتهاد في اليقينيات إذا حصل له اليقين أي : الاحكام الّتي حصل للمكلّف اليقين ـ بمعنى انكشاف الواقع ـ فيها ، فإنّها أيضاً لا تشملها أدلّة التقليد والاجتهاد ، وتكون خارجة بالتخصّص لا بالتخصيص ، بنفس الدليل .
والفرق بين الضروريات ، واليقينيّات ـ كما قيل ـ إنّ الضروريات : هي الّتي لم يختلف فيها اثنان ، فإن كان ممّا لم يختلف فيها اثنان من المسلمين سمّيت ضروريات الدين أو ضروريات الاسلام ، كوجوب الصلاة والصوم ، وكون صلاة الظهر في الحضر أربع ركعات ، وصلاة الصبح ركعتان ونحو ذلك .
وإن كان ممّا لم يختلف فيها اثنان من الشيعة سمّيت : ضروريات المذهب ، أو ضروريات الشيعة ، مثل وجوب القصر في السفر ونحو ذلك .
واليقينيّات : هي الاحكام الّتي حصل للانسان اليقين بها ، سواء كانت ممّا لم يختلف فيها اثنان من المسلمين ، أم من الشيعة ، أم كان مثار الخلاف ، كصلاة الجمعة عند بعض ، وصلاة الظهر في يوم الجمعة عند آخرين .

النسبة بين الضروريات واليقينيّات

ولذا قيل بين الضروريات واليقينيّات ، عموم مطلق ، فاليقينيّات أعمّ مطلقاً ، والضروريات : أخصّ مطلقاً ، فكلّ ضروري يقيني ولا كلّ يقيني ضروري وإن كان قد يخدش ذلك ـ بالذهاب إلى أنّ بينهما عموماً من وجه ـ بأنّ الضروري قد لا يكون يقينياً ، كبعض الضروريات الّتي لا يعلم بها بعض العوام علماً يقينياً ، مثل وجوب العدّة ، وكون عدّة الوفاة أربعة أشهر وعشراً في ضروريات الاسلام ، ومثل الامامة ، ورجعة الائمّة الاثني عشر (عليهم السلام) كلّهم في ضروريات المذهب .
ولعلّه ليس هذا القول بالبعيد ، وإن كان الاوّل بالذهن آنس ، بعد عدم وجود دليل محكم على الفرق ، والامر سهل بعد كونهما إصطلاحين طارئين ،

... وفي غيرهما يجب التقليد ... .

والمعوّل على مقدار دلالة الادلّة .
نعم في اليقينيّات لا يكفي مجرّد كونه يقينيّاً ، حجّة على من ليست عنده بيقينيّة كمن لا يعلم يقيناً وعلماً قطعياً بوجوب العدّة ، أو برجعة كلّ الائمّة الاثني عشر (عليهم السلام) ولذا قيّده المصنّف بقوله : « إذا حصل له اليقين » القطعي ، وإلاّ فاللازم عليه الاجتهاد أو التقليد .
ثم إنّ ما انتقد به بعض المعاصرين صاحب العروة : من أنّ التعبير باليقينيّات في قبال الضروريات مسامحة منه ، لانّ ذلك يدلّ على أنّ في الشرع أحكاماً خاصّة يقينيّة ، كما فيها أحكام خاصّة ضرورية ، ليس كما ينبغي ، فإنّه ـ مضافاً إلى عدم ظهور ذلك من العبارة ـ أنّ الضروريات أيضاً بعضها نسبية وليست كلّها ضرورية عند الكل ، ولذا وقع الخلاف في بعض الاحكام بين الاساطين ـ بل غيرهم ـ في أنّها ضرورية أم لا ؟ والامر سهل ، وسيأتي في شرح المسألة التاسعة والعشرين ما ينفع المقام أيضاً إن شاء الله تعالى .

ما هو التكليف في غير اليقينيّات والضروريات ؟

وفي غيرهما في غير الضروريات واليقينيات من الاحكام الشرعية ، أي : في المظنونات ، والمشكوكات ، والموهومات يجب التقليد كتاباً ، كآيتي : النفر ، والسؤال ، وغيرهما .
وسنّة متواترة على الظاهر .
وسيرة عقلائيّة .
وسيرة متشرعية متصلة ، بزمان المعصومين (عليهم السلام) قطعاً .
وعقلاً : لتحصيل المؤمّن .

... إن لم يكن مجتهداً إذا لم يمكن الاحتياط ، وإن أمكن تخيّر بينه وبين التقليد .

وللفطرة المستقيمة الداعية إلى رجوع الجاهل إلى العالم ، وقد مرّ البحث عنها مفصّلاً عند شرح المسألة الاُولى إن لم يكن المكلّف مجتهداً فإن كان مجتهداً عمل باجتهاده .
هذا إذا لم يمكن الاحتياط ، وإن أمكن الاحتياط تخيّر المكلّف بينه وبين التقليد أي : بين الاحتياط وبين التقليد ، وذلك لانّه ـ مع عدم العلم ـ يجب عقلاً على المكلّف تحصيل المؤمّن عن العقاب ، وليس ذاك إلاّ في التقليد ، أو في الاجتهاد ، أو في الاحتياط ، على ما مرّت تفاصيل أدلّتها .
(1) الحجر : 99 .
(2) جامع الشتات : ص548 (الطبعة الحجرية) .