بيان صادر بمناسبة هدم قبور البقيع




بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين 

سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين

قال تبارك وتعالى في محكم كتابه الكريم: ( ذلِكَ وَمن يعظّم شعائَر الله فإنّها من تقوى القلوب) وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: (( إني تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروني كيف تخلفوني فيهما ))

تمر علينا هذه الأيام ذكرى مؤلمة لقلوب المؤمنين، هي ذكرى هدم قبور أئمة أهل البيت عليهم السلام وعدد من الأصحاب الإجلاء وعمات النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم وزوجاته وإزالة العشرات من آثار النبوة في البقيع الغرقد، وهو يوم جرح مشاعر الملايين من محبي أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، وهو عمل لا ينبغي أن يقع في تلك البقعتين الطاهرتين ( مكة المكرمة والمدينة المنورة ) إذْ هما من أفضل بقاع الأرض، وهما مشرق الإسلام ومهبط الوحي ومبعث الاخوة الإسلامية، وفيهما تراث النبوة، وغير ذلك مما يبعث على احترام تلكم الآثار الشريفة وتقديسها من قبل جميع المسلمين.

ثم ألا يعدّ مثل هذا الإجراء تضييعاً للتراث الإسلامي والتاريخي الذي يحمل دلالات للبشرية ومقومات للهداية، في وقت نلحظ الدنيا بأجمعها تحتفظ بالآثار بكل أنواعها بل وحتى الغريب المستغرب منها، إذ إن العقل والعرف ـ فضلاً عن الشرع ـ يرشدان إلى ضرورة حفظها وصيانتها. ومن هنا حفظ عقلاء العالم أهرام مصر مع ما فيها من آثار فرعونية. وحفظوا موضع عبور موسى عليه السلام البحر، ومحل إحراق إبراهيم عليه السلام ومسجد أصحاب الكهف، وغار حراء، وغار ثور، وغيرها مما لا حصر له من الآثار. فكيف إذا كانت من أثار الصالحين وخصوصا النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام والأصحاب الأجلاء، وكذا بالنسبة للمؤمنات الصالحات ؟!

هذا بالإضافة لما لتلك الأماكن من أبعاد معنوية عظيمة، حيث جاء في الذكر الحكيم : ( فقبضت قبضة من أثر الرسول ) ثم إذا كان لريح ثوب يوسف عليه السلام وقميصه ذلك الأثر في عودة أبيه عليه السلام بصيراً، فكيف لا يكون للأماكن المقدسة في المدينة المنورة من آثار وبركات عظيمة،وهي تضم الأجساد الطاهرة لعدد من الأئمة عليهم السلام وأولاد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟

وإلى ذلك فإن من الثابت تاريخياً أن الدفن في جنة البقيع قد أبتدىء به منذ زمان النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم، وأحياناً كان الرسول المصطفى صلى الله عليه واله وسلم يعلّم بنفسه على القبور بعلائم، ثم بنيت قباب وأضرحة على جملة من قبور المؤمنين بأمر من العلماء كما كان البناء على قبور الأولياء معتاداً منذ ذلك الزمن، فكانت عشرات منها في المدينة المنورة ومكة وحولهما، وقد لقيت هذه الظاهرة الشرعية حفاوة وترحيباً من لدن جميع المسلمين، لا في المدينتين وأطرافهما فحسب، بل في سائر بلاد الإسلام كباكستان وبنغلادش والعراق وإيران ومصر وسوريا وإندونيسيا وغيرها، إلى أن جرى هدم أكثرها في الحجاز في 8 شوال من عام 1344 هـ، وهو إجراء أقل ما فيه أنه موهن لعرى الأخوة الإسلامية، ومؤد إلى الفرقة بين المسلمين، في حين قال تبارك وتعالى: ( إنّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون )، كما إن هذا الأمر مخالف لسيرة جميع الأنبياء والمرسلين والأئمة الصالحين عليهم السلام، وهي سيرة ملاكها مكارم الأخلاق والمجادلة بالتي هي أحسن، إذ قال عزّ من قائل : ( أدع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ).

إن الدين الإسلامي يرتكز على مجموعة مبادئ من أهمها حرية العقيدة والرأي حيث (لا إكراه في الدين)، كما ان أسس الحضارة في عالم اليوم قائمة على مبادئ حقوق الإنسان التي تعتبر حرية العقيدة من الحقوق الأساسية، وهذا يؤيد حق المسلمين في ممارسة الشعائر الدينية وأن تكون لأئمتهم قبور وأضرحة يسمح لهم بزيارتها وقتما شاءوا، خاصة وإنه قد ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم قوله المعروف: (( زوروهم وسلمّوا عليهم )).

هذا وندعو علماء الأمة ومفكريها وأهل الحل والعقد بأن يعقدوا المؤتمرات لمداولة الرأي بهذا الشأن ومناقشة سبل إعادة بناء قبور الأئمة في البقيع الغرقد.

سبحانك ربّ العزّة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وأله الطاهرين.