بيان صادر بمناسبة الذكرى السنوية الحادي والعشرين لإستشهاد المفكر آية الله السيد حسن الشيرازي رضوان الله عليه




بسم الله الرحمن الرحيم

(ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم)

إنها ذكرى سنوية نحتفل بها لنتذكر مقام الشهيد وعمله وعطاءه والهدف الذي استشهد من أجله، حيث تسمو روحه بذكراه فتفرض حقائق وأسسا قد ينساها من أضنته الأيام أتعبته السنون. لابد أن نتذكر الشهيد في كل عام حتى نسترجع تلك المبادئ العظيمة التي جاهد من أجلها في ظروف صعبة كانت تتمزق فيها السواعد وتستسلم الأجساد، ولكن قلب المؤمن أصلد من الجبل. نحن نحتاج لمثل هذه الذكرى لأنها ترفدنا بعطاءات إيمانية تبقينا متمسكين بتلك الأسس وثابتين على ديننا ومبادئنا في عالم منفلت جرفته الماديات وغزاه الانحراف.

لقد قاوم الشهيد الاستسلام وتمنّع بأصالة الإسلام وقوة الدين ليواجه تلك الموجات الثقافية والفكرية الغازية التي اجتاحت الشباب فجاهد بقلمه وروحه وكلماته وقاوم روح الانهزامية والاستسلام التي تنتاب الأمم عندما تشعر بالضعف والهوان. وفي أيامنا فإن روح الاستسلام والذوبان في الثقافات الأخرى قد بدأ يشكل تحدياً خطيراً للأمة يمكن أن تخسر فيه استقلالها ومبادئها وشبابها في ظل الارتماء المحموم لمعلبات الغرب. ولكن التمسك الموضوعي العقلاني بأصالتنا والثقة بقوة مبادئنا وقدرتها على معايشة العصر يرشدنا إلى قوتنا الحقيقية وهذا ما تثيره فينا روح الذكرى.

إن التفكير الملح في مصلحة الأمة والدين هو الذي عمق فكر الشهيد وطور حركته التكاملية نحو الشهادة، لأنه كان يدرك أن الأمة لا تستعيد قوتها ووحدتها إلا برجال يتفانون في سبيل الله ويتخلون عن أحلامهم الشخصية وحياتهم العادية، لذلك تخلى الشهيد عن حياته كلها وذاب في مصلحة الأمة الإسلامية وأهدافها من أجل صنع مستقبل جديد يستوعب أجيال الأمة بثقة وإيمان. فالخطر يحدق بالأمة عندما يتخلى رجالها عن أهدافها ويغرقون في مصالحهم الخاصة وحياتهم الشخصية.

إن ما يجب أن نتذكره هو أن هموم الأمة يجب أن تكون فوق كل الهموم الأخرى التي يمكن أن تستنزف همم الرجال في قضايا هامشية بعيدة عن الواقع المأساوي الذي نعيشه. إذ لابد أن يكون العمل الحقيقي في سبيل إنقاذ الأمة من الظلم والاستبداد، لذلك كبرت هموم الشهيد وارتحلت معه إلى أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان وأفريقيا حتى اصبح كل العالم قضية تعيش في قلبه. وعندما تكون همومنا حقيقية تتحول المسؤولية إلى رسالة حركة وعمل ووعي لاستعادة روحنا التي ضاعت بين متاهات التاريخ الحديث، فتحمل المسؤولية وأداء الرسالة هو الذي يبعث في أمتنا الحياة من جديد مهما كان الثمن كبيراً، وهكذا يصنع الرجال التاريخ وترتقي الأمم، إذ كان هم الشهيد الأمة والإنسانية بآفاقها وحدودها الواسعة، لذلك يبقى حيا كما قال سبحانه : (ولاتقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون).

لقد كان الشهيد أقوى من الحصار واشد من ينهار تحت الضغوط لانه كان يتميز بعقل واسع ورؤية ثاقبة لم تتحدد بالزمان والمكان وهي رؤية يتكامل عبرها المؤمنون ليتجاوزوا الحصار المادي والضغط النفسي عبر قوة الأفكار ووعي الكلمات التي تمثل تحدياً حقيقيا عندما يكافحون لتجسيدها لأن هذه الكلمات كما كان يعي الشهيد ذلك تمثل بلسم الأمة الشافي لآلامها، فالحرية ووحدة الأمة وحقوق الإنسان وهموم الفقراء وعقائدنا الدينية هي الكلمات التي يذكرنا بها الشهيد دائماً للاستمرار على الخطى.

(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)