المهرجان التأبيني للذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد

آية الله السيد حسن الشيرازي رضوان الله عليه

أقامت الحوزة العلمية الزينبية مهرجانها التأبيني السنوي بمناسبة الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد المفكر الإسلامي الكبير آية الله السيد حسن الشيرازي، وقد تميز الحضور لهذه السنة عن السنوات السابقة حيث حضر عدد من مسؤولي الدولة في الجمهورية العربية السورية فيما أناب مسؤولون كبار موفدين عنهم للمهرجان.

ابتدأ المهرجان التأبيني للشهيد السعيد حسن الشيرازي في الحوزة الزينبية الذي قدّم له عريف الحفل الأستاذ رسول الفراتي بتلاوة آيات من الذكر الحكيم تلاها سماحة الشيخ عباس النوري.

ثم ألقى سماحة السيد جعفر الشيرازي ممثلاً لأسرة الشيرازي ـ الأسرة الكريمة التي ينتمي إليها الشهيد الإمام السيد حسن الشيرازي ـ في ذكرى شهادته الحادية والعشرين. مبتدءاً بالآية الكريمة (والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم). ثم ذكر جملة من أعمال الشهيد السعيد وهي:

1 ـ تأسيسه للحوزة العلمية الزينبية وفروعها في العالم العربي والإسلامي والدولي.

2 ـ دوره الريادي في توعية شباب الأمة الإسلامية في أشد فترات التخلف الثقافي التي عاشتها الأمة الإسلامية بعيدةً عن ركب الإسلام، وذلك استجابةً لدعوة الرسول الأعظم (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته)، وباعتباره سائراً في نهج الأئمة (عليهم السلام) الذين هم الثقل الثاني مع القرآن.

3 ـ استفادته من اختيارات العصر الحديثة وعدم توقفه عند الماضي وحدوده الضيقة، كل ذلك على أساس متين من الشرع والعقل، لكي لا يعطي مجالاً للناقدين الحانقين والمستهزئين أن يوقفوا مسيرته المعطاءة مستلهماً في ذلك صمود الأنبياء والأولياء أمام جبهة الكفر والضلال فيما يقصه القرآن (يا حسرةً على العباد ما يأتيهم من رسولٍ إلاّ كانوا به يستهزئون...).

4 ـ قيام المحاولة الانقلابية العسكرية في بغداد نتيجةً للجهود التي بذلها الشهيد في تعرية نظام الحكم المستبد في ذلك الوقت ونشره لمبادئ الإسلام الخلاّقة التي ظهر تأثيرها في الساحة العراقية في كل مستويات الناس وطبقات المجتمع.

5 ـ قيامه بتوحيد صفوف المسلمين بعد أن رأى محاولات الاستعمار الخبيثة تفرق صفوفهم وتبث عناصر التمييز الطائفي في كل مجالات الحياة.

6 ـ تركيزه على الأدب الإسلامي والعربي وكلام سيد الرسل وأهل البيت (عليهم السلام) وخاصة في مجال الشعر والخطابة، واختياره الإقامة في لبنان بلد الشعر والأدب.

7 ـ عدم اعتباره للغة أو اللون أو العِرق أو القومية حاجزاً يصدّ المسلمين عن التعايش السلمي وعن الحوار وتلاقح الأفكار، وذلك لكثرة القواسم المشتركة التي تؤلف قلوبهم وتجمع شملهم أمام وحدة الهدف والعدو الواحد والآمال والآلام.

ثم أعاد سماحة السيد جعفر الشيرازي إلى الأذهان مشروع تأسيس الحوزة العلمية الزينبية وأنه كان من المستحيلات أمام التحديات الكبيرة من أعداء أهل البيت (عليهم السلام) ولكن صبر الشهيد وطول باعه في معرفة أساليب الحياة والأسباب والمسبّبات مكّنه من تحقيق ذلك الهدف الذي كان شجرةً طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها... حتى يومنا هذا.

8 ـ وأخيراً وليس آخراً فقد كان الشهيد الراحل زاهداً في الدنيا معرضاً عن دار الغرور مخلِداً إلى دار القرار كل ذلك تعفّفاً عن الحرام والشبهات ومواساةً لفقراء المؤمنين المجاهدين، مع قدرته على الحلال وانفتاح أبواب الدنيا له، فأرادته ولكنه لم يردها.

ثم ألقى عريف الحفل أبياتاً شعرية كتبت بيد الشهيد وكانت عصارة فكره ودمه يستنهض فيها شباب الإسلام ضد طغاة العصر وأسيادهم المستعمرين... فويلٌ للعراق فليله لا ينقضي حتى تقوم حكومة الإسلام... ثم ألقى الشيخ الدكتور إحسان البعذراني كلمة حول الشهيد، جاء فيها:

إن الشهيد عالِم من الأعلام في عالم العرب والمسلمين، وإن ما نحن فيه من وعي إسلامي إنما هو ثمرة للجهود الجبارة التي بذلها الشهيد (قدس سره) وكان آخرها هي شهادته في سبيل الله والمستضعفين في الأرض، والتي كانت استجابةً له من قبل ربّه، والتي كانت تعبيراً صادقاً لاستهانة الشهيد بالموت الذي يأتي على كل الناس وليسوا سواء، فالمؤمن لا يفر من مصاعب الحياة ولا يخشى الموت ولكنه يطلب الشهادة لأنها موتٌ في طاعة الله. وكل ما جاء به الشهيد كان مصداقاً حياً ومتحركاً لوصايا سيد الأولياء علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه، ورضي الله عنه، وعليه السلام) حيث قال في خطبة له يوصي به جنده (تدِ في الأرض قدمك، وعض على نواجذك فإنه ابنى للسيوف على الهام، وارم ببصرك آخر القوم، وأعر لله جمجمتك واعلم أن النصر من عند الله) فكان يقين الشهيد بهذه الكلمات يقيناً راسخاً لذلك نصره الله في الحياة والممات فكان موته وشهادته نصراً له وللإسلام وليست خسارة.

وذكر عريف الحفل أنه كان مقرراً حضور المفتي الشيخ عبد الأمير قبلان الذي اعتذر عن الحضور لأسباب طارئة فيما حضر الاحتفال السيد العميد محمد خير الصالح مندوباً عن سيادة اللواء علي الحوري رئيس الاستخبارات العامة في الجمهورية العربية السورية.

ثم عرّج عريف الحفل على أبيات شعرية من نظم الشهيد تخص القضية الفلسطينية التي كانت شغله الشاغل، فلم تمنعه الحدود الجغرافية الوهمية المصطنعة ـ من قبل المستعمرين ـ بين الدول الإسلامية عن الخوض فيما يخص كل المسلمين، من العراق الجريح إلى فلسطين المغتصبة.

ثم ألقى الشاعر حسين النصراوي أبياتاً شعرية عبّر فيها عن الشهيد ورحلته في الحياة منذ نعومة أظفاره تحت نظر وسمع أمه حتى شهادته مستلهماً ذلك من واقعة الطف وما جرى فيها لأهل البيت شيوخاً وأطفالاً ونقل صورة معبرة تربط الماضي بالحاضر.

وأخيراً كان صوت المنبر الحسيني للخطيب الشيخ عبد الرضا معاش، الذي أكد في بداية ارتقائه المنبر أن كل ما لدينا من وعي وثقافة وعلماء عاملين وشهداء مضحين كان ثمرة طيبة من شجرة طيبة رائدها سيد الشهداء أبو عبد الله الحسين (عليه السلام. وابتدأ خطابه الكريم بالآية المباركة (الذين يبلغون رسالات الله...)، وذكر أن هناك ركيزتين في الحياة:

1 ـ المبدأ.

2 ـ تعامل المؤمن مع الحياة، فالمؤمن المجاهد الحق هو الذي يسير في الحياة في كل منعطفاتها صغيرةً وكبيرةً ضمن ذلك المبدأ لا يخرج عنه قيد أنملة فلا المصلحة الشخصية ولا الخلود إلى الراحة والدعة تكون بديلاً عن رضا الله وخدمة الإسلام ومصلحته العليا، فالمؤمن في كل حركاته وسكناته العبادية وغير العبادية يكون مبدئياً كما كان سيده ومولاه أمير المؤمنين (عليه السلام) في تعامله مع رب الأرباب حين يصف ذلك في مناجاته مع الله في خلواته في الليل إذا غارت النجوم وهجعت العيون (ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ولكني رأيتك أهلاً للعبادة فعبدتك).

والذي خلّد ذكرى الشهيد طوال عقدين من الزمن هي مبدأيته في حين أن كثيراً من أقرانه ومعاصريه خلدوا إلى الشهرة والجاه وملكوا الأموال ثم ماتوا وماتت أسماؤهم معهم.

ثم ذكر مجموعة من كتب الشهيد فقال : لقد طالعت عشرين تفسيراً من العامة والخاصة ـ من الشيعة والسنة ـ فلم أرَ أفضل مما كتبه الشهيد حول القرآن وتفسيره في كتابه (خواطري في القرآن) فقد حاز قصب السبق فيما كتب في ذلك.

وذكر أن الشهيد لم يفرغ حتى للزواج حرصاً على وقته، الذي بذله في خدمة الإسلام والمسلمين.

وذكر كتاب آخر للشهيد حول (الشعائر الحسينية) ففضح فيه كل من يحاول تشويه الحالة الحسينية في مواجهتها للطواغيت وكل من تسول له نفسه النيل من هذه الشعائر الإسلامية.

وكتب عن (البكاء على الحسين عليه السلام) الذين هو ثورة عاطفية تشد أزر الثورة الثقافية والسياسية في مقابلة التخلف الفكري والتحجّر العاطفي، ولأن صوت المنبر الحسيني والمآتم والمجالس الحسينية صوت للحسين (عليه السلام) وصوت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو صوت الحق والعدل في أرجاء العالم أجمع.

ثم أنهى الشيخ عبد الرضا معاش المجلس بعزاء حسيني مجلّل هزّ فيه عواطف ودموع الحاضرين.

وقدمت في نهاية فقرات المهرجان التأبيني وجبة طعام العشاء في القاعة الكبيرة للحسينية وقاعة أخرى للضيوف الرسميين في الطابق العلوي للحسينية.