
|
سماحة آية الله السيد محمد رضا الشيرازي (حفظه الله) يلقي محاضرة أخلاقية بدارة الإمام الشيرازي (قدس سره) عن الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه) |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
في سلسلة المحاضرات التي دأب سماحة آية الله السيد رضا الشيرازي (حفظه الله) تعالى بدارة الإمام الشيرازي (قدس سره)، ألقى سماحته محاضرة أخلاقية قيمة، وذلك في الحوزة العلمية النسائية الخاصة بدار الإمام الشيرازي (أعلى الله مقامه). وتناول سماحته قضية الإيمان بالمهدي المنتظر (عليه السلام) باعتبارها من القضايا المحورية في باب (الإمامة)، حيث تطرق إلى المراحل التي يجب أن يطويها المؤمن للإيمان بوجوده وإلى الطرق التي تؤدي إلى إثبات وجود الإمام الحجة وبقاءه. |
|
ثم عرّج سماحة آية الله السيد رضا الشيرازي إلى محطات مختصرة ترتبط بتشرف الإمام الشيرازي (قدس سره الشريف) بلقاء الإمام المهدي (عليه السلام) حيث حث سماحته المؤمنين على السعي للوصول إلى هذا المقام الشريف أو على الأقل أن يكونوا في رعاية الإمام (عجل الله فرجه). نص المحاضرة: الإيمان بالمهدي المنتظر (عليه السلام) إحدى القضايا المحورية في باب (الإمامة) مسألة الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه) وإن الإيمان بهذه القضية يعني الإيمان بجميع الأئمة (عليهم السلام)، ولكن قد يؤمن الإنسان بإمامة سائر الأئمة (عليه السلام) ولا يؤمن بالمهدي المنتظر (عليه السلام). وهناك أربع مراحل يجب أن نطويها للإيمان بوجود المهدي (عليه السلام): المرحلة الأولى: مرحلة الإمكان الذاتي. المرحلة الثانية: مرحلة الإمكان الواقعي. المرحلة الثالثة: مرحلة الوقوع العام المرحلة الرابعة: وفيها بحثان: الأول: الطريق غير المباشر الثاني: الطريق المباشر. أما المرحلة الأولى والتي هي مرحلة الإمكان الذاتي أو أنها ممتنعة بالامتناع الذاتي؟ الإمكان الذاتي عبارة عن تساوي نسبة الشيء إلى الوجود والعدم بلحاظ ذاته، فإذا أخذنا ظاهرة من الظواهر وعرضناها على العقل في حد ذاتها بعيداً عن جميع العوامل الخارجية، ونسأل: هل أن هذه الظاهرة ممكنة أو ممتنعة؟ فإذا قال أنها ممتنعة في حد ذاتها فالشيء يكون ممتنعاً بالامتناع الذاتي، وإذا قال أنها ممكنة فالشيء يكون ممكنا بالإمكان الذاتي. المرحلة الثانية: الإمكان الوقوعي: الممكن الوقوعي هو الذي لا يستلزم وجوده باطلاً أو محالاً، فالنظر إلى الشيء لا يقتصر على ذاته فقط. وإنما يشمل لوازمه وملزوماته، وبما يتقدمه ويتأخر عنه، فنبحث هل إن وجود الشيء يلازم باطلاً أو محالاً؟ فإذا كان كذلك فهو محال بالإمتناع الوقوعي أما إذا لم يستلزم ذلك فالشيء ممكن بالإمكان الوقوعي. ما الذي سيقولونه أباؤنا لو قيل لهم قبل مائة عام، أنه من الممكن أن يتكلم إنسان يسكن في شرق الأرض مع إنسان آخر يسكن في غربها، بالتأكيد سيقولون هذا محال، والآن أصبح هذا (المحال) أمراً عادياً جداً. وإذا قيل لكم أن هناك مركبة فضائية نزلت على الشمس ونزل أفرادها على سطح الشمس وأخذوا يمشون على ذلك السطح اللاهب، فهل هذا محال أو ممكن، ومن الممكن للإنسان أن يصنع شيئاً يقيه من الحرارة وينزل في قلب الشمس، وليس هذا بالأمر بالمحال. وإذا عرضنا هذه المسألة على العقل، سيجيبنا بأنها ممتنعة بالامتناع الذاتي، وليست ممتنعة بالامتناع الوقوعي، لأنها لا تستلزم باطلاً ولا محالاً. فالمسألة، إننا لا نملك في الوقت الحاضر أدوات تحقيق هذا الأمر، ومن الممكن في المستقبل أن نتملك تلك الأدوات عندها لا يصبح الأمر محالاً، ونحن بعد مائة عام إذا بقينا من الأحياء سنرى عالماً جديداً مختلفاً عن العالم الذي نعيش فيه الآن. لذلك فإذا سألتم العلماء والمختصين عن مسالة نزول الإنسان في قلب الشمس، هل هو أمراً ممكناً أو محالاً؟ سيقولون بالتأكيد انه أمراً ممكناً. إذا الشيء (الآن نذكر مقياس المحال وغير المحال) كان لازمه اجتماع النقيضين أو ارتفاع النقيضين فهو محال، فالأشياء كلها إذا انتهت إلى اجتماع النقيضين أو ارتفاع النقيضين فهي محال، وإلا فلا يوجد هناك وجه لكونها محالاً، وبناءً على ذلك من الناحية العلمية إذا عرضتم مسألة الإمام المهدي (عجل الله فرجه) على العلماء والمفكرين سيقولون عنها أنها غير ممتنعة، حيث من الممكن أن يعيش الإنسان ألف عام. من الصحيح إننا لم نتوصل إلى الوسائل التي تحقق ذلك، ولكن لا يقدر أحد ما أن يقول أن هذا الأمر محال، وبنفس الوقت لا يمكن لأحد أن ينفي وقوع ذلك على الإمام المهدي (عليه السلام). فلا إشكال في أن الإنسان يعمر طويلاً ويولد له ألف ذكر من صلبه، لأنه أمر ممكن، وبناءً على ذلك فإن مسألة العمر الطويل لا هي ممتنعة بالامتناع الذاتي ولا هي ممتنعة بالامتناع الواقعي. المرحلة الثالثة: مرحلة الوقوع العام لتكوين رؤية متكاملة حول مسألة الإمام المهدي (عليه السلام) نسأل هل وقعت مثل هذه المسألة؟ وتأتينا الإجابة قاطعة وواضحة من القرآن الكريم (وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) و(بل رفعه الله إليه) فعيسى (عليه السلام) عمره الآن حوالي ألفي عام! وهنا يبرز سؤالاً: لماذا يعتبر بقاء عيسى (ع) حياً ألفي عام أمراً ممكناً ومن المحال أن يبقى الإمام المهدي (عليه السلام) حياً ألف عام؟ وعلى المشهور فإن الخضر (عليه السلام) ما زال حياً. ويخبرنا القرآن الكريم عن وقوع مثل ذلك الأمر في مكان آخر بقوله فيما يخص نوح (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً) وهذه مدة الدعوة فقط، وقبل الطوفان قد عاش نوح (عليه السلام) عمراً طويلاً، كما أن هناك آية لطيفة جاءت في قصة النبي يونس (عليه السلام) (فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) ، أي انه (عليه السلام) إذ لم يقل (أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) في تلك الظلمات، فإنه (عليه السلام ) سيبقى حياً إلى يوم القيامة وليس هو فقط، وإنما الحوت أيضاً سيبقى حياً إلى يوم القيامة (للبث في بطنه). فإذا الإمكان الذاتي متوفر، وإلإمكان الوقوعي متوفر، والوقوع العام متوفر، يظل الكلام في المرحلة الرابعة عن الوقوع الخاص، إذ يكف نثبت وجود الإمام المهدي (عليه السلام) وبقاءه؟ يوجد طريقان للوصول إلى ذلك. الطريق الأول: الطريق غير المباشر: فالحديث المعروف (الأئمة بعدي أثني عشر)، هذا الحديث ليس من متفردات الشيعة بل موجود في أصح كتب العامة، فهو موجود حتماً في صحيح البخاري، والملفت هنا أن البخاري كان قبل عهد الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، إذ إنه عاش في عهد الإمام الجواد والإمام الهادي (عليه السلام)، ولا تدخل روايته للحديث في انه انعكاس عن الواقع لأنه متقدم على ذلك الواقع، أي قبل أن يكتمل عدد الأئمة الإثني عشر (عليهم السلام)، فقد سجل البخاري وهو من علماء السنة الكبار في صحيحه هذه الرواية (كلهم من قريش)، عندها لا يمكن لأحد أن يقول أن الواقع هو الذي خلق هذه الفكرة (الإثني عشرية) فهذا الحديث متقدم على الواقع فليس الشيعة وحدهم الذين رووا الحديث، وهذا واحد من كبار علماء العامة لا يملك تفسيراً لحديث (الأئمة الإثني عشر)! حتى أن أحد علماء العامة (يمكن أن يكون ابن الجوزي) يقول: (إني أطلت التفكير في هذا الحديث فلم أعرف له معنى)، نعم، لا يوجد عندهم معنى لهذا الحديث الشريف المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) وقد روته كتب أهل السنة وأكدت عليه، ويقول لا أعرف معنى لهذا الحديث، لماذا؟ لا يوجد تفسير لهذا الحديث بحساب الاحتمالات، إلا الفكرة التي تقدمت به الشيعة من وجود الأئمة الإثني عشر (عليهم السلام)، وهذا الحديث موجود في صحيح البخاري ومسلم والترمذي وفي العشرات من مصادر السنة والشيعة، وإذا أردتم معرفة واقع الحال، فأسألوا علماء السنة: من هم هؤلاء الأئمة الإثني عشر؟ فإما أن لا يكون عندهم إجابة! أو أن كل واحد منهم يجيب بإجابة تخالف الآخرين، لذلك فإن الواقع الوحيد الذي ينطبق على هذا الحديث هو الواقع الذي تقوله الشيعة الإمامية الإثني عشرية. الطريق الثاني: هو الطريق المباشر والذي نصل إليه من أكثر من نقطة، وسنكتفي بشاهد واحد، فإذا راجعتم كتاب (المهدي في نهج البلاغة) الذي كتبه أحد العلماء المعاصرين، يذكر المؤلف في هذا الكتاب أكثر من مائة عالم من علماء السنة الذين صرحوا بولادة الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) ووجوده، وهذا الطريق المباشر لإثبات وجود الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف). وبعد هذا البحث ننتقل إلى بحث آخر مختصر نتناول فيه الذين تشرفوا بلقاء الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف)، فحينما نتفحص في حياة هؤلاء نجد أنهم كانوا على درجات ومراتب، فبعضهم رأى الإمام (عجل الله فرجه الشريف) في المنام، وبعضهم سمع صوت الإمام ولم يره الإمام، والبعض الآخر رأى الإمام ولم يتمكن من أن يتحدث معه، وبعضهم رأى الإمام وتحدث معه. ونذكر في بحثنا المختصر هذا ثلاث محطات مختصرة جداً، ترتبط بتشرف الإمام الشيرازي (قدس سره الشريف) بلقاء الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) كما ذكرها لنا الأعلام الثقات. المحطة الأولى: دأب الإمام الشيرازي (قدس سره) على الذهاب إلى مسجد السهلة أربعين ليلة أربعاء، وفي أثناء هذه الفترة كان يقوم برياضة شديدة استغرقت حوالي عاماً كاملاً، فمثلاً كان (قدس سره) يأكل الخبز والبرتقال أو الخبز والشاي، وأحياناً الخبز والملح فقط، وهذا من جهة رياضة الأكل، أما من الجهات الأخرى فقد واظب (قدس سره) على الالتزام الكامل بالمستحبات والنوافل والأعمال التي تقرب العبد إلى الله تعالى طوال هذه الفترة. وفي ليلة الأربعاء الأخيرة (ظاهراً أن الناقل لم يذكر لنا أي ليلة من ليالي الأربعاء بالضبط) تشرف السيد (قدس سره) بلقاء الإمام (عجل الله فرجه الشريف) في مسجد السهلة، وقد حثه (عجل الله فرجه الشريف) على تأليف الكتب مع إنه لم يكن التأليف متداولاً آنذاك ولا متعارفاً عليه، فعاد السيد (قدس سره) إلى كربلاء وكان عنده في اليوم الواحد سبعة أو ثمانية دروس، إذ كان (قدس سره) ركناً من أركان الحوزة، تركها كلها، ورغم الإلحاح الشديد من قبل أساتذة الحوزة وفضلائها للعدول عن هذا القرار، إلا إنه أبى، وعكف على تأليف الكتب وبشكل مكثف، حتى انه كان يجلس في بعض ليالي الشتاء من بعد إفطاره وحتى أذان الصبح أي ما يقارب ثمان ساعات أو أكثر يكتب وبلا انقطاع. إذ إنه كان (قدس سره) يقوم مثلاً بشرب الماء أو ما أشبه ذلك ثم يستأنف كتابته، ويمكن أن يكون هذا المقدار من تأليفات السيد (قدس سره) من بركات كلمة الإمام (عجل الله فرجه الشريف). وينقل عن السيد عبد الله شبر (رحمة الله عليه) أنه رأى في عالم الرؤيا أن أحد الصالحين الموفقين في عالم التأليف يعطيه قلماً، ولا شك أن هذه الأمور المعنوية لها شأن كبير في توفيق الإنسان، فترى عالماً يعيش في أوساط الحوزة العلمية ثمانين عاما ويكتب كتاباً واحداً أو كتابين أو ثلاثين، أما عالماً يوفق لهذا المقدار العظيم من التوفيق فلعله يكون خارقاً للعادة، ولعل قضية اللقاء كانت أكبر من هذا وأن فيها جوانب وتفاصيل لم تنقل لنا فخفيت عنا. المحطة الثانية: تتعلق بالخصائص النفسية للإمام الراحل (قدس سره)، ففي أواخر أيام وجوده في العراق وفي آخر شهر رمضان قضاه في كربلاء المقدسة، وكعادته يكون مع الموكب الذي يذهب لزيارة سامراء في كل ليلة من ليالي شهر رمضان، والذي ما قام لولا تشجعيه الناس على ذلك، وفي سرداب الغيبة تشرف السيد (قدس سره) بلقاء الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) ولا نعرف تفصيلاً كثيراً حول هذا اللقاء. المحطة الثالثة: وقد حدثت عندما كان السيد (قدس سره) في الكويت وذلك بعد رياضة شديدة استمرت عاماً ونصف العام حيث امتنع عن أكل الغذاء الحيواني، فاقتصر طعامه على الخبز والخضراوات، وكانت في تلك الفترة عواصف شديدة وأجواء مشحونة وملبدة. كما نقل هذا الناقل أنه في مرة تشرف السيد (قدس سره) بلقاء الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) حيث قال له :(إن هذه العواصف ليست بالأمر الهام) كما أمره بإنهاء فترة الرياضة على هذا النحو. هذه ثلاث محطات توقفنا فيها فيما يتعلق بلقاءت السيد (قدس سره) بالإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) وبحسب ما نقله بعض الأعلام الثقات، وهناك لقاء آخر تم في قم المقدسة لا أعلم تفاصيله. على كل حال، يجب على الإنسان أن يسعى للوصول إلى هذا المقام، أو على الأقل أن يكون مشمولاً برعاية الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) فرعاية (عليه السلام) بإنسان ما سبب عظيم في توفيقه وتسديده وإرشاده فقد يوكل الله تعالى أو الأئمة (عليهم السلام) أو الإمام المهدي بعض الناس إلى أنفسهم، وبالتأكيد فإن هذا الشخص لن يحظى بالتوفيق وعاقبته إلى سوء، وتجد أن بعض الناس يفوزون بدعاء الأئمة (عليهم السلام) فيكون السبب لهم في توفيقات هائلة في حياتهم ونجاة وسعادة في الآخرة. إن المشكلة الحقيقية في إن مسألة الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) عند البعض أضحت أمراً عادياً فيما نقرأ في دعاء الندبة: (عزيز علي أن أرى الخلق ولا ترى). فكيف يتسنى لإنسان ما أن يحرم من هذا الفيض ولا يتأثر لذلك ولا يتألم، فإن عدم التأثر والتألم واللامبالاة تجاه هذه المسألة العظيمة لا يعني إلا أن هذه المسألة ليست مهمة عنده، مع أن هذه المسألة من أهم المسائل المحورية في الفكر الإنساني ولها من الموضوعية والشمولية السبب الكبير في توفيق الإنسان ونجاحه في دنياه وأخرته. نسأل الله تعالى أن يوفقنا لذلك وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. |
|
|
مراسل موقع الامام الشيرازي - قم المقدسة |
|