التقى سماحةَ المرجع الديني السيد صادق الحسيني
الشيرازي بجمع من الإخوة المؤمنين والشباب من مدينة يزد وذلك في بيته
بمدينة قم
المقدسة.
بدأ السيد المرجع دام ظله كلامه مع زائريه بالحديث الشريف: «المؤمن أعظم
حرمة من الكعبة» وقال: للكعبة الشريفة في الثقافة الإسلامية أهمية كبيرة،
وقد سمّاها الله تعالى بيته الحرام. ولا شك أنّ الله تعالى لا يحتاج إلى
مكان، وأن النسبة إلى الله إضافة تشريفية كما
يقول العلماء. فإنّ نسبة الكعبة إلى الله سبحانه «..بيتي...» إنّما هو
تشريف وتعظيم لها. ويكفي الكعبة شرفاً أن الأنبياء والأولياء والأئمة
والمؤمنين كلّهم يطوفون حولها. ولكنّ الكعبة مع كل هذه الأهمية الإستثنائية
لا ترتقي إلى قيمة المؤمن عند الله تعالى، والمؤمن أعزّ وأعلى من الكعبة
بمراتب كثيرة ولهذا فإنني أوصيكم أن لا تهينوا مؤمناً أو تهتكوا حرمته
أبداً.
وذكر سماحته في هذا الصدد قصة مفادها: لقد كان المرحوم الميرزا الشيرازي
الكبير صاحب ثورة التنباك يعيش في سامراء قبل مئة سنة تقريباً، وكان المرجع
العام للشيعة في زمانه وكان له وكلاء في جميع المدن والمناطق وكان أحد
التجار وكيلاً له في بغداد، وفي أحد الأيام جاء أحد الأشخاص إلى الميرزا
وطلب منه مقداراً من المال فحوّله ـ رحمه الله ـ إلى وكيله في بغداد مع
حوالة بمبلغ أربع ليرات وكانت في ذلك الزمان تعدل قيمة أكثر من سبعة غرامات
من الذهب، بحيث كان يمكن في تلك الأيام شراء دار عادية بعشر ليرات أو أكثر
بقليل. وبعد أن استلم الرجل الحوالة تلاعب بالمبلغ المكتوب بمهارة وجعلها
(400) ليرة، أي ما يزيد على قيمة كيلوين من الذهب، وكان مبلغاً كبيراً جداً
لم يكن الميرزا قد كتب بمثله إلى وكيله قبل ذلك، مما جعل الوكيل يشكّ فيه،
ولكنه لم يتظاهر به أمام الرجل، لأنّه لم يكن متيقّناً من الأمر، واكتفى
بالقول لحامل الحوالة إنّ هذا المبلغ غير موجود حالياً، وأنه سيتوفّر خلال
يومين يمكنه أن يقضيهما في الكاظمية ـ بالقرب من بغداد ـ ثم يعود إليه في
اليوم الثالث. وخلال هذه المدة بعث التاجر برسول إلى المرجع في النجف
الأشرف التي تبعد أكثر من 100 كم من بغداد ليطمئنه على صحة المبلغ. وعندما
وصلت الحوالة المزوّرة بيد الميرزا ورآها قال: أجل إنني أرسلت بهذه الحوالة
لوكيلنا في بغداد، وبالفعل جاء الرجل بعد يومين واستلم المبلغ كاملاً أي
أربعمئة ليرة! وبعد مدّة جاء ذلك الرجل مرّة أخرى لزيارة المرجع برفقة بعض
الناس، وعندما همّ بالذهاب طلب منه الميرزا التريّث قليلاً. وبعد أن خلا به
قال له: لقد بعث وكيلي في بغداد الحوالة إليّ قبل أن تعود إليه، ليطمئن من
المبلغ، وعرفت أنك قد زوّرت الحوالة، ولكني لم أشأ أن أهتك حرمتك وأيّدت
مبلغ الحوالة وتحمّلت الأمر، ولكني أنصحك بأن لا تفعل ذلك مع غيري فقد لا
يتحمّل ويفضحك.
أضاف السيد المرجع حفظه الله: لقد قرّر الميرزا الشيرازي أن يتخلّى عن 396
ليرة ولا يهتك حرمة إنسان مؤمن مع أنه كان يعلم أنّ هذا المبلغ يسدّ حاجة
العشرات من المحتاجين الآخرين؛ علماً أنه ليس المقصود بالمؤمن هنا من هو
مثل سلمان أو أبي ذر بل إنّ من يصلّي و يصوم و... هو مؤمن أيضاً.
وأكّد سماحته في الختام: إن أحد مفاتيح النجاح هو أن نسعى ألا نهتك حرمة
أحد أبداً وأن نعلم أن المؤمن أعظم حرمة عند الله تعالى من الكعبة.
تحدّث بعد ذلك فضيلة السيد مهدي الشيرازي دام عزّه نجل الإمام الشيرازي
الراحل (أعلى الله درجاته) فبدأ حديثه بطرح السؤال التالي: كيف يمكن أن
نستثمر فرصة العمر القصيرة على أحسن وجه؟
وقال: لقد كنّا قبل اليوم تراباً وربما كنا في نشأة التراب مليارات السنين،
قبل أن نكون على ما نحن عليه اليوم من هذه الصورة الإنسانية التي قد تكون
سبعين سنة أو أكثر بقليل أو أقلّ من ذلك، ثم نموت ونعود إلى التراب مرّة
أخرى، وربما نظلّ في القبر وعالم البرزخ و... ملايين السنين أيضاً؛ فالسؤال
المطروح هو: كيف يمكن أن نستفيد من هذه الفرصة القصيرة والعابرة التي تسمى
بالعمر؟
وأضاف فضيلته: في مجال الثروات المادية للدنيا والمسائل المالية ترانا غير
مستعدين لأن نتخلّى حتى عن درهم واحد ببساطة، فكيف نقضي دقائق أعمارنا
ولحظات حياتنا بالبطالة ودون أن نستثمرها، بكلّ هذه البساطة؟
وأردف: كما نعرف قدر أموالنا ولا نفرّط بها، حريّ بنا أن نعرف قيمة ساعات
ودقائق أعمارنا وأن نستفيد منها على أحسن وجه.وهناك أمران يعينان الفرد على
التقليل من إتلاف وضياع ساعات عمره وبالتالي تقلل من تحسّره على هدر هذه
الثروة وتبديدها، وهي:
الأول: أن نسعى لأن نكون في كل لحظة من لحظات حياتنا وفي تعاملنا مع كلّ من
يحيط بنا، على جانب كبير من الخلق الحسن، فنحبّ لغيرنا ما نحبّه لأنفسنا،
ونكره له ما نكره لها. فلا نرتكب بحقّ غيرنا ما لا نرضى منهم أن يرتكبوه
بحقنا، بل نكون حسني الأخلاق حتى مع سيئي الأخلاق؛ فإن التعامل الحسن مع
الذين يحسنون التعامل معنا ليس مفخرةً، بل المطلوب منّا أن نتعامل بالحسنى
حتى مع أولئك الذين يسيئون إلينا ولا ينصفوننا، وأن ندعوهم أيضاً من خلال
تعاملنا إلى السلوك الحسن.
واستشهد فضيلته بطريفة في هذا المجال فقال:
جادل مسيحي مسلماً يوماً فقال: لقد كان نبيّكم من طلاب الدنيا، لأنّه تزوّج
عدّة نساء، أما نبيّنا فلم يتزوّج حتى امرأة واحدة! فقال له المسلم: يبدو
أنك لم تقرأ التاريخ جيّداً، وإلا لكنت تعلم أنّ بعض نساء النبي صلى الله
عليه وآله كنّ سيّئات الخلق ويؤذين النبيّ صلى الله عليه وآله كثيراً بحيث
إن تحمّلهن ليلة واحدة يفوق عناء ستين سنة من زهد نبيّكم وعزوبته، ويكشف عن
الصبر الجميل والخلق الرفيع لنبينا صلى الله عليه وآله.
وقال فضيلته: لم نسمع أبداً أن النبي صلى الله عليه وآله عاقب إحدى نسائه
أو واجه غلظتها أو تصرّفها غير اللائق بغير الليونة واللطف والإحسان.
وأضاف: إنّ سوء الخلق ـ كما قال الإمام الصادق سلام الله عليه ـ ليفسد
العمل كما يفسد الخلُّ العسل.
أما الأمر الثاني الذي يسهم في تقليل حسرة المرء على ضياع عمره، فيتمثّل في
قضاء حوائج الناس. وضرب فضيلته بأحد علمائنا مثلاً في هذا المجال فقال:
كان المرحوم الحاج حسين القمّي من مراجع كربلاء الكبار، سألوه: لو بقي من
عمرك ساعة بم ستنفقه؟ قال: سأفرش سجّادتي في الزقاق وأجلس منتظراً مَن عنده
حاجة أستطيع قضاءها.
وفي الختام قال فضيلة السيد مهدي الشيرازي: لا فرق في عظائم الحاجات
وصغائرها: المهم أن نصرف أعمارنا ـ التي هي موهبة من الله تعالى ـ في قضاء
حوائج الناس وخدمتهم ما وسعنا ذلك، وأن نسعى جاهدين ليل نهار في إدخال
السرور في قلوب المؤمنين، فلو كنّا كذلك فإن الله تعالى سيهيئ لنا من يقضي
حوائجنا أيضاً، والأهمّ من ذلك نكون قد استفدنا من أعمارنا على أفضل وجه.