مهرجان الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) العالمي السابع – الرسالة الرابعة




 

موقع الإمام الشيرازي

حلب

اليوم الرابع من مهرجان الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) العالمي السابع والواقع في يوم الأحد 25/7/ 2007 كان في مدينة تستلقي على ضفاف آلاف من السنين, فهي من أقدم مدن العالم, وقد عرفت عدداً من الشعوب والحضارات كالسومرية والأكادية والعمورية والبابلية والميتانية والآرامية والهلنستية والرومانية والبيزنطية والعربية والإسلامية فاستقطبت ألقاً فكرياً ووهجاً ثقافياً تجسد في واقع إنساني وحضاري انعكست آثاره على هذه المدينة التاريخية عبر تنوع إثني وديني ومذهبي مسبوك في فسيفساء العيش المشترك والإخاء والمحبة والتعاون على البر والخير بين أبناء المدينة المعروفة بقلعتها الأقدم والأكبر والأشهر في العالم.

المهرجان حط رحاله في يومه الرابع في مدينة احتضنتها الذاكرة الإنسانية بحزن لا ينقطع كما قد احتضنت أرضها الطيبة الحانية قطرات زاكيات من دماء آخر بنت نبي على وجه الأرض, والذي قال عنه خاتم النبيين والمرسلين (ص): "حسين مني وأنا من حسين" وذلك عندما أرسل رأسه الشريف وهو مضرج بالدماء الى الطاغية يزيد بن معاوية وكانت نساء بيت النبوة على جانب من المشهد الكبير الذي يعرف بمشهد النقطة أو مشهد الإمام الحسين (ع) الذي تحتضنه المدينة بكل محبة ووفاء وإخلاص, إنها المدينة التي اختزن وجدانها أحداث صفين ومصاحف صفين وآلام صفين, وإنها المدينة التي جاورت واستجارت وتشرفت بصولات وجولات وركعات وسجدات ودعوات وتكبيرات صاحب الذكرى المحتفى بمولده المبارك الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع), والتي ظلت وفية لشهداء أفذاذ وأصحاب نجباء من خريجي المدرسة العلوية: عمار بن ياسر, أويس القرني, وغيرهم الذين لفظوا أنفاسهم الأخيرة بين يدي الإمام علي (ع), وفضلوا الاستراحة الأخيرة من دنيا دنية عند مدينة عتيقة اسمها الشهباء "حـلـب" التي ابتهجت أرضها وسماؤها بمواقف وكلمات وأشعار احتفت وتعطرت بذكر الإمام علي بن أبي طالب (ع), صدح بها المشاركون في مهرجان الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) العالمي السابع, والذي يقيمه سنوياً مركز الفردوس للثقافة والإعلام في عدد من دول العالم. 

 أولى الكلمات كانت لفضيلة العلامة الشيخ شفيق جرادي الذي تناول في كلمته العلاقة الأصيلة بين الناس التي هي علاقة سلام من حيث المبدأ ما لم يقوم الآخر بالعدوان, وان الإسلام قد أكد رفض العدوان على الآخر, وأن الإسلام قد اعتبر الإنسان الآخر المختلف المسالم إنساناً يملك الحق في التعامل على أساس الإحسان والعدل بعيداً عن هويته العقائدية, أما الآخر المحارب أو الظالم والمعتدي, فإن الموقف معه يختلف, لأنه يرفض التعايش القائم على احترام حق الآخر المسالم في دينه وفي وطنه, فلا ولاية معه لأنه رفض الولاية الاجتماعية مع الآخر.

وأكد فضيلة الشيخ جرادي على الإشراقات التي كانت في كل لحظة من لحظات حياة الإمام علي بن أبي طالب (ع), وهي إشراقات تستحق الوقوف عندها والتأمل فيها والارتواء من معينها, وان حياته الشريفة كانت مليئة بمواقف السلم والسلام والتسامح واللطف والرأفة والرحمة والحكمة والنصيحة والهداية والبر والإحسان, وهو ما يجدر بالجميع أن يتعلموا منه (ع) ويقتدوا به .

وقال د. الشيخ محمود عكام في جانب من كلمته: يجب أن يكون الإمام علي (رضي الله عنه) محل اقتداء واتباع  وولاء وثناء فإذا ما درسناه وبحثنا في جوانب شخصيته فلسان الحال منا يجب أن يعبر قائلاً: أنت قدوتنا وأسوتنا هنا وهناك. وأنت رجل الحكمة ولن نغادر ساحة حكمتك لن نغادر ساحة حكمتك لتكون لنا منهلاً وملاذاً وموئلاً في كل حال، أجمعنا على هذا جميعاً على اختلاف المذاهب والمشارب، وعلينا أن نتشكل وفق تعاليمك ومعطيات حياتك، لا أن نشكلك وفق الرغبة المتحكمة الحالة الراهنة، وبعبارة موجزة: تركنا وهجرنا الاتباع والإقتداء إلى التسويغ والتبرير, وكأننا إذ نتحدث عن علي نتحدث عن كاتب أو باحث غربي له رؤية مختلف عليها, فما هكذا يا سعد تورد الإبل، وما هكذا يدرس علي (رضي الله عنه)، بل الدراسة يجب أن تكون موثقة وما يقوله علي نلتزم به وما يفعله يغدو لنا قدوة ومرجعاً وإماماً.

وأضاف د. الشيخ عكام, قائلاً: سيدي أيها الإمام: أنت الحكمة عينُها والشجاعة كلها والبلاغة رأسها والأمانة أسّها، وأنت لا شك محل إيمان المؤمنين، فمن أحبك فهو المؤمن، ومن لا, فالنفاق رداؤه والذل ركابه.. حظيت بالوصاية فما أروعك! ونلت كمال الولاية فما أعظمك منك نسلُ ختام النبوة، وفي ظلالك تحتمى الفتوة فالفتى الحق أنت، وموئل الشهامة والمروءة كذلك أنت.. سيدي: لقد ولدت كبيراً ولذت بحمى الرسالة كثيراً، عبدت ربك حقاً منذ نشأتك ولجأت إليه وحده دون سواه في رخائك وشدتك. ما توجهت أبداً إلى السِّوى، ولا كانت لك هفوة لها سمة الهوى، فحاشاك حاشاك يا مختار المختار وسيد آل بيت النبوة الأطهار... مدينة العلم أنت بابها، وأمين سرها والإمامة أبت بتقدير الله إلا أن تكون رُبّانَها.

وشكر نيافة المطران يوحنـا إبراهيـم/رئيس طائفة السـريان الأرثوذكس بحلب في بداية كلمته إدارة المهرجان, قائلاً: اشكر إدارة مركز الفردوس للثقافة والإعلام، لأنها تفسح المجال للمشاركين الذي ينتمون إلى أديان متعددة، وثقافات متنوعة، ورؤى مختلفة، وانتماءات عديدة، يؤمنون بالكلمة أولاً، ويعتقدون أن هذا التراث الفكري المشترك هو قبل كل شيء ملكٌ للإنسان مهما كانت انتماءاته، وجزءٌ لا يتجزأ من التراث الإنساني العالمي. فما تركه أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب لم يبقَ محصوراً لفئة أو شريحة معينة تعتقد أن لها الحق في هذا النبع الفيّاض الذي أعطى للعالم دُرراً ولآلئ من النتاج الفكري الخالد... أما موضوع المهرجان:"السلم واللاعنف في فكر الإمام علي" فإنه يتماشى مع ما يشهده العالم بشكل عام، ومنطقتنا بشكل خاص من أحداث خطيرة لا ترتبط بتغيرات جذرية في الجغرافية والديموغرافية فحسب، بل تمس بشكل مباشر كيان الإنسان، ورغم وجود جهات متعددة جماعات وأفراداً، تقوم بمبادرات تسعى من خلالها ترسيخ معاني السلام واللاعنف في كل المجتمعات، ولكن مع كل هذا نرى أن ضحايا العنف والإرهاب يزداد عددهم في كل مكان، وينتشر القلق بكل أبعاده على كل شبر في هذه الأرض التي خلقها الله لتكون مسكناً آمناً للإنسان.

وقال نيافة المطران يوحنـا إبراهيـم:إن الذي يعيش مع الإمام علي بن أبي طالب من خلال خطبه، ورسائله إلى أعدائه وأمراء بلاده، وحكمه، ومواعظه، يرى نفسه أمام كم هائل من الأفكار التي يستطيع أن يسترشد بها في مواضيع كثيرة كمحبته للسلام التي تظهر واضحة في خطبة له معروفة باسم الشقْشِقية وهو يصف تألمه من جور مثيري الفتنة، وفي خطبة له أخرى يقول:أيها الناسُ شُقُّوا أمواجَ الفِتَنِ بسُفُنِ النجاةِ، وعَرِّجُوا عن طريقِ المُنافرةِ، وَضَعُوا تِيجَانِ المُفاخرةِ، أفلحَ من نهضَ بجناحٍ، أو استسلمَ فأراحَ.

وختم رئيس طائفة السـريان الأرثوذكس بحلب قائلاً: إن رؤية الإمام علي بن أبي طالب في السلام واللاعنف التي تتجلى من خلال ما تركه من فكر ناضج، ورأي سديد، وبلاغة كان سيدها ورائدها جعلت له مكانة كبيرة في عيون من قرأ له، وعاش مع أفكاره، وهو في ذلك يسير على منوال من سبقه من رجالات عظام، طبعوا بصمة حية في سفر الحياة، وأكدوا بأن علاقة الفرد بربه تتوطد من خلال علاقته بنفسه وبأخيه الإنسان. فإذا دعا أمير المؤمنين إلى التعاون والإحسان، وأوصى بالصداقة الخالية من الغش والحافلة بالوفاء، وكتب أن المحبة تبقى الطريق الأوحد للقاء، ونصح بعدم الاندفاع بحب الصديق أو بغض العدو بقوله: أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما.. كل ذلك كان ليضع أسساً للسلام، ونهجاً للاعنف، وهكذا دخل أمير المؤمنين من أوسع الأبواب إلى تاريخ الإنسانية، وبقي اسمه مخلداً.

ومن فعاليات المهرجان في يومه الحلبي, قصيدة شعر للأستاذ الشاعر مصطفى خضير تغنت أبياتها بحب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ومنهجه في نشر المحبة والسلام والارتقاء بوعي الإنسان, وترسيخ معاني النبل والفروسية والإباء والرحمة بين الناس من الأصدقاء أو الأعداء خدمة للإنسان وقيم الخير والعدل والحق والجمال.

وقال فضيلة الشيخ إبراهيم الحسن في جانب من كلمته: إذا كان رسول الله (ص) هو مدينة العلم الذي هو أساس ومنطلق الأخلاق, وقد جمع الله في رسالته معاني ومحاسن الرسالات السماوية كلها فلا بد لكل من يريد الدخول في هذه المدينة الهائلة والتجوال في أنحائها وأقسامها لمعرفة ما يرضي الله وما أمر به من الأخلاق والعبادة والمعاملة والسلوك فعليه أن يبحث عن باب مدينة العلم ألا وهو الإمام علي زوج سيدة نساء العالمين ووالد الحسن والحسين ريحانتي نبي هذه الأمة, سيدنا علي الذي أرسى قواعد الأخلاق بعد انهيارها لأن ما يعتقده كل عالم وكل مرب أن خير وسيلة لإشعال المواهب وإثارة الروح وتقويم الأخلاق والعزم على مكافحة البيئة الفاسدة والمجتمع المنحرف هي سير عظماء الرجال وقادة الإصلاح والتجديد.

وفي إطار اختيار شعار "السلم واللاعنف في فكر الإمام علي بن أبي طالب (ع) " كمنهج عمل هذا المهرجان العلوي في دورته السابعة, قال فضيلة الشيخ الحسن: الجدير بهذه المناسبة الكريمة اختيار سيدنا علي من عظماء هذه الأمة نبراساً وقدوة في مهرجانه السنوي السابع هذا المهرجان العظيم الذي نحن بأمس الحاجة من خلاله إلى معرفة مقومات الإصلاح والتجديد والاتصال بتاريخ الإسلام الصحيح وما أشبه عصرنا بعصر الإمام بتسرب الفساد إليه بمادية جارفة وترف فاحش وعبادة شهوات البطن والهوى، وانتهاء بالإلحاد والزندقة وتصرفات الفئة الباغية وهجمات الأعداء.

وأضاف: الإمام عليه السلام ورضي الله عنه وكرم وجهه حينما يتذكره أي عالم وأي أديب وأي كاتب فيرى نفسه وكأنه في وهدة سحيقة يرنو بناظريه إلى قمة شماء تنخلع الرقاب عند ذراها, فسيدنا علي وأبناؤه كانوا أصحاب أخلاق وخلافة وكتاب وشريعة ولم يكونوا خدمة جنس ومال وملك وجاه ولا رسل شعب ووطن وعصبية وعنصرية وما ظنوا بأنهم خلقوا ليكونوا حكاماً ولا خرجوا ليؤسسوا إمبراطورية إنما خرجوا كما قال الربع بن عامر رسول المسلمين إلى رستم: الله بعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام, فمن الواجب على المسلمين أن ينظروا إلى سيدنا علي وأهل البيت كثروة مشاعة للبشرية وهبة إلهية ومعجزة من معجزات رسول الإسلام بقدرة الإسلام على إنجاب العظماء وأهل الكمال لأن هذا الإمام العظيم لا يزال مهضوم الحق عند بعض فئات المسلمين في خلافات مذهبية أو حوادث تاريخية وهذه المسؤولية بتصحيح المفاهيم الخاطئة هي مسؤولية العرب قبل العجم لأن الله سبحانه وتعالى ربط مصير الإسلام والعرب ببعضهما فلا عز للعرب إلا بالإسلام ولا يظهر الإسلام بمظهره الصحيح إلا إذا قاد ركبه العرب.

 


مراسل موقع الإمام الشيرازي - دمشق