في أربعينية الفقيه الشيرازي: نص رسالة أسرة الفقيه الفقيد




 

النص الكامل لرسالة أسرة المرجع الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي

(أعلى الله درجاته)

التي ألقيت في الاحتفال التأبيني الذي أقامه مكتب سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) بالعاصمة دمشق بمناسبة مرور أربعين يوماً على رحيل آية الله الفقيه السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (رضوان الله تعالى عليه)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين

ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين

في البِدء: نتقدم بالشكر الجزيل إليكم جميعاً حيث تحملتم عناء الحضور في هذا المجلس المنعقد بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاة العالم الرباني آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (رضوان الله عليه) .. في هذا المكان المبارك حسينية الحوزة العلمية الزينبية التي أسسها الشهيد السعيد آية الله السيد حسن الحسيني الشيرازي (قدس الله نفسه الزكية) .. كما نشكر جميع من واسانا في هذا المصاب الجلل بفقيد الإسلام في مختلف بقاع الأرض بإقامة المجالس وإرسال الرسائل والبرقيات وغيرها.

إن الحديث عن شخصية الفقيد السعيد، حديث متشعب وله جوانب متعددة لا يمكن إحصائها وحتى الإشارة إليها في سطور مختصرة ولكننا نتحدث عن بعض الجوانب. فقد كان الفقيد السعيد عالماً متشرعاً حيث صرف جلّ عمره في تحصيل علوم أهل البيت (عليهم السلام) تلك العلوم التي أخذوها عن جدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبينوها للناس، سواء في الفقه أو الأصول أو التفسير أو الحديث.

وصرف وقته في الفقه والأصول حتى بلغ مرتبة سامية من الفقاهة في مقتبل عمره الشريف فأجازه بالاجتهاد عدة من الفقهاء والمراجع ولكنه لشدة تواضعه ما كان يظهرها لأحد، إلى أن تم العثور على ثمانية منها في أوراقه بعد وفاته.

وألّف في الأصول كتاب (الترتب)، وهو في العقد الثالث من عمره الشريف كما ألّف من القطع إلى نهاية البرائة مباحث درسه للخارج ولعله تبلغ خمسة مجلدات ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لطبعها.

كما كان كثير الأنس بأحاديث رسول الله وأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، فكان يحفظ الكثير بالنص أو بالمضمون وخاصة كتاب الكافي الشريف الذي لم يؤلف مثله قط في الإتقان والسعة.

وقد حباه الله تعالى بقدرة فائقة على البيان، فكان في محاضراته المباركة يبين تلك المضامين العالية في الروايات الشريفة ومن أقوال فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) ببيان سلس بحيث يفهمها حتى عامة الناس مع حفظ عمق المضمون وهذه موهبة نادراً ما تحصل في شخص، فالبحوث المعمقة التي لم يكن يعيها إلا القليل في الحوزات العلمية بيّنها بأسلوب سلس من السهل الممتنع بحيث فهمها الجميع.

فكان من المصاديق البارزة لهذا الحديث الشريف: (يتعلَّم علومَنا ويعلمّها الناس).

ولا يخفى أنه في هذه الأيام انتشرت طريقة حتى أصبحت موضة بحيث أن البعض حينما يريد أن يبين للناس أن له جديداً وأنه مفكر أو نحو ذلك يتخذ طريقة التملص عن تراث أهل البيت (عليهم السلام) عبر تضعيف ما ورد عنهم أو تأويله بحيث ينسجم مع مقالة أعداء الإسلام أو مخالفي أهل البيت (عليهم السلام) ولكن الفقيد السعيد كان مجدداً بحق ومفكراً بحق ولكن ضمن إطار القرآن الكريم وسيرة وسنة رسول الله وأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) .. فكان يتلقى علومهم، ثم يبينها للناس بطريقة تقنع الجميع، فكان يستفيد من محاضراته – ولا زال – طالب العلم، والمثقف، والمفكر، وحتى عامة الناس رجالاً ونساءً، شيباً وشباباً.

حتى أصبحت محاضراته أكثر البرامج مشاهدة في بعض الفضائيات حتى لغير المسلمين ولغير أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، وهذه سمة كل عالم رباني.

إذ يعتقد بأن الإسلام الذي بينه الرسول وأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) هو الحق وهو المطابق للفطرة حتى إذا جهله من جهله أو أنكره من أنكره أو استهزأ به ضعاف العقول فلا يحاول أن يداهن ويُرضي الغير على حساب سخط الله ورسوله فقد قال تعالى: " وَدّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ " القلم - 9، وقال سبحانه: " وَلَنْ تَرْضَىَ عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النّصَارَىَ حَتّىَ تَتّبِعَ مِلّتَهُمْ " البقرة - 120.

فالصحيح هو أخذ علومهم ثم بيانها بشكل قابل للفهم حتى يقتنع الجميع ولا علينا بالمعاندين فإنهم " وَإِن يَرَوْاْ كُلّ آيَةٍ لاّ يُؤْمِنُواْ بِهَا " الأنعام - 25.

وهكذا كان الفقيد السعيد في كل أقواله وأفعاله، عالماً يستنبط علوم القرآن والرسول وأهل البيت (عليه وعليهم الصلاة والسلام)، ثم يحاول تعليمها للناس بأفضل السبل وأقصر الطرق، وكان يصرف وقته كثيراً في الفقه وهو فقه أهل البيت (عليهم السلام) فإضافة إلى استحضاره المسائل الفقهية، فكان يستحضر أيضاً مضانها في الكتب الفقهية والروايات الشريفة كما كان محيطاً بكتاب (موسوعة الفقه) التي ألفها والده المرجع الراحل المجدد الشيرازي الثاني (أعلى الله درجاته)، فرغم أن هذه الموسوعة بلغت حدود المئة والخمسين مجلداً وفيها ما لا يحصى من البحوث والاستدلالات، لكن الفقيد السعيد آية الله السيد محمد رضا الشيرازي (رحمه الله) كان عالماً بتلك البحوث والأدلة ومضانها من مجلدات وصفحات، وقد جمع الفقيد السعيد صفات قلّما تجتمع في شخص فإضافة إلى علمه وتقواه كان محتاطاً إلى أبعد الحدود لكن احتياط لنفسه، وهذه من ميزاته البارزة أي كان يُتعب نفسه طلباً لمرضاة الله ولا يتعب الآخرين فكان مصداقاً بارزاً لقول أمير المؤمنين عليه السلام ( نفسه منه في عناء والناس منه في راحة)، فسلام الله عليه يوم ولد ويوم ارتحل عن هذه الدنيا طاهراً نقياً ويوم دفن في جوار جده الإمام الحسين (عليه السلام) ويوم يبعث حياً.

نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته وأن يحفظ لنا مرجعنا آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) ففيه السلوان والخير والبركة.

نجدد شكرنا لكم

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

أسرة المرجع الراحل

آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي

(أعلى الله درجاته)

 

موقـع الإمــام الشيرازي

7/رجب/1429هـ

10/تموز/2008


مراسل موقع الإمام الشيرازي - قم المقدسة