
|
السيد المرجع: ليعزم المؤمنات والمؤمنين على ترك الغضب ومحاسبة النفس يومياً |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمــام الشيرازي 8/شـــــــــــوال/1430 قام جمع من المؤمنات والمؤمنين من دولة الكويت الذين وفدوا إلى مدينة قم المقدسة للمشاركة في مراسم الذكرى السنوية الثامنة لرحيل المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدّس سرّه)، قاموا بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في بيته بمدينة قم المقدسة، يوم الاثنين الموافق للأول من شهر شوال المكرّم 1430 للهجرة، فألقى سماحته كلمة قيمة فيهم، قال في مستهلها: إنني أشكر اﻷخوات والإخوة الكرام على تحمّلهم عناء السفر، وأرجو أن تكون سفرتهم في سبيل مرضاة الله سبحانه وتعالى، وسبباً لدعاء المرحوم أخي المرجع الراحل لهم بعلوّ الدرجات. ثم قال سماحته: لقد وردت من سيّدنا ومولانا اﻹمام الحجّة المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) رسالة على الشيخ المفيد (رضوان الله تعالى عليه)، وفي قسم من هذه الرسالة يوجّه اﻹمام خطاباً إلى جميع المؤمنين والمؤمنات، وقد ورد في هذا القسم العبارة التالية: «إنّا غير مهملين لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم»(1). وأضاف سماحته: إنه لا يوجد من جانب اﻹمام إهمال للرعاية، ولا يوجد من جانبه صلوات الله عليه نسيان لذكر المؤمنين والمؤمنات، فاﻹمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بيننا ويرانا، ووعد بالرعاية لنا، وإنه (صلوات الله عليه)لا يهمل رعايتنا، ووعد بتذكّره لنا وأنه لا ينسانا. وقال سماحته متسائلاً: إن رعاية اﻹمام وذكره لنا هما فضلان عظيمان ونعمتان عظيمتان. فما هو واجبنا وتكليفنا تجاه هذين الفضلين وهاتين النعمتين؟ فأجاب سماحته: إن على المؤمنات والمؤمنين أن يحاولوا ويسعوا إلى كسب رضا اﻹمام (صلوات الله عليه). فذات مرّة قال لي شاب من الشباب المؤمنين: ماذا أصنع حتى اُوفّق للقاء مولانا اﻹمام الحجّة؟ قلت له: إن من يوفّق للقاء اﻹمام يحظى بمقام عظيم، ولكن إن اﻷهم عند اﻹمام هو كسب رضاه. فاﻹمام من جانبه حاشاه أن يقصّر مع شخص هو في مستوى اللقاء، ولكن سمو اﻹنسان وبلوغه مرتبة لقاء اﻹمام يحتاج إلى معنوية عالية ولا يحتاج إلى صرف الوقت الكثير. نعم إن العبادة وأداء المستحبّات والزيارات وقراءة الأدعية وذكر الله تعالى هي قسم من اﻷعمال التي توفّق الإنسان للقاء باﻹمام، ولكن الأهم هو كسب رضا اﻹمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). وقال سماحته موضّحاً: إن كسب رضا اﻹمام يحتاج إلى مقدّمات، ومن أوليات هذه المقدمات هو الالتزام باﻷمرين التاليين: اﻷمر اﻷول: اجتناب الغضب وتركه. فعلى المرء أن يمسك نفسه ولا يغضب، سواء في اﻷمور الشخصية أؤ غير الشخصية التي تكون مدعاة لإثارة الغضب، وأن لا يحطم نفسه أسفاً على ترك الغضب، فترك الغضب عمل مهم لمستقبل المرء في الدنيا واﻵخرة. فمن يغضب تكثر معاصيه، ومن تقلّ حالات الغصب عنده تقلّ معاصيه. إذن على اﻹنسان أن يعزم على ترك الغضب دوماً، في البيت وفي المدرسة وفي الجامعة وفي السوق وفي باقي مجالات العمل والحياة، وهذا اﻷمر بحاجة إلى ممارسة. قال مولانا اﻹمام الصادق صلوات الله عليه: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله فَقَالَ: يَارَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئاً وَاحِداً فَإِنِّي رَجُلٌ أُسَافِرُ فَأَكُونُ فِي الْبَادِيَةِ. قَالَ: لا تَغْضَبْ. فَاسْتَيْسَرَهَا الأعْرَابِيُّ فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله فَقَالَ: يَارَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئاً وَاحِداً فَإِنِّي أُسَافِرُ وَأَكُونُ فِي الْبَادِيَةِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله: لا تَغْضَبْ. فَاسْتَيْسَرَهَا الأعْرَابِيُّ، فَرَجَعَ، فَأَعَادَ السُّؤَالَ، فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله، فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: لا أَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ هَذَا، إِنِّي وَجَدْتُهُ قَدْ نَصَحَنِي وَحَذَّرَنِي لِئَلاّ أَفْتَرِيَ حِينَ أَغْضَبُ وَلِئَلاّ أَقْتُلَ حِينَ أَغْضَبُ»(2). وقال سماحته: إذا عزم اﻹنسان على ترك الغضب فستقوى نفسه على ذلك شيئاً فشيئاً ويصبح ترك الغضب عنده شيئاً طبيعياً، ولا يثور إن استفزه أحد، وسيسهل عليه الالتزام باﻷخلاق العالية والرفيعة. ذات مرّة زعل شخص من المرحوم السيد اﻷخ أعلى الله درجاته فكان لا يردّ جواب سلام أخي حيث كان يلوي عن أخي إذا لقيه في الطريق أو في مكان ما، ولكن أخي كان يسلّم عليه كلما لقيه وكان يلتقي به مرّة أو مرّتين في اليوم، وقال رحمه الله: أنا عزمت على أن لا أترك السلام على ذلك الشخص مهما التقيت به. وبعد مضي ستة أشهر قال ذلك الشخص للسيد اﻷخ بعد أن ردّ جواب السلام: لماذا لا تدعني وشأني؟ فقال أخي له: أنا أعمل بتكليفي. وعقّب سماحته: إن السيد اﻷخ عمل ذلك ﻷنه كان عازماً على الالتزام باﻷخلاق الحسنة. وكان المرحوم السيد محمد رضا الشيرازي (رضوان الله عليه) عنده ممارسة جيّدة في اجتناب الغضب. فقد كان يشكو من آلام في ظهره، وراجع عدّة أطباء للعلاج، وذات مرّة كان عند الطبيب وبعد إكمال الفحص قال له الطبيب: كيف يكون اﻷلم عندك عندما تغضب؟ فأجابه رحمه الله وهو مبتسم أنا لا أغضب. فظل الطبيب يتطلّع في وجهه رحمه الله. وأردف سماحته: لذا على المؤمنات والمؤمنين أن يعزموا على ترك الغضب كلّه، باستثناء الغضب لله الذي له حديث مفصّل وهو مستثنى من حديثنا اﻵن. فمن لا يعزم على ترك الغضب يأتي يوم القيامة وفي صحيفة أعماله الآلاف من حالات الغضب، ووراء كل غضب معصية أو معاصي _ والعياذ بالله_ من سبّ وشتم أو كذب أو غيبة أو نميمة أو كفران نعم الله أو ظلم الآخرين، وغيرها، وعندها سيكون ذلك اﻹنسان غير قادر على توجيه هذه الكثرة من المعاصي. فاﻹنسان إذا ظلم نفسه ثم ندم بعد ذلك واستغفر الله فإن الله تعالى يقبل توتبه ويمحي عنه الذنوب، وأما إذا جرّه الغضب إلى ظلم اﻵخرين ثم ندم على ذلك وأراد التوبة فإن الله لا يغفر له حتى يغفر له الذي وقع عليه الظلم. وأما إذا عزم اﻹنسان على ترك الغضب فستقلّ موارد المعاصي عنده أو تنعدم. اﻷمر الثاني: محاسبة اﻹنسان نفسه يومياً ولو لدقائق معدودة، وذلك فيما قال وفيما عمل وفيما تصرّف مع زوجته أو أولاده أو أصدقائه وغيرهم، فقد جاء في الحديث الشريف عن مولانا اﻹمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوها قبل أن تُوزنوا»(3)، وقال صلوات الله عليه: «ليس منّا من لم يحاسب نفسه كل يوم، فإن عمل خيراً حمد الله واستزاده، وإن عمل سوء استغفر الله»(4). فعلى اﻷنسان أن يجلس وحده كل يوم ويراجع ما قاله وما عمله، فإن وجد في أقواله وتصرّفاته وأعماله ما لا يرضي الله تعالى فليستغفر الله وليعزم على عدم تكرار ذلك. وختم سماحته كلمته مؤكداً: إذن ليعزم وليصمم المؤمنات والمؤمنين على ترك الغضب ومحاسبة النفس يومياً كي يوفّقهم الله ويعينهم على نيل مقام القرب من اﻹمام عجّل الله تعالى فرجه أكثر وأكثر، ويوفّقهم لكسب رضاه صلوات الله عليه، فمن آثار نيل رضا اﻹمام التوفيق للتشرّف بلقائه (صلوات الله عليه وعجّل الله تعالى فرجه الشريف). أسأل الله سبحانه أن يوفّقنا جميعاً لذلك، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. 1) الاحتجاج/ ج2/ ذكر طرف مما خرج أيضاً عن صاحب الزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف .../ ص495. 2) مستدرك الوسائل/ ج12/ باب 53 وجوب تسكين الغضب عن .../ ص8/ ح9. 3) وسائل الشيعة/ ج16/ باب 96 وجوب محاسبة النفس كل يوم/ ص99/ ح21082. 4) عدّة الداعي/ ص239. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|