
|
بين يدي المرجع: الليلة الرمضانية السادسة عشرة |
|||
|
|
|
||
|
|
|||
|
في ليالي شهر رمضان المبارك يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات وعامة المؤمنين على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في مدينة قم المقدسة. وخلال لقائهم بسماحة السيد المرجع يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا وتوجيهات. تناول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في نقاشاته العلمية لمجلس هذه الليلة مسألة «البراءة»، فكان مما ذكره في هذا الصدد أنه قال: يلزم الفحص في كل الشبهات الموضوعية إلاّ ما خرج بالدليل. فلا يجوز إجراء البراءة قبل الفحص، نعم في حالة الفحص وعدم العثور على موضوع الحكم يجري أصل البراءة. وأضاف سماحته قائلاً: إن العقلاء في اُمورهم المعاشية التي تهمّهم، صغيرها وكبيرها، يفحصون عن الموضوع كما يفحصون عن الحكم. فمثلاً: إذا أراد اﻹنسان أن يسافر فيفحص عن موضوع السفر وهو «جواز السفر» ويفحص عن حكم «جواز السفر»، ويفحص عن موضوع الحملة التي يسافر معها وعن حكم الحملة، ويفحص عن موضوع العملة وعن حكمها. وقال سماحته بهذا الصدد أيضاً: لا يوجد لدينا دليل شرعي على وجوب الفحص، بل إن الدليل هو: سيرة العقلاء. وحول حدّ الترخّص قال سماحته: يقول الفقهاء حول حدّ الترخّص: لا يجري الاستصحاب ويلزم على الشخص أن يفحص. ولقد قال الميرزا النائيني قدس سرّه في كتبه الفقهية وفي موارد متعدّدة قال بالفحص حول الشبهات الموضوعية، وقال بذلك أيضاً صاحب العروة قدّس سرّه في العديد من آثاره. ولكن في مورد «الزواج والنكاح» يوجد دليل خاص لا يلزمنا بالفحص ويقول بقبول قولهن وتصديقهن فيما يخصهن. وقال سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في جوابه على سؤال حول التصرّف في اﻷموال: إن اﻷصل أو الحكم اﻷولي في أموال اﻵخرين هو: حرمة التصرّف فيها إلاّ ما خرج بالدليل. وعليه: فإذا شككنا بأن مال اﻵخرين هل هو مما خرج بالدليل أم لا، فالحكم أو اﻷصل اﻷولي يقول: بحرمة التصرّف وعدم جوازه. وسأل أحد الفضلاء من سماحته: لو هُدّد شخص بالقتل بحيث كان القاتل واقفاً على رأسه وقد شهر السلاح عليه وزعم أنه سيقتله إذا لم يشرب الخمر أو لم يكفر باﻹسلام، فماذا عليه أن يفعل؟ أجاب سماحته: إن الصحابي عمار بن ياسر فعل أسوء من الخمر وهو الكفر، في حين أن والديه (ياسر وسميّة) لم يكفرا فاستشهدا، ولكن مع ذلك فقد نزل القرآن بتأييده وأثنت الروايات عليه لأنه اُجبر واُكره على ذلك وقلبه كان مطمئناً بالإيمان. فبالنسبة للشخص المذكور في السؤال لا إشكال عليه إن تظاهر بعدم إسلامه باللسان فقط وكان مؤمناً بقبله. وأضاف سماحته: قال مولانا اﻹمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: «أيها الناس إنكم ستُدعون إلى سبّي فسبّوني، ثم تُدعون إلى البراءة منّي فلا تبرءوا منّي» (1). ولقد تم دراسة هذه الرواية في اﻷصول فوجد لها معارض من الروايات التي تقول بدخول جهنم من يعمل بالتقية بنحو مطلق. ولذلك أرى أن مقتضى الجمع بين مثل هاتين الروايتين هو التخيير بين التقية وعدمها، كما في قضية عمّار. فلقد اُجبر عمار ووالداه على أن يكفرا فلم يرضخ والداه لذلك فقتلا. وأما عمار فإنه بعد أن رأى مقتل أبويه كفر بلسانه فأُطلق سراحه، فذهب باكياً إلى النبي، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: «يا عمار إن عادوا فعد فقد أنزل الله عزّ وجلّ عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا» (2). وفي مضمون رواية اُخرى أن ياسر وسميّة تعجّلا إلى الجنة. وعن السؤال الذي طُرح في الليلة الثالثة عشرة بشأن ذلك المسلم الذي فرض عليه أبوه أن يتزوّج من ابنة عمّه الهندوسية، قال سماحته: لقد قال بعض الفقهاء بأنه لا إشكال عليه إن كان عليه حرج وإجبار. لكني لا أذهب إلى ما ذهبوا إليه في هذه المسألة التي قال الله تعالى فيها: «ولا تأخذوا بعصم الكوافر» (3)، فإنه مشكل. وحول الحرج قال سماحته: إن الفقهاء يختلفون في الحرج وموارده حسب استنباطهم من الروايات واﻷحاديث ولا يحكمون عليها بحكم واحد، وهو في محله لأن الموارد مختلفة. وأضاف سماحته: أحياناً يكون الحرج في الموضوع فهل يمكن رفعه بحرج آخر. مثلاً: إن الوضوء واجب والحجّ واجب، ولكن إذا كان الوضوء بالماء البارد يسبب لشخص ما الحمّى أو غيرها من اﻷمراض ولا يوجد إلا الماء البارد فيمكن لذلك الشخص أن يتيمّم. وأما إذا كان ذهابه إلى الحجّ من المحتمل أو قد يسبب له اﻹصابه بالحمّى فلا يرفع عنه الذهاب وعليه أن يذهب. ففي زمن المعصومين صلوات الله عليهم كان الناس في الحج يصابون باﻷمراض ولكن مع ذلك كان اﻷئمة صلوات الله عليهم يأمرونهم بالحج. وأردف سماحته: الحرج واحد لا أكثر ولكن مع ارتكاز المتشرعة علينا أن نقول بالفرق بين موارد الحرج ومراتبه وأنا أذهب إلى ذلك. فارتكاز المتشرّعة له طريقة عقلائية كما أن للظواهر طريقة ولخبر الثقة طريقة. وسأل أحد الحضور عن الشخص الذي يضطر ولضرورة ما إلى الخروج والسفر من مدينته إلى مدينة أخرى بينهما مسافة شرعية ويرجع في اليوم نفسه إلى مدينته، وذلك يوميّاً ولمدة معينة لا تقلّ عن شهر واحد، فما حكم صلاته وصيامه؟ أجاب سماحته: في السفرة اﻷولى عليه أن يقصر ويفطر. ولكن في السفرات التي بعدها يُعدّ (كثير السفر) فعليه أن يصلّي تماماً ويصوم حتى لو كان في الطريق. أما إذا انقطع عن السفر عشر أيام أو أكثر فعليه بعد انتهاء العشرة أيام أن يقوم بما عمله مسبقاً، أي يقصر في صلاته ويفطر في السفرة اﻷولى ثم في السفرات التالية يصلّي تماماً ويصوم أيضاً. يذكر، أن من الضيوف والشخصيات وفضلاء الحوزة العلمية الذين زاروا سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في هذه الليلة كان نجل آية الله السيد حسن الإمامي دامت بركاته حجة الإسلام والمسلمين فضيلة السيد مهدي الإمامي دام عزّه من مدينة أصفهان، وأحد وكلاء سماحة المرجع الشيرازي في مملكة البحرين فضيلة الشيخ جعفر الدرازي دام عزّه. 1) أصول الكافي/ ج2/ باب التقية/ ص219/ ح10. 2) وسائل الشيعة/ ج16/ باب 29 جواز التقية في إظهار كلمة .../ ص 225/ ح21423. 3) سورة الممتحنة: الآية 10.
|
|||
|
|
|||
|
|
|
||
|
|
|
||