بين يدي المرجع: الليلة الرمضانية السابعة عشرة




 

 

في ليالي شهر رمضان المبارك يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات وعامة المؤمنين على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في مدينة قم المقدسة. وخلال لقائهم بسماحة السيد المرجع يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا وتوجيهات.

في مجلس هذه الليلة تناول سماحة السيد المرجع (دام ظله) في حديثه مع الفضلاء الضيوف مواضيع عديدة ومسائل مختلفة، كان منها مسألة وجود بعض النواقص في كتب النحو العربية، فقال سماحته بهذا الصدد: لقد أسس النحويون قواعد للغة العربية من الكلام العربي الفصيح، ولكن هذه القواعد غير كاملة ﻷنها لم تستخرج من الكلام العربي الفصيح كله. ولذلك يوجد هناك في علم النحو نواقص كثيرة.

وواصل سماحته الحديث قائلاً: أنا في الماضي قد درّست كتاب (مغني اللبيب والسيوطي مع حواشيه المختلفة كحاشية السيالكوتي، وحاشية الصبّان) لعدّة سنين، وفكّرت ذات مرّة بأن أكتب كتاباً في النحو بحيث يكون شاملاً لمسائل النحو على غراركتاب: مغني اللبيب، وقد صرفت أياماً وشهوراً طويلة في ذلك وكنت أظن أن هذا المؤلف سيكون عوناً لطلاب اللغة العربية ونافعاً لهم. ولكن وفي السنة اﻷخيرة من حياة والدي قدّس سرّه حصلت لدي شبهة حول تأليف هذا الكتاب، وفكرت مع نفسي وقلت: لعل الواجب العيني عليّ هو طلب الفقه وأن أصبح فقيهاً لا أن أصرف وقتي في النحو. فسألت والدي عن ذلك، فوافقني على ما حصل لي من شبهة بل وقوّاها، فعزمت على ترك هذا العمل، وتركته.

وعن وجود بعض الأخطاء في كتب النحو، مثل كتاب (مغني اللبيب) قال سماحته: ان ابن هشام لم يصب في بعض المطالب في كتابه، فعلى سبيل المثال: يقول ابن هشام حول الهمزة: (إن همزة اﻹستفهام تدخل على كلمات لا تدخل عليها أدوات استفهام غيرها، كالهمزة في اﻹستفهام التقريري والاستفهام الإبطالي والاستفهام الإنكاري، فهذه اﻷنواع من الاستفهامات تأتي بالهمزة فقط).

وعقّب سماحته:لكن هذه اﻷنواع من الاستفهامات (أي: التقريري واﻹبطالي والإنكاري) ذكرت في القرآن الكريم ـ المعجزة في الفصاحة ـ ودخلت عليها أدوات استفهام أخرى غير الهمزة مثل: هل.

وسأل أحد الفضلاء من سماحته: هل تُعدّ اﻷروقة الجديدة التي تم بناؤها في الصحن الشريف لمرقد اﻹمام الرضا سلام الله عليه مسجداً كبيراً؟ وهل يجوز للمجنب والحائض الدخول في هذه الأروقة؟

قال سماحته: نعم يجوز لهم دخول اﻷروقة الجديدة والقديمة أيضاً. ولكن وحسب القدر المتيقّن أنه لا يجوز للمجنب والحائض ونحوهما الدخول إلى حوالي الضريح والمكان الذي يكون تحت القبّة الشريفة.

وسأل آخر: إذا أراد جمع من اﻷطفال أن يذهبوا إلى الحج فإلى أي مرجع يرجعون في أداء مناسك الحج؟

أجاب سماحته: يرجعون إلى مرجع ذلك الشخص الذي يأخذهم إلى الحج ويحرم ويطوف معهم، ﻷن اﻷطفال غير مكلّفين.

من جانب آخر وخلال كلامه مع أحد الفضلاء حول كتب تفسير القرآن الكريم قال سماحته: يوجد كتاب تفسير عند أهل العامة معروف بتفسير الجواهر ومؤلفه الطنطاوي، وقد طبع هذا الكتاب طبعات عديدة، وأنا قد طالعته.

ثم أضاف سماحته بأنه يوجد في هذا الكتاب كلام غير لائق بالتفسير، ويوجد فيه أيضاً كلام لائق وبعض النكات والقصص اللطيفة، أذكر لكم واحدة منها وهي كما قال:

اثنان من الأدباء العرب كان أحدهما مسلماً واﻵخر مسيحياً وكانا صديقين. وفي إحدى جلسات لقائهما قال اﻷديب المسيحي للأديب المسلم: إن كتاب دينكم وهو القرآن كتاب فريد ولا نظير له أبداً، ولكن مع ذلك أنتم المسلمون تغالون في الثناء عليه كثيراً.

قال الأديب المسلم: لا اُوافقك على هذا الكلام، بل نحن لالمسلمين لا نعرف قدر القرآن، فإن القرآن هو أكبر وأعظم مما نقوله نحن ومما سمعته أنت.

قال الأديب المسيحي: أنا ممن له باع في العلم والمعرفة وأعرف ما أقول من دعوى انكم أنتم تغالون في القرآن.

قال الأديب المسلم: لا، نحن مقصّرون بحق القرآن ولم نعلم لحد اﻵن قدر القرآن وعظمته. ثم قال الأديب المسلم للأديب المسيحي: دعني أطلب منك شيئاً. قال المسيحي: تفضل.

قال الأديب المسلم: جئني بعبارة عربية موجزة وفصيحة جداً حول (جهنم بحيث تبيّن أنها كبيرة جداً ولا تمتلئ مهما ألقي فيها من الناس وغيرهم). فأتى المسيحي ـ بعد تأمله وتفكّره ـ بعبارة، فلم يقبل المسلم بها وقال له: جئني بأحسن منها. فأتى المسيحي بعبارة ثانية فلم يقبل بها المسلم أيضاً، وأتى المسيحي بثالثة ورابعة وخامسة وهكذا حتى أتى باثنين وعشرين عبارة فلم يقبل المسلم بشيء منها، فقال المسيحي: لا أعتقد أنه توجد عبارة أبلغ وأجمل من العبارة اﻷخيرة التي ذكرتها لك.

فقال له المسلم: إن كتابنا القرآن الكريم قد أتى بعبارة حول ذلك وهي قوله تعالى: «يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ» سورة ق: الآية 30.

يقول الطنطاوي: فعندما سمع اﻷديب المسيحي هذه الآية الشريفة اندهش كثيراً وتعجّب من بلاغة القرآن وفصاحته، ولشدّة دهشته سقط على الأرض، وبعد أن نهض قال للمسلم: كل ما تقولونه أنتم المسلمون حول القرآن فهو في محلّه وصحيح.