بين يدي المرجع: الليلة الرمضانية الثانية والعشرون




 

موقع الإمــــــام الشيرازي

24/شهر رمضان/1430

 

في ليالي شهر رمضان المبارك يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات وعامة المؤمنين على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في مدينة قم المقدسة. وخلال لقائهم بسماحة السيد المرجع يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا وتوجيهات.

في هذه الليلة كان لموضوع (قيمومية الرجال وشأنية الزوجة) السهم الأكبر في البحوث العلمية لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) مع الفضلاء والشخصيات.

بهذا الصدد سأل أحد الحضور من سماحته عن معنى قوله تعالى: «الرجال قوّامون على النساء» (1)؟

قال سماحته: علينا أولاً أن نعرف معنى «قوامون»، ففي العراق يطلق على الذين ينالون شرف الخدمة في العتبات المقدسة اسم: «قيّم» ومعناه الخادم، والقائم بالخدمة، وهذا يعني: القيمومة والقيام بالمسؤولية، ومنه تسمية القيّم على الصغار، فإنه إذا توفّى الأب ـ لا سمح الله ـ عن أولاد صغار فإن الشارع المقدس يضع لهم قيّماً أي: من يقوم بشؤونهم وأمورهم، وبعبارة أخرى يكون مسؤولاً عليهم. إذن فمعنى الآية الكريمة هو: ان الله تعالى ألقى على الرجل مسؤولية القيام بأمور الزوجة، ورعاية شؤون الحياة الزوجية وتهيئة مستلزماتها وضرورياتها ولم يلقها على الزوجة. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الجواهر حيث يقول ما مضمونه: يجب على الزوج أن يقوم بالخدمة بنفسه أو بالواسطة.

وحول مسؤولية الزوج سأل آخر: ما هي حدود الخدمة في الحياة الزوجية؟

أجاب سماحته: العرف يحدّد ذلك. فإن كل أمر لم يبيّن الشارع المقدس حكمه وموضوعه وحدوده، يجب أن يرجع فيه إلى العرف. والعرف كما قال الفقهاء: يرى ذلك ـ حسب شأن الزوجة وقدرة الزوج على أداء ما يلائم شأنها ـ مختلفاً من زوجة إلى زوجة، يعني أن الخدمة ترتبط بالشأنية فإذا كان شأنية المرأة أن تعيش وتسكن في بيت مستقل فعلى الزوج أن يسعى إلى تهيئة ذلك لها بقدر استطاعته، وإذا كان من شأنية المرأة أنها بجاجة إلى خادمة أو خادم ﻷنه كان لها خادمة في بيت أبيها ولم تتعوّد على الأعمال المنزلية، فعلى الزوج أن يأتي لها بخادمة إن استطاع ذلك. فإذا تزوّج أحد الكسبة مثلاً مع ابنة ملك، أو إذا تزوّج الملك مع ابنة كاسب فالخدمة هنا تتبع الشأنية.

وواصل سماحته الحديث بقوله: إذن يستفاد من مجموع اﻷدلة أن إدارة البيت في جميع الموارد ومنها المورد المالي هو على الزوج بقدر استطاعته وبمقدار شأنية الزوجة.

نعم، قد جعل الشارع المقدس للزوج مقابل مسؤوليته تجاه الزوجة أمرين واجبين فقط، وأمر الزوجة باطاعته فيهما، لأنه جعلهما واجبين على الزوجة وهما: عدم خروج الزوجة من البيت دون إذن زوجها، وتمكينها إياه من نفسها.

وأضاف سماحته: من الروايات التي يستفاد منها ماذكرناه هي الرواية التالية: روي أن النبي صلى الله عليه وآله بايع النساء على الإسلام وكان على الصفا وكان عمر أسفل منه وكانت هند (آكلة الأكباد) بنت عتبة مع النساء وقد تنكّرت لئلا يعرفها رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً. فقالت هند: إنك لتأخذ علينا أمراً ما رأيناك أخذته على الرجال ـ وذلك أنه بايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط ـ فقال النبي صلى الله عليه وآله: ولا تسرقن. فقالت هند: إن أبا سفيان رجل ممسك وإني أصبت من ماله هنات فلا أدري أيحل لي أم لا؟ فأجابها أبو سفيان وكان حاضراً: ما أصبت من شي‏ء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال. فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك وعرفها (2).

وحول شأنية اﻹنسان سأل أحد الفضلاء من سماحته: من الذي يعيّن ويحدّد الشأنية؟

قال سماحته: العرف هو الذي يعين ذلك حسب شخصية كل إنسان. فالخطيب المعروف والمشهور الذي له مكانة بين الناس فمن شأنيته أن يرتدي عباءة سعرها أو قيمتها كذا ألف دينار، ولكن ليس من شأنية طالب العلم المبتدئ أن يرتدي عباءة بهذا السعر.

وقال سماحته: كان السيد صالح الحلّي من أكبر الخطباء في زمانه، وقد ذكر والدي (قدّس سره) بأن السيد صالح كان من الحفّاظ الجيدين للأحاديث والروايات. وذات مرة قال السيد صالح في إحدى مجالسه: إن شأنية الناس مختلفة، فشأنيتي أنا تختلف عن شأنية زوجتي، فزوجتي ترتدي عباءة أثمن من عباءتي ومن عصاي ومن ثيابي.

وواصل سماحة السيد المرجع الحديث بقوله: شخص سألني: زوجتي تمتهن حرفة الخياطة وتقوم بشراء الذهب والثياب لنفسها مما يردها من المال من الخياطة، ففي هذه الحالة يجب عليها الحجّ أم لا؟ فقلت له: إن كانت ما تحصل عليه من المال أكبر من شأنيتها فيجب عليها الحجّ. فسألني وما معنى الشأنية؟ قلت له: الشأنية لزوجتك هي أنه إذا قال النساء عند مشاهدتهن لزوجتك وهي متزينة بالذهب: ما دهى هذه المرأة فإن عليها ذهب كثير؟ فاعرف أن ما حازته زوجتك من الذهب والحلي هو أكبر من شأنها. نعم، كما يمكنك معرفة ذلك بأن تقارن بين زوجتك وامرأة أخرى، هي بمستوى زوجتك ولها الحرفة نفسها ويردها من المال كما يرد لزوجتك.

وفي بحث علمي حول رؤية هلال شهر رمضان المبارك وهل أن رؤية أهل المشرق للهلال هي حجّة على أهل المغرب الذين هم في اُفق واحد مع أهل المشرق؟

قال سماحته: لقد بيّنت ذلك مفصلاً في (الحاشية على العروة الوثقى)، فأغلب الفقهاء يقولون بأن اﻵفاق الشرقية حجة للآفاق الغربية بنحو مطلق. ولكنني أقول بالتقييد في إطلاق حجية البلاد الشرقية للغربية في الرؤية: بالقريبة المجتمعة في النصف من الكرة الأرضية، دون مثل استراليا والشرق الأوسط في خصوص الخريف والشتاء، فإنه ربما يرى الهلال في سدني الاسترالية وهو شرق بالنسبة للشرق الأوسط ولا يرى في الشرق الأوسط في الخريف والشتاء، وعليه: فرؤية الهلال في مدينة مشهد يكون حجّة لمدينة قم، ولكن رؤية الهلال في سدني لا يكون حجة لمدينة قم المقدسة.

وأردف سماحته: أنا أقول بهذا الشرط: إذا تم رؤية الهلال في مكان من البلاد الشرقية. وفي مكان آخر من البلاد الغربية المجتمعة في النصف من الكرة الأرضية لم يتم رؤيته لمانع، فإنه يثبت الهلال فيه.

وفي مناقشة علمية حول بعض القواعد اﻷصولية قال سماحته: بعض الموارد يجري عليها أصالة الظهور، وبعض الموارد يجري عليها أصالة عدم الظهور، وأحياناً يمتزج الأصلين في كلام الفقهاء. مثلاً: الكلام الذي له ظهور في اﻷصالة ويشك في إطلاقه بأنه للمتكلّم أو لا، فهنا تجري أصالة الظهور. وأما إذا شك عرفاً بأن هذا الكلام له ظهور في اﻹطلاق أو لا فهنا تجري أصالة عدم الظهور.

وفي بحث علمي حول موضوع أصالة الخمس قال سماحته: إذا شككنا في الهدية بأن فيها الخمس أم لا، ولم يصل الفقيه إلى نتيجة معيّنة في ذلك، فهل تشمل أدلة الخمس هذا المورد يعني الهدية؟

وقال سماحته: إن اﻷصل هو الخمس في كل شيء إلاّ ما خرج بالدليل، يعني: إن ما لا خمس فيه فهو يحتاج إلى دليل. ولذا جاء في الروايات الشريفة: «الأرض كلها لنا، فما أخرج الله منها من شيء فهو لنا ... (3)».

إذن الخمس يتعلّق بكل شيء، وأما إذا قلنا أن الشيء الفلاني لا يتعلّق به الخمس فعلينا أن نأتي بالدليل.

وقال أحد الفضلاء: لقد ذكرت الروايات الشريفة ان الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان أكثر طعامه من خبز الشعير اليابس، وأنه صلوات الله عليه كان يساعد الفقراء والمساكين وكان يعدّ لهم طعاماً، فهل كان ما يعطيه الإمام للفقراء هو خبز الشعير اليابس؟

قال سماحته: كان الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) يعدّ موائد ثرية باللحم والمجمّلات للفقراء والمساكين وكان يأمر الطبّاخين بأن يجعلوا فيها الدجاج والسمك، وأما هو صلوات الله وسلامه عليه فكان خبز الشعير اليابس والملح هو طعام مائدته.


1) سورة النساء: الآية 34.

2) مستدرك الوسائل/ ج14/ باب 90 جملة مما يحرم على النساء و.../ ص279/ ح2.

3) وسائل الشيعة/ ج9/ باب 14 إباحة حصة الإمام من الخمس للـ.../ ص 548/ ح12.