ليالي رمضانية (1): في ظل السيد المرجع




 

موقع الإمــــام الشيرازي

5/شهر رمضـان/1431

 

في ليالي شهر رمضان المبارك يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات وعامة المؤمنين على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في مدينة قم المقدسة. وخلال لقائهم بسماحة السيد المرجع يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا و توجيهات.

في مستهلّ الحديث من جلسة هذه الليلة قال سماحته: نشكر الله (تبارك وتعالى) أن منّ علينا ووفّقنا بأن نشهد شهر رمضان آخر، فكثير من المؤمنين كانوا قد شهدوا شهر رمضان السنة المنصرمة، لكنهم في هذه السنة قد رحلوا عن الدنيا ولم يدركوا رمضاننا هذا.

ثم أضاف سماحته قائلاً: قال لي أحد زملاء المرحوم آية الله السيد محمد رضا الشيرازي (قدّس سره) في الدراسة: رأيت السيد رضا في عالم الرؤيا، فسألته: هل الدنيا كانت أفضل أم الآخرة؟ أجاب: كانت الدنيا ساحة عمل وارتقاء أفضل لأني كنت أقوم بتأدية الواجب ومنه إلقاء المحاضرات.

وحول كيفية تعامل الإنسان مع مشاكل الحياة وصعوباتها قال سماحته:

ذكرت الروايات الشريفة: «عن الإمام الرضا (سلام الله عليه) أنه قال: مرّ علي بن الحسين (سلام الله عليهما) برجل وهو يدعو الله أن يرزقه الصبر فنهاه عن ذلك وقال: ألا لا تقل هذا، ولكن سل الله العافية والشكر على العافية»(1) فإن الشكر على العافية خير من الصبر على البلاء وكان من دعاء النبي (صلى الله عليه وآله): «اللهم إني أسألك العافية والشكر على العافية في الدنيا والآخرة»(2).

وفي إطار الحديث حول أمور التبليغ، والإرشاد إلى تعاليم أهل البيت (عليهم السلام) قال سماحته: ببركة جهود المؤمنين وما يبذلونه في التبليغ والإرشاد إلى فكر أهل البيت (صلوات الله عليهم) فإنه سيتحوّل إن شاء الله (تعالى) أولاد المخالفين وأحفاد الوهابيين إلى التشيّع وسيكونون من أتباع أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وهذا ما يحدث حالياً ولكنه بالخفاء. فمعظم الناس ليسوا معاندين، بل لأنهم لا يعرفون أهل البيت (صلوات الله عليهم)، كما يقول الإمام الرضا (صلوات الله عليه): بأن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا(3).

ثم قال سماحته: لقد كان المسمّى بصلاح الدين الأيوبي ـ وهو اسم على غير مسمّى ـ عدوّاً لأهل البيت، وأجرم كثيراً بحق أتباعهم (صلوات الله عليهم)، مع هذا نجد أن ابنه الكبير ـ وكان يدعى عليّاً ـ تحوّل إلى التشيّع في زمن أبيه دون علم الأخير.

لقد تعرّض أتباع أهل البيت (صلوات الله عليهم) في الماضي إلى أذى كثير وصعوبات كثيرة وظلم كبير، حيث إن أحدهم كان يُقتل لمجرّد روايته حديثاً واحداً فقط عن فضائل أهل البيت (صلوات الله عليهم). أما اليوم فالأمور قد تغيّرت، ويكفي أعداء أهل البيت العبرة من التاريخ، والاتعاظ من السنن الكونية، فإنهم قد حكموا أربعة عشر قرناً تقريباً حكماً مليئاً بالظلم والجور، والكبت والحرمان، وقد آن للعالم اليقظة والوقوف على حقانية الرسول الكريم وأهل بيته المعصومين، وتبدّل الدنيا اليوم لصالح أهل البيت الأطهار (صلوات الله عليهم) ولأتباعهم.

من جانب آخر، وفي إطار البحث العلمي، سأل أحد الفضلاء من سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) قائلاً: لو كان للشخص أرباحاً متعددة تأتيه من مزرعة له مثلاً ومحل تجاري وبيت، وغيرها، فهل يجعل لكل هذه الأرباح ـ مجتمعة ـ رأس سنة خمسية واحدة، أم يجعل لكل ربح رأس سنة خمسية؟

أجاب سماحته: لقد أشار صاحب العروة إلى هذه المسألة في كتابه القيّم: العروة الوثقى، وهو عندي كذلك بأنه على الظاهر أن الملاك هو: تعيين رأس سنة خمسية واحدة لكل الأرباح. فالمبنى هو: أن يجعل الإنسان لنفسه رأس سنة خمسية واحدة لجميع ما يرده من الأرباح المتعددة من الموارد المتعددة وغيرها، لأنه إذا خسر في إحداها تكون باقي الأرباح جابرة للخسارة، لا أن يجعل لكل ربح سنة جديدة.

وسُئل سماحته عما إذا أودع شخص أرباحه في البنك، ومضى على إيداع بعض هذه الأرباح سنة، فهل يستطيع أن يتصرّف في هذه الأموال التي مضى عليها سنة؟

قال سماحته: لم نقبل مبنى جعل سنة جديدة لكل ربح، ولكن على فرض قبوله يستطيع ذلك، فإنه لو أودع شخص أمواله كلّها في مكان ما، ثم قصد أن يتصرّف في خصوص الأموال التي لم يمرّ على إيداعها سنة، فإنه يستطيع أن يتصرّف فيها بهذا القصد، وكذلك لو كانت الأموال مودعة بشكل متفرّق.

ثم سئل سماحته عن أنه هل يجب فرز الخمس والزكاة عن بقية الموارد، أم يجوز للفقيه عدم الفرز ويبني عليه؟

فأجاب سماحته: إن العديد من الفقهاء كالسيد الوالد (رحمه الله) رفضوا مبنى عدم الفرز ولم يعملوا به. فقد كانوا يخرجون سهم السادة والزكاة وما شابهها من مجموع الحقوق الشرعية التي كانت تجتمع عندهم من الخمس والزكاة وردّ المظالم. لكن على مبنى عدم الفرز يمكن العمل به ويصح أيضاً بقصد إيصال كل من الخمس والزكاة وغيرهما إلى مورده الخاص به في المجموع.

وأضاف سماحته: على الظاهر أن مبنى عدم الفرز هو المعهود عليه عرفاً حيث لا يُرى للقيد ـ وجوب الفرز ـ لزوم. لأن القصد هو المعيار الذي به يستطيع صاحب الأموال التي فيها الزكاة والخمس مثلاً أن يستخرجها معاً من مجموع أمواله.

على سبيل المثال: لو كانت في ذمة الشخص الزكاة والخمس معاً من دون فرز، وأعطى لمرجعه أموالاً مختلطة بقصدهما، فكيف يمكن معرفة كم منها خمساً وكم منها زكاة حتى يستطيع فرزهما؟ فإن قلنا: أنه هنا تابع للنية والقصد، قلنا: فإنه هناك أيضاً كذلك، فيصح التصرّف فيها بقصد إيصال كل من الحقوق الشرعية إلى مستحقه أيضاً.

وأردف سماحته قائلاً: فالمسألة إذن عرفية. إي: إن العرف هو الملاك في مثل هذه الموضوعات التي لم يجعل الشارع لها أمراً معيناً، وطريقة خاصة.

مثلاً: يُنقل عن السيد أبي الحسن الاصفهاني أنه كان لا يفرز ما يصله من الحقوق الشرعية من خمس وزكاة ونحوهما من مجموع الأموال التي كانت تصله وإنما يتصرّف فيها بالقصد. وكذلك هو المعروف من مثل وزارة المالية في عالم اليوم، حيث تتجمّع فيها الأموال المتعددة في مكان واحد، ومن الأموال المجتمعة في هذا المكان، يكون التصرّف في أمور أخرى متعددة.

إذن فالعرف يقرّ بمثل هذه الأمور، ويمضي نحو هذه المسائل.

وعقّب أحد الحضور متسائلاً: ألم تقل الروايات الشريفة: إنما الأعمال بالنيّات فيكون الأمر كما قلتم متعيّناً بالقصد والنيّة؟

قال سماحته: قد يمكن الحصول على مؤيّد للمسألة من الروايات، ومنها الرواية التي ذكرتموها.

قال الشهيد الثاني: هذه الرواية متواترة.

وعلى الظاهر: أن هذا التواتر فيه هو تواتر معنوي. ولكن هل مراد الرواية الشريفة هو الموضوع المتباحث عليه، أم إنها منصرفة لمسألة الثواب والأمور العبادية؟

لقد استند صاحب الجواهر على هذه الرواية كراراً، ولكن في الأمور العبادية وليس في بحث ما نحن فيه الذي هو موضوع مالي وخاص بالأمور المالية.

وسأل أحد الفضلاء: كيف يمكن إيصال مبلغ الخمس إلى موارده والحال يستلزم التصرّف فيه؟ فمثلاً: التصرّف لإيصال الحق يستلزم تبديل مبلغ الخمس إذا كان مائة ألف إلى تصريفه نصفين، وصرفه في موردين، مع انه لا يجوز؟

أجاب سماحته: قال بعض الفقهاء المعاصرين بأنه: لا يجوز التصرّف في أموال الخمس بعد عزلها دون إذن المرجع وإن كان تبديلاً، أي تبديل المائة ألف وتصريفه إلى نصفين.

وعقّب أحد الحضور متسائلاً: فكيف إذن يتصرّف المرجع بمثل ذلك؟

قال سماحته: يتصرف بمثل ذلك من باب الحسبة، لأنه لا حلّ لها على الظاهر غير ذلك.

وعقّب سماحته: في الواقع عندما يقع الشك في مثل هذه الأمور فإنه لا حلّ لها إلاّ التصرف من باب الحسبة، خصوصاً إذا قلنا بأنها من قبيل «العنوان والمحصل» فإنها مورد الاحتياط، لكن على ما يبدو أن العرف لا يشك في مثل هذه الأمور، والشارع لم يعيّن عنواناً خاصاً لمثل هذه المسائل. بل لعله يدّعي بعض بتقرير المعصوم أيضاً.

من جانب آخر، سأل أحد الفضلاء: لو أراد أحد الأشخاص إبراء غريمه، فهل تكفيه النيّة أم عليه أن يظهر ذلك؟

أجاب سماحته: النيّة على الإبراء لا تعدّ إبراءً، بل الإبراء بحاجة إلى الإنشاء ولو إنشاء قصدي، وبعبارة أخرى: إذا فكّر الشخص أن يبرئ ذمّة غريمه فهذا لا يكفي في الإبراء، لكن إذا قصد ذلك وأنشأ الإبراء في نفسه، فإنه يكفي ولا حاجة إلى اللفظ معه و هو أمر عرفي، والشارع لم يعيّن عنواناً خاصاً لذا علينا أن نعرف ما يراه العرف؟

على سبيل المثال: إن كانت في ذمة زيد أموال لعلي، وجاءه أحد الأشخاص وقال له إن عليّاً قد أبرأك، فما الذي يفهمه العرف من ذلك؟ أي من كلام الشخص الناقل، هل هو قصد الإبراء أم الإبراء نفسه؟

إن العرف يقول بوقوع الإبراء من يوم أمس، والآن (اليوم الثاني) قد حصل ما قُصد، ولكن طريق كاشفيته هو اللفظ. الإبراء إنشاء في النفس.

وسأل أحد الحضور: لو أن شخص أبرأ شخصاً ثم ندم على ذلك فما عليه؟

قال سماحته: أنا لم أر مثل هذا في الإبراء، لأن الإبراء ايقاع وليس عقد. فلا يفيده ندمه شيئاً، وطبعاً المسألة هي محل خلاف. والشارع لم يقل شيئاً في مثل هذه المسائل، لذلك علينا أيضاً أن نرجع الى العرف ليقول رأيه في المسألة.

وسُئل سماحة المرجع الشيرازي: في الزواج المؤقت إذا نوى الزوج أن يهب المدة المتبقية، فهل عليه أن يظهر ذلك باللفظ؟

أجاب سماحته: هنا في هذه المسألة لا يُقال للنيّة هبة، بل يحتاج إلى الهبة وليس الإبراء، لأن الأدلة ذكرت كلمة الهبة، ولذا فالنيّة ليست هبة، بل نيّة الهبة ونية الهبة لا تكفي.

وسأل آخر أيضاً: إن وقعت الزوجة في حرج شديد في معاشرتها مع زوجها، ومع عدم قبول الزوج بالانفصال ما عليها أن تفعل؟

أجاب سماحته: اذا كان الزوج لا يعاشر زوجته بالمعروف، أو لا ينفق عليها، فللزوجة الحق أن تطالبه بالطلاق، فإذا لم يستجب لها، لا بتعديل سيرته والإنفاق عليها ولا بطلاقها، جاز لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي وتطلب منه أن يأذن لها بالطلاق، وهنا في فرض صحة الدعوى للحاكم الشرعي أن يأذن لها بالطلاق. ولكن لو لم يكن تقصير من الزوج في معاشرتها ولا في الإنفاق عليها، وإنما هي تكره الزوج وتكون في حرج من الحياة معه، فإن لها شرعاً أن تبذل للزوج مهرها أو ما يزيد على المهر حتى يخلعها عليه، فإذا رضي الزوج بذلك وطلّقها فبها ونعمت، وإلاّ لم يكن لهذا الحرج مفرّ سوى أن ترضى الزوج بذلك، وعليه: فالبت في مثل هذا في باب النكاح يكون من الصعب نوعاً ما، إذ من جهة وجود الحرج، ومن جهة أخرى وجود ارتكاز المتشرعة. فمهما كانت الصغرى (وهو الارتكاز) سلباً أو إيجاباً وثبتت، فالكبرى (وهو ارتكاز المتشرعة) ستثبت أيضاً. على سبيل المثال: إن (لا حرج) لا يشمل الزنا. فمثلاً إذا وقع شخص في حرج شديد لعدم ممارسته الزنا، فإن ارتكاز المتشرعة هنا هو عدم النظر إلى الحرج الشديد. ومثله أيضاً: إذا كان الزوج حسن الأخلاق والمعاشرة، ولكن الزوجة تقع في حرج شديد عندما يعطس أو يصبح عنده سعال.

وسأل آخر: ألا يؤدّي ذلك إلى التناقض في قاعدة (لا حرج)؟

أجاب سماحته: كلا، فهنا الأخص مطلق، وليس التناقض، ومثله لا حرج إلاّ في الخمس. وأنا أرى في باب النكاح إن الارتكاز مقدّم فيما إذا لم يكن مورد مأثور في المسألة.

فسُئل سماحته: إذن ما على الزوجة؟

أجاب سماحته: عليها أن ترضي زوجها حتى يطلّقها.

يذكر، أنه قام بزيارة سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في هذه الليلة العديد من العلماء والفضلاء وأساتذة الحوزة العلمية من العراق والخليج وإيران، كان منهم المفكّر والمحقّق الإسلامي فضيلة الشيخ علي الكوراني (دامت بركاته)،وأستاذ الحوزة العلمية والجامعة في كربلاء المقدسة الأستاذ الشيخ فاضل الصفّار (دامت بركاته).


1) مشكاة الأنوار/ الفصل الرابع في الخلوة والعزلة و.../ ص258.

2) المصدر نفسه.

3) وسائل الشيعة/ ج27/ باب 8 وجوب العمل بأحاديث النبي والأئمة (صلوات الله عليه وعليهم)/ ص92/ ح33297


المصدر: www.s-alshirazi.com