
|
ليالي رمضانية (2): في ظل السيد المرجع |
|||
|
|
|
||
|
|
|||
|
موقع الإمـــام الشيرازي 6/شهر رمضان/1431
في ليالي شهر رمضان المبارك يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات وعامة المؤمنين على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في مدينة قم المقدسة. وخلال لقائهم بسماحة السيد المرجع يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا وتوجيهات. قد استقبل سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) في الليلة الثانية من مجلسه العلمي ـ كالليلة الأولى ـ الوافدين من العلماء والأفاضل عليه، وافتتح مجلسه بالثناء على الله (تعالى) والصلاة على رسوله الكريم وعلى آله المعصومين وشكر الله (سبحانه) على نعمة السلامة والعافية، والإيمان والولاية، ثم انه عندما استقرّ المجلس سأله أحد الفضلاء الوافدين قائلاً: لو أصيبت عين المريض بالضعف أو النقص جرّاء تناوله الدواء الذي وصفه له الطبيب، فهل يستطيع المريض أو يحقّ له أن يقتصّ من الطبيب أو يستحق الدية فقط؟ أجاب سماحته: القصاص هنا في مقام الثبوت لا إشكال فيه، وأما في مقام الإثبات فإنه لا يجوز للمريض أن يقتصّ من الطبيب مطلقاً، قاصراً كان الطبيب أو مقصراً للأدلة الخاصة، أي: هنالك تخصيص. نعم هو يستحقّ الدية. وهنا قال أحد الفضلاء متسائلاً: إذن ما معنى كون الطبيب ضامناً؟ أجاب سماحته: معناه ـ في فرض تحقق الضمان ـ أنه مديون بالدية له. وأردف الفاضل سؤاله الأول بسؤال ثان وقال: هل يحق للمريض أن يأخذ مالاً من الطبيب تحت اسم الدية مع ان الله (تعالى) قال: «ما على المحسنين من سبيل»؟ قال سماحته: قول الله سبحانه: «ما على المحسنين من سبيل» يرفع الحرمة والعقوبة ولا يرفع الضمان. وسأل أحد الفضلاء الحضور قائلاً: فإذا استحق المريض الدية، فهل له التقاص من الطبيب إن امتنع الطبيب من أداء الدية إليه؟ قال سماحته: إن كانت الأدلة على ضمان الطبيب الدية كاملة مع امتناع الطبيب من الوفاء، فهنالك قولان: الأول: التقاص جائز مطلقاً. الثاني: التقاص يحتاج إلى إذن الفقيه، وبشرط أنه لم يكن له حلّ آخر للتوصلّ إلى حقه. فعند اكتمال أدلة التقاص إن كان الطبيب ضامناً ولم يتبرأ مسبقاً من الضمان، فإنه يجوز للمريض التقاص ضمن الحدود والشرائط المزبورة. وسئل أيضاً: إن أنكر الطبيب ذلك، فما العمل؟ أجاب سماحته: في مقام الثبوت يعتبر الطبيب ضامناً، إلاّ إذا أتى في مقام الإثبات بدليل على براءته وعدم ضمانه. وسأل آخر: هل يمكن التحاكم عند الحاكم الشرعي؟ أجاب سماحته: نعم إن كان لإثبات ذلك. وأما إذا لم يكن بحاجة إلى إثبات فلا يلزم ذلك. وسأل آخر: إن لم يتمكّن المريض من التحاكم عند الحاكم الشرعي واحتمل فوات الفرصة عليه، فهل له حق الإقدام بنفسه؟ أجاب سماحته: لا يجوز دون أخذ الإذن من الحاكم الشرعي، وذلك من باب الاحتياط في الحقوق والأموال. وسُئل سماحته: هل يحق للمريض أن يدّعي بأن الدواء الذي وصفه له الطبيب هو سبب إصابة عينه بالضعف أو النقص، وهل يُقبل منه؟ قال سماحته: المريض إذا ادعى ذلك فلا يُقبل منه بمجرّد الدعاء، إذ قد يكون سبب الإصابة شي آخر، نعم إذا صدّقه خبير ثقة بأن سبب الإصابة هو الدواء الذي وصفه له الطبيب، سُمع ادعاؤه. وسئل سماحته: يعني عليه أن يثبت ذلك كشرط؟ أجاب سماحته: نعم، والفقهاء قد ذكروا هذا الشرط، ومنهم الشيخ الأنصاري في المكاسب. وسئل سماحته: هل التقاص يكون بعد ثبوت الضمان؟ أجاب سماحته: نعم يكون بعد أن يثبت انّ هنالك ضمان، وإلاّ فلا. وسئل سماحته: ماذا لو تفلّت الطبيب عن الضمان؟ أجاب سماحته: إذا كان الطبيب عند معالجة المريض لم يتبرّأ من الضمان. فالضمان هنا حتى وإن لم يكن عليه دليل خاص، فإنه على وفاق القاعدة العامة التي تقول بالضمان حتى إذا كان قاصراً. فإذا ثبتت الصغرى بأن الطبيب صار سبباً لحدوث هذا النقص أو الضعف في عين هذا الشخص، فالطبيب ضامن، ومعناه: أنه قد تعلّقت بذمة الطبيب أموالاً بمقدار الضمان، وهذا المريض الآن يطلبه، فإذا وصلت المسألة إلى جواز دفع الدية فمثله كمثل الدّيان مع صاحب الطلب. وسأل آخر: إذن الضمان ثابت مطلقاً؟ أجاب سماحته: نعم، الطبيب ضامن مطلقاً إلا بالتبري من الضمان أولاً وقبل العلاج. وسأل أحد الحضور: إذا تفلّت الطبيب عن الضمان، وكانت للطبيب أموال عند المريض فهل يحقّ للمريض أن يتصرّف فيها؟ قال سماحته: هذا نفس التقاص، وقلنا: إن من شرائطه ـ بعد ثبوت الضمان ـ هو انه إذا طالب المريض الطبيب بالدية وكان الطبيب مع قدرته على الأداء ممتنعاً عن الوفاء، وأما إذا كان الطبيب شخصاً مؤمناً ولا يمتنع من أداء طلب أحد، فهنا لا يحقّ للمريض أن يتصرّف في أموال الطبيب. وسأل آخر: ماذا لو قام الطبيب بتأخير الأداء؟ أجاب سماحته: إن كان التأخير في الأداء مماطلة وفي غير محلّه يجوز ذلك مع انحصار طريق الاستيفاء فيه وإذن الحاكم الشرعي، وأما إذا لم يكن للطبيب مالاً حينها للأداء فهنا يجب إمهاله كما قال الله تعالى: «فنظرة إلى ميسرة» ولا يحقّ للمريض أن يتصرّف بأموال الطبيب، نعم إذا كان التأخير متعمّد هنا يحقّ للمريض أن يتصرّف. من جانب آخر سأل أحد الفضلاء من سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله): يقول أحد الباعة: اشترى شخص منّي بضاعة وذهب، وبعد عدّة أيام جاءني وادّعى بأن باقي المبلغ الذي أرجعته له كان ناقصاً، فما يتوجّب عليَّ؟ علماً أن ادّعاء ذلك الشخص لم يورث لي العلم بصحة ادعائه، بل هو مشكوك فيه. قال سماحته: إن الأصل هو عدم حجّية الإدعاء، إلاّ إذا تيقّن البائع بأن المشتري صادق في ادّعائه. أو أن يقيم المشتري الحجّة على ما يدّعيه. وحتى مع شك البائع واحتماله صدق المشتري في ادعائه، لم يكن على البائع عليه شيء أيضاً. وسأل أحد الحضور متأكداً وقال: حتى مع وجود الاحتمال؟ قال سماحته: نعم حتى مع وجود الاحتمال لا يترتب على البائع شيء. ثم أضاف سماحته بأن مثل هذه المسألة قد تعرّض لها ـ صاحب الجواهر مفصلاً. وكذلك تعرّض لذكرها صاحب العروة أيضاً وبتفصيل أكثر من غيره ـ مما خلاصته: «إن كل عقد أو إيقاع تم حصوله، ثم ادعى أحد الأطراف أو غيرهم ما يؤدّي إلى بطلانه، فإنه لا يسمع منه، إلاّ لو حصل العلم بصدقه، أو قامت الحجّة من بيّنة وغيرها على ذلك». على سبيل المثال: إن اُجري عقد النكاح بين رجل وامرأة، وبعد أيام جاء الرجل وأنكر ذلك، فلا اعتبار لإنكاره، وإن مات فإن المرأة التي عقد عليها ترثه. ومثال آخر: لو اُجري الطلاق بين زوج وزوجة، وبعد أيام جاءت الزوجة وادّعت بأنها كانت حائضاً، فلا يؤخذ بقولها إلاّ إذا حصل اليقين من صحة إدّعائها، مما معناه: أنه لايؤخذ بقولها مع عدم وجود اليقين وإن احتمل الصحة في ما تدّعيه. وسأل آخر: ماذا لو كان الادعاء لا بقصد النفع بل كان بما فيه الضرر على المدّعي؟ قال سماحته: أيضاً لا يُقبل منه ذلك، إلاّ إذا كان من باب الإقرار على نفسه، فإن إقرار العاقل على نفسه جائز ويؤخذ به. وسأل آخر: في حالة ما إذا قال العاقد: أنا لم أقصد الإنشاء. ولم يك ذو مصلحة في ذلك، فما الحكم؟ أجاب سماحته: لايؤخذ بقوله أيضاً، نعم هذا الفرض هو محلّ تأمل عند الفقهاء ومحل خلاف بينهم، وقد قال بعضهم بالتفصيل فيه. وسأل آخر: ماذا لو كان العاقد ثقة؟ أجاب سماحته: هذا ما أشرنا إليه بأنه محل تأمل وخلاف عند الفقهاء، فإن قيل بقبول قول ثقة واحد في الموضوعات وهو ما نقول به ونذهب إليه، فنعم يؤخذ بقوله من هذا الباب، ولكن البعض على أنه لا يكفي قول ثقة واحد في الموضوعات، وعليه: فإنه يجب أن يقيم ما يدّل على صحة الإدعاء ويصدّقه، وإلاّ فإن كل شخص يمكنه أن يدّعي ما يشاء. وتطرّق سماحته في الحديث حول بعض مسائل التلاوة وشيء من أحكام قراءة القرآن، فسأل أحد الفضلاء من سماحته: هل يجوز قراءة القرآن على غير القراءة المشهورة، مثل قراءة: آل يس؟ قال سماحته: المشهور هو قراءتها كما ذكرتم يعني آل يس، ولكن عندي شبهة في جواز القراءة على غير القراءة المشهورة، مع أن الكثير من الفقهاء قالوا بأنه لا إشكال في ذلك حتى في الصلاة. وقد أشار صاحب العروة إلى أربع قراءات في مثل قوله تعالى: «كفواً» من سورة التوحيد. وسأل آخر: ما هو حكم العبارات المضافة مع آيات القرآن الحكيم والتي ذكرتها بعض الروايات، مثل إضافة «في عليّ صلوات الله عليه» في قوله تعالى: «ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربّك» أي: في عليّ (عليه السلام)؟ أجاب سماحته: ان المستفاد من بعض الروايات الشريفة هو: أنه عندما كان جبرائيل (عليه السلام) ينزل بآيات من القرآن الحكيم على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) كان يذكر للنبي تأويل تلك الآيات أيضاً وتفسيرها وسبب نزولها. فمثلاً عندما نزل جبرئيل بقوله (تعالى): «ياأيها الرسول بلّغ ما اُنزل إليك» كان يقول للنبي: هذا قرآن، وبعدها كان يذكر له تأويل ذلك بقوله: في علي (صلوات الله عليه). وبما أن الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) هو الذي جمع القرآن مرة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو الموجود اليوم بأيدي المسلمين، ومرة أخرى ولم يكمل إلاّ بعد ارتحاله (صلى الله عليه وآله) بقليل، وقد ذكر فيه التأويل والتفسير وسبب النزول أيضاً مع آيات القرآن الكريم. فلما عرضه على القوم ورأوا أنه لا يتوافق مع مصالحهم الشخصية رفضوه وحرموا الأمة الإسلامية منه ومما فيه من علوم القرآن الحكيم. وسأل آخر: ولكن الرواية الشريفة تقول: والله هكذا نزلت، فما تفسير ذلك؟ أجاب سماحته: نعم، هكذا نزلت، يعني ما هو موجود بين أيدينا الآن هو عين ما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله) بلا زيادة ولا نقيصة. وأما بالنسبة لقراءة (إل يس)، فأقول: ان في بلاد الخليج ولحد الآن يستعملون إل مكان آل. مثلاً يقولون: فلان الحسن، أو فلان الأحمد ونحو ذلك، فبلاد الخليج مع أنهم عرب ويعلمون أن حسن وأحمد لا يدخل عليها الألف واللام ولكن مع ذلك تراهم يقولون: فلان الحسن، أو فلان الأحمد، ويعتقدون بأنها نوع من القراءة. ثم أضاف سماحته: إن القرآن الكريم ولأجل لحاظه بعض اللغات استخدم تعابير مختلفة وعديدة، ومنها إل يس التي تعني آل يس. وسأل أحد الفضلاء من المرجع الشيرازي قائلاً: ذكرت بعض الروايات ما معناه أن القرآن محرّف، فما تقولون في ذلك؟ أجاب سماحته: إن التحريف المقصود الذي ذكرته الروايات الشريفة هو: يعني: إنكار التأويل والتنزيل الذي كتبه الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) مع آيات القرآن عندما جمعه للمرة الثانية كما أشرنا إليه في أول البحث. وهنا أردف الفاضل قوله ذلك بقوله ثانية: ولكن الروايات تقول بأنهم أحرقوا مجموعة من المصاحف؟ أجاب سماحته: نعم، صحيح انهم أحرقوا المصاحف ولكن المصاحف التي كتب فيها التأويل والتنزيل. جدير بالذكر، أنه من الضيوف الذين زاروا سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) في هذه الليلة، نجل المرحوم آية الله العظمى الشيخ الميرزا جواد التبريزي (قدّس سرّه).
|
|||
|
|
|||
|
|
|
||
|
|
|
||
|
المصدر: www.s-alshirazi.com |
|||