السيد المرجع: التعبئة العلمية والتقوى أساس التوفيق والخلود




 

قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله جمع من الإخوة الناشطين في المجال الثقافي ومن الأساتذة والمبلّغين وطلاب العلوم الدينية، من بروندي واوغاندا وتنزانيا والكونغو من القارة الأفريقية، وذلك في بيته بمدينة قم المقدّسة، يوم الأربعاء الموافق للسابع من شهر جمادى الآخرة 1432 للهجرة، واستمعوا إلى إرشادات سماحته القيّمة التي استهلّها بالآية الكريمة: «مَا عندَكُمْ ينفَدُ وما عِندَ اللهِ باقٍ»(1)، وقال:

هذه الآية الكريمة هي خطاب قرآني لكل البشر. فكل واحد منّا مخاطب بهذا الكلام الإلهي، سواء كان رجلاً أو امرأة. ومعناه أن كل شيء في هذه الدنيا ينتهي إلا ما كان لله تعالى. فالإنسان يعيش في هذه الدنيا لفترة ما، كأن يعيش خمسين سنة أو مائة أو أكثر، وكل ما يرجع إليه وما يخصّه وما يصرفه شخصياً سينتهي، فالشهوات تنتهي، وصحّة البدن تنتهي، وهكذا حبّ المال وحبّ الظهور والغضب والحسد. ولكن إذا صرف الإنسان كل تلك الأمور التي مرّ ذكرها وغيرها، إذا صرفها لله تبارك وتعالى، فإنه سيبقى ذكره ويخلد إلى ماشاء الله تعالى.

وذكر سماحته نموذجاً ممن صرف حياته وعمره لله عزّ وجلّ وقال:

قبل مئات السنين كان هناك شاب مثلكم، وكان من طلاّب العلم، فخلّده التاريخ ولا يزال ذكره خالداً، وسيبقى خالداً إلى آلاف السنين، وذلك لأنه صرف حياته كلّها لله سبحانه، وهو الشيخ المفيد رضوان الله تعالى عليه.

كان يحضر درس المفيد العديد والكثير ومن الطلاّب من أتباع أهل البيت صلوات الله عليهم كالسيدين الشريفين الرضي والمرتضى والشيخين الأنصاري والطوسي رضوان الله تعالى عليهم، وغيرهم من الطلاّب، أي من العامّة والنصارى واليهود والعلمانيين ومنهم الشاعر أبو العلاء المعرّي. وكثير من أولئك التلاميذ اهتدوا لنور أهل البيت صلوات الله عليهم على يد الشيخ المفيد الذي كان يصرف طاقاته من أجل هداية الناس. فلقد كان رضوان الله تعالى عليه مصداق قول الإمام الرضا صلوات الله عليه: «يتعلّم علومنا ويعلّمها الناس»(2).

ذكروا في أحواله أنه: ذات مرّة جاءه عدد من علماء العامّة من إحدى مدن العراق، وطلبوا منه أن يعيّن لهم وقتاً لمناظرة علمية. فقال لهم: حالياً أعتذر عن ذلك لأنه لدي أعمال كثيرة، فلدي التدريس والتأليف ومباحثات علمية مع آخرين، فيمكنكم أن تأتوني بعد خمسة أيام.

قالوا: نحن لم نأت إلى بغداد إلا للأمر الذي ذكرناه لك، ولا نستطيع البقاء فيها لخمسة أيام.

قال: إذاً تعالوا غداً قبل أذان الصبح بساعتين، فأنا في هذا الوقت فقط لدي فسحة.

وعقّب سماحته: إن الموعد الذي عيّنه الشيخ المفيد لأولئك العلماء يبيّن مدى سعيه رضوان الله تعالى عليه في نشر معارف أهل البيت صلوات الله عليهم وانشغاله في الفعاليات العلمية. فمن الجدير بطلاب العلم أن يقتدوا به بأن يصرفوا حياتهم كلّها وما يملكون لله تعالى.

وأضاف سماحته: إن الله عزّ وجلّ جعل محمّداً وآل محمّداً صلوات الله عليهم أجمعين، جعلهم الوسيلة إليه، فاصرفوا حياتكم لهم صلوات الله عليهم، فما كان لأهل البيت فهو لله تعالى.

وشدّد سماحته قائلاً: على المؤمنين جميعاً بالأخصّ طلاّب العلوم الدينية أن يحاولوا بأن لا يصرفوا لغير الله تعالى حتى دقيقة واحدة من حياتهم ومن عمرهم، إلاّ ما كان للضروريات، أي للأكل والنوم والاستراحة الضرورية. أي أن تكون عندهم تعبئة علمية جيّدة. هذا أولاً.

ثانياً: عليكم جميعاً أن تلتزموا بتقوى الله تعالى، وأن تكون هذه التقوى تقوى حقيقية، بأن تقطعوا ارتباطكم وعلاقتكم بالدنيا وما فيها من الشهوات والرغبات واللهو ونحو ذلك.

وأكّد المرجع الشيرازي دام ظله: كلّ من ازداد التزاماً بالتقوى ازداد توفيقاً من الله تعالى، وازداد نصيبه لهداية الآخرين، وستكون صحيفة أعماله يوم القيامة أكثر نوراً.

جدير بالذكر، أنه بعد إرشادات سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، اعتمر العمامة على يد سماحته عدد من طلاب العلوم الدينية من الضيوف الكرام.


1) سورة النحل: الآية 96.

 2) وسائل الشيعة: ج27/ باب 8 وجوب العمل بأحاديث النبي والأئمة صلوات الله عليهم/ ص 92/ ح33297.


مؤسسة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) الثقافية